تائه يبحث؟ مدخل علمي الى الايمان‼(ح: 17)
إن أهم تحول عرفته نهاية القرن العشرين هو الانتقال مما أسماه (توفلر) بالموجبة الحضرية الثانية التي بدأت مع نهاية القرن السابع عشر الذي كان مصدر الثروة والنفوذ فيها هو رأس المال والإنتاج الصناعي إلى الموجة الحضارية الثالثة التي تمثل فيها المعرفة (إعلام، معلومات، تقنية رقمية) المصدر الأساسي للقوة والهيمنة.
لقد عجل ظهور مجتمع الإعلام والمعرفة بحدوث تطورات هائلة على صعيد إنتاج وتداول وتخزين ومعالجة المعلومات والاستفادة منها في مدة زمنية قياسية. " إن تزايد نفوذ الإعلام المقروء والمسموع والمرئي يشكل عاملا مساعدا لذيوع الحدث ..وأن الإعلام المرئي يلعب دورا بالغ التأثير في تبليغ الرسالة الإعلامية إلى العالم أجمع".
إن اختراق المعلومة لكافة الحدود والسدود والحواجز والقيود، وغزارتها بما يشبه طوفان نوح، وسهولة تخزينها وتصنيفها واسترجاعها، سوف يغير أذواق الناس وأنماط تفكيرهم وأساليب تعاملهم وتحصيلهم وأن تعدد الخيارات أمام الملتقى ووفرتها بين يديه، سوف يكسر احتكارات المعرفة، ويضع الجميع أمام فرص متكافئة يفوز فيه من مكان أحسن عملا.
وبما أن هذا التائه يسأل عن كل شيء ولا يقتنع بشيء؟!
فان ارتباطه بوسائل الأعلام والمعلومات السريعة هذه، حولته إلى متلق يستمع ويشاهد مسترخيا على أريكته، يتجرع ويحتسى كؤوس الشاي المنعنع مع ما يقدم له من دون كبير تدخل أو اختيار...
آثر ذلك على معاناة القراءة الجادة وما تتطلبه من تركيز ووعي، فتسطحت الثقافة ونتج عن ذلك داء الأمية الثقافية التي أضرت بحركة النقد، وحدت من تداول الأفكار وأدت إلى ركودها، فضمر الإبداع وتحجرت العقول، وغاصت الثقافة في المياه الآسنة..
إن الخطأ الذي يقع فيه الباحثون عندما ما يدرسون المجتمع الموريتاني (مجتمع البيظان) هو عدم وعيهم بالمجال الثقافي الموريتاني حينما يغلبون فيه الروافد العربية والإسلامية الوافدة من الشمال على العادات والتقاليد للسكان الأصليين.
ولقد أصبح مؤكدا أننا إذا لم نأخذ في الاعتبار تاريخ التراكمات القيمية، وروافد التيارات الثقافية التي تؤسس الظواهر المدروسة فإننا سنسقط لا محالة ضحية لخداع العقل الجمعي، وستبقى على فهم سهل ولكنه متناقض وتبريري إلى حد بعيد.
هب أن أحدنا أو غيرنا وقع اليوم على الاجتهاد المشهور لأحد فقهاءنا القدامى حيث أباح في إحدى نوازله للرجل الصحيح أن يتيمم لصلاته إذا كان الماء لا يوجد إلا عند أصهاره, اذ أن أخذ الماء من عند الأصهار للغسل أو للوضوء قد يكون منافيا لتقاليد السحوة, معللا ذالك بأن المشقة الحاصلة من فعل هذا الأمر المشين اجتماعيا هي مساوية لمشقة المرض التي تبيح التيمم ؟!!
ناهيك عن عشرات مجلدات كتب الكرامات والخوارق. وفتاوى الزوايا حول مال حسان " أصحاب السلطة" آنذاك الذين يسمونهم مستغرقى الذمم، وبعد حسان مال النصارى والذي يسمونه" مال هوش " ولعل هذا ما أوجد تأسيسا دينيا طريقا بجواز الأخذ من المال العام...
وقد لانستغرب أن أرضية مثل هذه أنتجت بعض الأحكام الخطيرة المبنية على اجتهادات تقبل أو ترفض في سياقات تاريخية معينة؟!!
ونحن نرى أن هذه الأحكام والفتاوى الشرعية مازالت على حالها خاصة في ظل غياب البحث وآلياته.. وندرة التأليف والنشر وفقه الواقع,,,,
إن هذه الفتاوى فقدت كل أساس كانت تقف عليه، فلم تعد السلطة في أيدي أمراء "حسان" ولم يعد مفهوم "الزوايا" كما كان آنذاك.
أضف إلى ذلك أن الطائفتان إنما هما جزء من المجتمع الموريتاني المتعدد الأعراق الذي يعيش تحت ظل الجمهورية الإسلامية الموريتانية، كسلطة مركزية، منذ 28 نوفمبر 1960 م تحقق الملكية العامة في كل ما كان من مرافق الجماعة، وعن الضروريات للحياة العامة، وتتولى عن الجماعة شؤونها ووسائلها.
وإن كانت هذه الاجتهادات قد أدت دورا تاريخيا معينا،...
يتواصل...
لمرابط ولد لخديم
ملاحظة: استسمح القاريء الكريم عن نشر كتاب: تائه يبحث: مدخل علمي الى الايمان في حلقات. ..وسلسلسلة مع القرآن لفهم الحياة.. بسبب الاعتكاف الذي يبدأ من مساء اليوم بحول الله.الى نهاية الشهر الكريم وصوما مقبولا وكل عام وانتم بخير




