الأربعاء
2026/04/22
آخر تحديث
الأربعاء 22 أبريل 2026

موريتانيا وتازيازت: شراكة إذعان… أم هندسة تبعية؟

منذ 22 دقيقة
موريتانيا وتازيازت: شراكة إذعان… أم هندسة تبعية؟
طباعة

هل هناك جديد بين موريتانيا وتازيازت تحمله زيارة رئيسها لموريتانيا ؟
إلى حد الإن الشراكة بين موريتانيا وشركة تازيازت ليست مثالية ولا مجرد عقد استثماري طويل الأمد؛ إنها نموذج مكتمل لاختلال ميزان القوة، بُني منذ البداية على ثلاثية معطوبة صنعت واقعًا من التبعية بدل أن تؤسس لشراكة متكافئة:
• ضلع قانوني هشّ: إطار استثماري صُمّم بعقلية “العملة الصعبة بأي ثمن”، ففتح الباب لتنازلات واسعة مقابل وعود بالتشغيل وتأمين الواردات الغذائية.
• ضلع إداري مُصاب: فساد، ضعف إرادة الإصلاح، نقص الخبرة والمعلومة، وغياب رؤية وطنية لتطوير القدرات.
• ضلع شركة انتهازية: استثمار منهجي لثغرات الدولة، وتوسيع مستمر لهوامش الربح عبر استغلال الضعف والتهاون.

على هذه القاعدة وُلدت شراكة عرجاء، فكانت النتيجة دولة مكتوفة اليدين تترقب قرار الشركة: متى تُنتج؟ كم تُنتج؟ وبأي كلفة؟ كل ما كان يهم هو “بداية التشغيل” للحصول على نصيبٍ ما، بينما كانت الشركة توسّع مطالبها وتُثبّت إعفاءاتها—حتى لصالح متعاقدين أجانب يعملون خارج المنظومة المحلية.

بداية بلا سيادة… ولا حتى بمعايير دنيا
انطلقت الأعمال دون استكمال دراسة الأثر البيئي، في سابقة تُظهر اختلال ميزان القرار. واتُّخذت قرارات تشغيلية من خارج البلد بذريعة “راحة الموظفين”، امتيازًا حُصر فعليًا في الأجانب. ثم جاءت المفارقة الصارخة: عندما كان سعر الذهب قريب من 400 دولار للأونصة تم تحديد كلفة استخراج الأونصة عند 292 دولارًا في سياق جيولوجي سهل نسبيًا، بينما أثبت الواقع لاحقًا أن الذهب يلمع على السطح وفي متناول وسائل تنقيب بسيطة.

اقتصاد مُفرَّغ من الداخل
خلال سنوات طويلة، استوردت الشركة كل شيء تقريبًا—حتى ما يتوفر محليًا—وأدارت سلاسلها عبر شركات أجنبية، فبقي “المحتوى المحلي” شبه معدوم. ما كان يتسرب إلى الداخل اقتصر على الضرائب، بينما القيمة المضافة الحقيقية تُرحَّل إلى الخارج.

والأدهى من كل ذلك هو قفزة الكلف فعندما يرتفع الذهب ترتفع “الفاتورة”تلقائيا !
فمع صعود أسعار الذهب إلى نحو 1200 دولار للأونصة، قفزت “تكلفة الاستخراج” في علاقة مثيرة للريبة بين السعر والتكلفة مستغلة الشركة انعدام أدوات التدقيق حقيقية، ولا قواعد بيانات مستقلة عند الدولة ، ولا قدرة اعتراض فعّالة وهكذا ظلت الشركة بكل أريحية وسوء تديير للشراكة تستفيد بأقصى ما يكون من ذلك .

محطات “إصلاح”… أم ترميم لواجهة متصدعة؟

لقد تطور هذا الاعوجاج إلى عملية نهب مكشوفة؛ فبمجرد ارتفاع سعر الذهب عالمياً إلى 1200 دولار للأونصة، قفزت الشركة بتكلفة الإنتاج بشكل مصطنع لتقليص حصة الدولة من الأرباح، في علاقة طردية مشبوهة بين السعر والتكلفة.
: إعلان محدود، آجال ضيقة، عجزت الدولة -أو تعاجزت- عن اعتراضها لغياب وسائل التثبت الفنية.

 محطات "الإصلاح" الصورية وتواطؤ الإدارة
تفجّرت الشكوك من صعود سعر الذهب وضعف مدخول الخزينة وتصاعد استفسارات الرأي العام حول أهمية هذه الشراكة وهكذا طلبت الدولة التحقيق في تضخم التكاليف ، لكن التنفيذ الذي باشرته الوزارة أُفرغ ذلك التحقيق من مضمونه حين فقد تعمدت مسار التفاف مفضوح؛ حيث أصدرت طلب خبرة دولي بإعلانات باهتة وآجال قصيرة جداً، لترسو الصفقة على مكتب مغمور من دولة مالي، كانت نتيجته "صك براءة" للشركة، مؤكداً زيادة طفيفة في التكلفة لا تعكس الواقع رغم اكتشاف أيضًا مخازن بمليارات الأوقية خارج الاستخدام وهو رمز آخر للهدر وسوء الحوكمة. و بالتوازي، مع ذلك كان العمال يخوضون إضرابات ضد تمييز فاضح: وظائف يشغلها أجانب خارج تخصصاتهم، مزايا ورواتب أعلى، وسفر وامتيازات لا ينالها المواطن غم نصوص قانون الشغل التي تمنع ذلك بتاتا، لكن الادارة تعمل دائما لمصلحة الشركة. أما المجتمعات المحيطة، فكانت تدفع الثمن: غبار ملوّث، طريق رملي مدمّر، وغياب استثمار اجتماعي بنيوي.
وتحت ضغط السمعة، دخلت الشركة والدولة في مفاوضات انتهت إلى تحسينات ملموسة:
• ارتفاع “المورْتَنة” إلى نحو 97%،
• صعود الشراكة المحلية إلى أكثر من 60%،
• نقل الإدارة إلى نواكشوط،
• مراجعة النظام الضريبي وحصص الدولة،
• إجمالي مدفوعات يتجاوز 1.44 مليار دولار (2010–2026)، منها 195.9 مليونًا في 2025،
• نحو 4000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة،
• عقود محلية تقارب 3.1 مليار دولار،
• ومشاريع اجتماعية تفوق 22 مليون دولار.

أرقام لافتة… لكن السؤال الجوهري: هل أصلحت الخلل البنيوي؟
الجواب المختصر: لا. لقد حسّنت الهوامش، ولم تمسّ جوهر العلاقة.

 تبعية مُقنّنة: الدولة جابي ضرائب… والشركة دولة داخل الدولة

رغم التحسينات، ظلّت الدولة بلا سيطرة على معلومة الإنتاج والتكلفة، ولا على قرارات الاستثمار والبيع والتمويل. الشركة هي التي تستخرج وتبيع وتعلن الأرقام وتحدّد الكلفة وهوامش الربح، بينما تكتفي الدولة بدور الشريك الصامت.

النِّسَب المُعلنة (30–35–37%) تبدو “تقدمًا” على الورق، لكنها تطرح سؤال العدالة:
إذا كانت الأرباح ضخمة والدولة تحصل على جزء محدود، فهل هذا نجاح أم اختلال في توزيع الريع؟
إن الواقع يقول ذلك بوضوع فهو أقرب إلى إيجار أرض بثمن منخفض، لا إلى شراكة في استغلال ثروة سيادية.

تهريب القيمة… أخطر من تهريب الذهب

بعد عقود، ما الذي يبقى؟
لا مصافي وطنية، لا صناعة مجوهرات، لا بورصة معادن، لا سلاسل تحويل مكتملة. القيمة تُستخرج وتُرحَّل، بينما يبقى الداخل مع سيانيد، وغبار، وطرق متآكلة، وحفر عميقة، واختفاء معالم جيولوجية مثل جبل “إلغيش”.

السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
كم هو حجم الثروة التي خرجت وقيمتها ؟ وكم بقي منها في موريتانيا؟
إنها للأسف سيادة منقوصة على مورد سيادي.
ويبقى الجواب المتعلق بالحل أن أي شراكة أو إصلاح لا يبدأ من امتلاك المعلومة، وبناء قدرة تدقيق مستقلة، وامتلاك حصص حاكمة وفرض سيطرة على القرار الاستراتيجي سيظل مجرد تحسين تجميلي لعلاقة غير متكافئة تستنزف بها خبرات شعب في أحوج ما يكون لها وقد وضع المسؤوليات والأمانة في رقبة أبنائه لحسن تدبيرها وهذا ما فعلوه ويفعلونه بها !!!!!

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار