موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟ (4)
الحلقة الرابعة : الثروة وحدها لا تبني دولة… لماذا أخفقت موريتانيا في تحويل مواردها إلى قوة وطنية؟
لم تعد موريتانيا دولة صغيرة! وحتى وإن كان ذلك مرتبط بالتخلف الاقتصادي ، أو نتيجة مباشرة لسوء تثمين موارد البلد، ولطبيعة الاتفاقيات الموقعة في مجالات الصيد أو النفط أو الذهب أو الغاز، وضعفها أو في فساد من وقعوها،فإن موريتانيا قادرة أن تكون دولة قوية .
إن قيمة الاتفاقات تعكس مستوى الدولة التي تفاوض عليها، وقدرتها العلمية والقانونية والمؤسسية، كما تعكس ميزان القوة التفاوضي بين الطرفين. ولذلك فإن الدول التي توقع اتفاقيات جيدة ليس سوى أنها بنت قبل ذلك مؤسسات ورؤية وأنها امتلكت المعرفة والبيانات والخبرة أو أن لديها طموح عام أو أولويات مما يجعلها تفاوض من موقع قوة وانطلاقا من رؤية .
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ موريتانيا كما عبرنا عن ذلك من خلال تزايد الاهتمام الدولي بها ، ليس: هل كانت بعض الاتفاقيات مجحفة؟ وإنما: لماذا لا تفكر الدولة في امتلاك قدرة على إنتاج اتفاقيات أفضل؟
هذا ما يجب أن يبقى أذهاننا إذا أردنا ألا نكرر أخطاء الماضي.
لقد ظلت موريتانيا، محكومة طوال العقود الماضية، وفي معظم مفاوضاتها الكبرى بالحاجة الماسة إلى الاستثمار الأجنبي، وإلى العملات الصعبة، وإلى تحسين ميزان المدفوعات، وإلى تمويل ميزانيتها. وكانت وضعيتها تلك هاجس كبير يمنح الطرف الآخر أفضلية مسبقة قبل أن تبدأ المفاوضات أصلاً. ولم يكن غريباً، في ظل هذه الظروف، أن تتوسع الامتيازات والإعفاءات والحوافز التي تمنحها الدولة لأي مستثمر ، أملاً في جذب مزيد من المستثمرين مع وجود لوبي من السماسرة يعمل لحسابه الشخصي ويظهر مع كل نظام أو رئيس جديد هدفه تركيع الدولة للمستثمرين من أجل الحصول على المال ويستخدم في ذلك كل الوسائل :النفوذ المال الأجنبي المعلومات ...
لكن الخطأ الحقيقي أنه حينما تكون الدولة في وضع أفضل ماليا لا تغير من موقفها التفاوضي ولا من عقلية المفاوضين ،كما أن الأسوأ من كل ذلك أنها لم تبني جهازا وطنيا يمتلك القدرة على تقييم حدود تنازل الدولة في المفاوضات ، وما تحصل عليه في المقابل، ولا على متابعة تنفيذ العقود أو مراجعتها عندما تتغير الظروف الاقتصادية أو عندما ترتفع الأسعار العالمية أو تظهر التجربة أنها مجحفة أو حتى ظالمة .
ففي مثل هذه القطاعات، لا تدخل الشركات العالمية إلى طاولة المفاوضات بشخصين أو ثلاث ، وإنما تدخل بفرق كاملة من خبراء الاقتصاد والضرائب والهندسة والجيولوجيا والقانون الدولي والتمويل وأسواق الطاقة والمعادن، بينما كانت الدولة، في كثير من الأحيان، تعتمد على أجهزة محدودة الإمكانات ، أو على اجتهادات أفراد،كما تتضمن في الغالب مرتشين ،وفي الأخير يبقى القرار النهائي بأمر شخص واحد مسجون في رأي معاونيه ولايصل إليه الخبراء .
ولذلك لم يكن التفاوض يجري بين مؤسستين متكافئتين، بل بين منظومة قوية ومتكاملة وأشخاص يمثلون الدولة الموريتانية ويختلف الطرفان اختلافاً كبيراً في حجم المعرفة والخبرة والقدرة على الدفاع عن المصالح.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لقد صُممت معظم الاتفاقيات في بلدنا على منطق تجاري قصير المدى،وضمن إيقاع حكومي قصير أيضا ،ولم تُبنَ على رؤية شاملة صناعية أو تنموية أو علمية . كأن الهدف الأساسي هو استخراج المورد وتقاسم عائداته، لا بناء اقتصاد وطني ينمو حول ذلك المورد إلى عامل تنمية .
ولهذا بقيت الموارد تخرج من باطن الأرض أو من أعماق البحر، وترفع للخارج دون أن نحصل على المعرفة أو الخبرة أو القيمة المضافة كما بقيّ القرار الاقتصادي الحقيقي خارج حدود الدولة وخارج حدود المعرفة .
وقد ذلك ساري المفعول على كل القطاعات الرئيسية في البلد فمنذ ما يقارب ستين عاماً، كان قطاع الصيد أحد أهم مصادر الدخل الوطني، وتعاقبت الأنظمة والحكومات، وعقدت ندوات دولية كبرى في موريتانيا حول تقييم الثروة والتنمية المستدامة للقطاع وتجددت الاتفاقيات مرات عديدة، وتحسنت في بعض المراحل الرسوم أو مناطق الصيد أو بعض الشروط الفنية، لكن السؤال الذي بقي من دون حواب إلى اليوم هو: ماذا أنتجت هذه العقود داخل موريتانيا؟
أهي معرفة دقيقة للقطاع !أو صناعة بحرية متكاملة !أو أصبحت لدينا شركات وطنية تنافس عالمياً؟ أو مراكز أبحاث بحرية متقدمة؟وهل تحولت الموانئ إلى مراكز لوجستية إقليمية؟ أو أصبحت لدينا منتجات بحرية تُصنع وتُسوق بعلامات تجارية موريتانية؟
الإجابة المؤلمة أن معظم القيمة المضافة بقيت تُخلق خارج البلاد، بينما اقتصر دورنا في الغالب على منح حق استغلال المورد.
وما ينطبق على الصيد ينطبق بدرجات مختلفة على الذهب.
فاليوم تنتج موريتانيا 26 طنا من الذهب سنوياً حسب آخر تصريح لوزير الاقتصاد ، ومع ذلك لا نعرف من المعطيات إلا في حدود ما تعلنه الشركة المشغلة، حقيقة كثير من التفاصيل المتعلقة بالتكاليف أو بالاستثمارات أو بآليات التسويق غائبة عنا ، كما لا نملك أي قرار يتعلق بالاستثمارات أو بالتوقف أي أن الدولة لا تشارك في اتخاذ القرارات في الكبرى للشركة، ولا في تحديد توقيتات التوسع أو التقليص، كما أنها لا تستفيد، وفق طبيعة الاتفاقيات القائمة، من الأرباح الاستثنائية التي تحققها الشركات عندما ترتفع أسعار الذهب عالمياً ارتفاعاً كبيراً.
لكن المشكلة ليست هنا أيضاً.
فالمشكلة الأكبر أن أكثر من عقدين من استغلال الذهب لم تؤد إلى بناء صناعة وطنية للذهب، ولا إلى إنشاء سوق محلية متطورة، ولا إلى تكوين كتلة من الخبرات الوطنية القادرة على قيادة هذا القطاع مستقبلاً، ولا إلى استراتيجية واضحة لزيادة احتياطيات الدولة من الذهب، في وقت تتسابق فيه البنوك المركزية حول العالم إلى تعزيز احتياطاتها من هذا المعدن الاستراتيجي. وعندما تذهب الشركة المشغلة يبقى على الدولة علاج وتسيير الكارثة البيئية التي تركت وراءها .
إن دورنا هو نراقب الثروة من بعيد أكثر مما نشارك في إدارتها .
نفس الشيء وأسوأ يعرفه قطاع الطاقة الذي أصبح أهم قطاع في عالم اليوم.
فهذا القطاع، الذي شهد أكبر القضايا وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ البلاد إلى اليوم حيث كبد الدولة مديونية وصلت 1،4 مليار دولار من مجموع الدين الذي ذهب عنه ولد عبد العزيز 2019 البالغ 5 مليارات دولار يمثل واحد من أكبر عوائق تطور البلد ، فرغم هذا الرقم الهائل ما زال التيار الكهربائي ينقطع في البيوت ولاتزال المصانع تعاني من ارتفاع تكلفة الطاقة ولا زال القطاع نفسه يفتقر إلى الشفافية التي تسمح للرأي العام، بل وللنخب المتخصصة، بفهم الصورة الكاملة التي تعيق حل الأزمة التي يتخبط فيها . واليوم، مع دخول الغاز إلى المعادلة، أصبحت التحديات أكبر وأعقد، لأن حجم الاستثمارات تضاعف، ولأن المصالح الدولية المرتبطة بهذا القطاع أصبحت أكثر تشابكاً من أي وقت مضى ولأننا لا نملك أي رؤية والتصور حوله. في حين اصبحت موريتانيا وبتسارع ساحة كبيرة لتنافس الكبار على الطاقة خاصة الهيدروجين الأخضر وعلى المعادن الثمينة ، كما لاتزال الاتفاقيات تبرمُ على النمط القديم! حيث لا توجد حقائقها إلا فيما بعد ،حينما يكون قد وقع الفأس في الرأس ،ياله من بلد عاثر الحظ .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمد ولد بكار
الحلقة الأولى




