الجمعة
2026/06/5
آخر تحديث
الجمعة 5 يونيو 2026

رسالة مفتوحة إلى رئيس البرلمان ورئيس حزب "باستيف" السنغالي.. السيد عثمان سونكو

منذ 1 دقيقة
رسالة مفتوحة إلى رئيس البرلمان ورئيس حزب
طباعة

السيد عثمان سونكو،
أكتب إليكم وعندي ما يكفيني ويصرفني في بلدي للكتابة، لكن شعوري بالعلاقة المتداخلة ذات الأبعاد العميقة عبر الجغرافيا والتاريخ يدفعني إلى التعبير عن قلقي، والتوجه إليكم كأخٍ وزعيم، مثلما أتوجه إلى أي أخٍ وزعيم في موريتانيا من أجل التحدث إليه في أمرٍ مهمٍّ يتجاوزنا إلى بلداننا. إنني أراسلكم من موريتانيا؛ البلد الذي لا يحدّ السنغالَ بالجغرافيا والتواريخ فحسب، بل يتقاسم معها شريان الحياة، والمصيرَ المشترك، والتشابكَ الإنساني والاقتصادي الذي جعل من استقرار أحدنا شرطاً حتمياً لاستقرار الآخر.
إننا في موريتانيا نخاف على السنغال كما نخاف على أنفسنا. وقد يتساءل البعض: لماذا؟
لأن السنغال لم تكن يوماً مجرد جغرافيا مجاورة، بل كانت على الدوام واحة للديمقراطية، ونموذجاً يُحتذى في الرزانة السياسية والاستقرار المؤسسي وسط محيط إقليمي مضطرب. لقد أبهرتما العالم، أنت وزميلك فخامة رئيس الجمهورية، جوماي افاي، حين انتزعتما التغيير بقوة الخطاب، ووجاهة الطرح، وملامسة تطلعات الشعب السنغالي. لقد منحكما الشعب شرعيته لأنه رأى في مشروعكما "أمل التحديث" ومحاربة الفساد، واستغلال موارد البلد بالشكل الأنجع بعد قرون من المعاناة.
السيد رئيس الوزراء..
إن بلدكم الذي يتجاوز 18 مليون نسمة، يقف اليوم على أعتاب تحول اقتصادي وتنموي تاريخي، لا سيما مع دخول السنغال الفعلي نادي الدول المنتجة والمصدرة للغاز والطاقة. والبضاعة الأساسية والوحيدة التي يمكن أن تُسوّق لهذا الطموح وتجذب الاستثمارات وتؤمن مستقبل الأجيال هي "الاستقرار السياسي". لكن الخلاف الصامت الذي يلقي بظلاله الثقيلة اليوم على هرم السلطة يعلن تراجعاً سريعاً عن ذلك المسار المشرق.
إن استمرار هذا الخلاف يعني شيئاً واحداً: وقف التنمية، وتراجع الثقة الدولية، وإضعاف الشرعية السياسية. والأخطر من ذلك، أنه يمنح خصوم القارة الأفريقية الذريعة الذهبية لترديد مقولتهم العنصرية القديمة: “بأن الأفارقة معشرٌ لا يمكنهم الحفاظ على النجاح، ولا يجيدون إدارة الاستقرار”.
سيدي،
لا تغرنّكم نشوة النجاح وقوة اللحظة، فقد تنقلب النشوة صدمةً إذا غابت الحكمة. إن الكلفة الباهظة لهذه الخلافات لن تدفعها ميزانية الدولة فحسب، بل ستُدفع من رصيد صورتكم الشخصية، ومصداقيتكم، ومدى التزامكم بالأهداف العليا التي رفعتموها. سيتساءل الشعب: أين ذهب القسم والعهد بتقديم مصلحة الوطن على طموح الأفراد؟
وإذا كنتم تتهمون بطانة الرئيس بدفعه نحو التأجيج والصراع، فانظر من حولك، ثم انظر في أعماقك لتحدد خيارك:
عليك هنا أن تفرّق بوضوح بين الخيار التكتيكي الضيق الذي يلبّي طموحاً شخصياً سريعاً في إثبات الزعامة وإظهار النفوذ، وبين الخيار الاستراتيجي البعيد الذي يركز على تحقيق الأهداف العليا والتاريخية للشعب السنغالي.
لا تنسَ أنه لا يفصلكم عن الاستحقاقات الانتخابية القادمة سوى ثلاث سنوات ونيف؛ والاستعجال في حسم موازين القوة بالمنطق التكتيكي سيفسد النتيجة وهي بين يديك، وسيدمر المشروع الاستراتيجي من أساسه. لقد تعهدت للشعب السنغالي بأنك ستقود البلاد إلى الأمام، وبأنك ستنظف الدولة بـ"مكنستك" السياسية، لكن نظافة الدولة تقتضي الحفاظ على كيانها واستقرارها، وليس حرق المراحل، أو العودة بالبلاد إلى مربع الاصطفافات والشد العكسي وانعدام الرؤية.
وهنا، اسمح لي أن أواجهك بما يتردد خلف الكواليس بكل صراحة:
إن التخوف داخل السينغال كبير من العودة من خلال هذا الخلاف إلى إعادة انتاج التجربة التي دخلتم قلوب السينغاليين بالتعهد بالقضاء عليها وهي التوتر الاصطفافات ومحاولة محو كل طرف للآخر والتي طبعت الحكومات التي سبقتم والتي ظلت تحجب عن السينغال فرص التطور والتخطيط للانتصار على الفقر والتخلف والفشل .
كما يرى الكثير من المراقبين أن جزءاً كبيراً من الأزمة الحالية يكمن في عدم قدرتك -حتى الآن- على العبور من عقلية "الزعيم المعارض والمحرك الفعلي للمشهد" إلى عقلية "الشريك التنفيذي في السلطة". لقد بدا في مواقف عديدة أنك تتصرف وكأنك الرئيس الفعلي وصاحب الشرعية الحقيقية، وأن الرئيس الحالي ليس سوى صنيعة لك!
لقد نسيت -يا سيادة الزعيم- أن منصب الرئاسة كالقبعة.. لا يمكن أن يحملها إلا رأس واحد، ولم يسجل التاريخ قط أن قبعة واحدة اتسعت لرأسين في آن واحد! كان الأجدر بك، تكتيكياً واستراتيجياً، أن تدعم صديقك ليتفرغ لإدارة الدولة وتتفرغ أنت لإدارة الحزب والمشروع، لأن نجاحه هو نجاحك، وفشله سيُحسب عليك قبل أن يُحسب عليه. لكن التسرع في استعراض القوة وفرض الشخصية كان الخطيئة السياسية الكبرى.
أيها الزعيم،
إن التاريخ لا يخلّد حجم النفوذ والصخب، بل يخلّد القرارات الحكيمة في اللحظات الحرجة. وأنت اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تختار طموحك الشخصي واستعراض القوة وتدخل في صراع يعرقل مسار الدولة ويحبط آمال 18 مليون سنغالي.. وإما أن تغلّب منطق "رجل الدولة الاستراتيجي"، وتدعم استقرار المؤسسات.
اعلم يقيناً، أنك عند النجاح في كبح طموحك الذاتي وتغليب مصلحة السنغال، لن تكون مجرد قائد محلي، بل سيُخلد اسمك في التاريخ كواحد من كبار زعماء القارة الأفريقية، ومن أبرز محركي نهضة الشعوب وصناع ربيعها التنموي.
إن السنغال أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأحزاب، وأهم من كل الطموحات الفردية. وما نرجوه نحن جيرانكم ومحبي نجاحكم، هو أن يظل هذا البلد العظيم ملهمًا ومستقرًا، وأن تنتصر فيه حكمة القادة على بريق السلطة.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار