ترامب بعد الغنيمة؛ إلى أين؟!
بعد نجاح اترامب في اختطاف مادورو،"وجلبه للعدالة الأمريكية" كما قال، تطرح أسئلة كبرى عالميا من بينها ثلاثة هي الأكثر إلحاحا:
الأول: من أية خلفية اتخذ اترامب قرار اختطاف رئيس دولة دون أي اعتبار للقانون الدولي المتعارف عليه؟
الثاني: هل كان النجاح الإجرائي العسكري نجاحا كاملا من الناحية السياسية أيضا؟
الثالث: هل تمكن صيانة "المكسب"، والاحتفاظ بالغنيمة دون خسائر استراتيجية أو تكتيكية؟
أولا:
من أية خلفية اتخذ اترامب قرار اعتقال رئيس دولة مستقلة؟
حسب كل المؤشرات الصريحة والتلميحية جاء القرار حصيلة لعدة اعتبارات: أحدها: أن القوة كافية لتبرير ذاتها قانونيا وأخلاقيا عند اترامب، خاصة إذا كانت مُحكمة التنفيذ كاملة الأداء.
وثانيها: أن المصلحة الذاتية للقوي كافية لتسويغ أي فعل يحققها. ولا طرفية في الحقوق ولا الواجبات.
ثالثها: أن كل التواضعات العالمية، لاتساوي قلامة ظفر. فلا أهمية لرأي عام داخلي ولا خارجي، ولا لشريك ولا لهيئة وطنية ولا دولية.
رابعها: أن الفرد هو مصدر قوة الدولة وليس الشعب ولا المؤسسات. ولذلك إذا اعتقل رئيس حكومة بضربة شاطرة فقد أنتهى كل شيء في نظامه. فالرئيس هو الكل في الكل، أحرى إذا كانت زوجته إلى جانبه في القيود، وكان موصوفا بالدكتاتورية..
خامسها: أن للأمر الواقع سلطانا أقوى من كل اعتبار. وعليه يجب فرض الواقع الذي يشاؤه القوي وستجري الأمور على ذلك المسار من تلقاء نفسها.
سادسها: أن الدول الضعيفة "مكمل غذائي" للدول القوية. ولا تتمتع بأهلية تسمح لها بالسيادة على نفسها ولا على ثرواتها.
سابعها: أن العلاقات بين الدول علاقات إعجاب واحتقار مزاجي شخصي لقادتها، على حلبة صراع حر مفتوح.
ثامنها: أن الحقيقة إعلامية، ومن يحتكر الشاشات يملك الحقيقة ويضمن الصواب، ويتم له ذلك عبر جودة الإخراج وحسن العرض (مشهدية الصورة).
بناء على هذه العوامل المتشابكة أرى أن قرار اقتياد مادورو وزوجته إلى نيورك للمحاكمة، جاءت نتيجة تضافر هذه الروافد في العقل الباطني والواعي لصاحب القرار؛
و التي لم تكن وراء هذه الخطوة وحدها؛ بل هي رؤية وأسلوب جديدان للتعاطي مع كل الدول، بدليل تهديد دول من: آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والآميركيتين، إن لم تسر جنب الحائط.
فهل حققت عملية كاراكاس هدفها المنشود استراتيجيا، أم حققت هدفها المشهدي فقط: (صورة خصم شخصي برسف في الأغلال هو وزوجته)؟
إلى حد الآن، نستطيع أن نجزم بأن البراعة التي كلفت ثلاثة مليارات دولار صافية، لم تحقق بعد إلا اعتقال رئيس دولة وإهانته أمام العالم. لكن هذا المشهد الباهر إعلاميا بدأ يتلاشى تدريجيا ويحل محله مسلسل من المنغصات والمضاعفات الجدية: الأول: ردة الفعل الجماهيرية في فنزويلا وهي ردة فعل لا يستهان بها، لأنها محرجة للحكومة الفنزويلية حتى ولو أرادت الاستسلام فرَضا، فقد تشكل رأي سياسي مضاد لاعتقال مادورو في حزبه وشعبه بداعي الشعور بالإهانة الوطنية، كما أن الموقف الملتبس لحكومته التي لم تعلن استسلامها دليل على ذلك.
الثاني: خيبة المعارضة الفنزويلية بعد إقصائها المدهش. ولا يوجد في فنزيلا- كغيرها- إلا حكومة أو معارضة، وقد خسرهما اترامب معا.
الثالث: ردة الفعل العالمية الرافضة للخطوة. بعد أن سمح الوقت بتعرية هدف الاعتقال الذي هو النفط. وبعد خوف كل رؤساء العالم من أن يكونوا ضحايا للقوة الغاشمة من أميركا أو من غيرها من خصومهم الأقوياء (رعب التسيب في العلاقات الدولية والاستهتار بالثوابت القانونية التي بنيت بجهد جهيد بعد الحرب العالمية الثانية).
الرابع: اللغط التشريعي الداخلي في آميركا والرأي العام بعد تجاوز الكونغرس في خطوة قد تكون إعلان حرب كامل، مما أربك القرار في وسط الطريق على اترامب وفريقه، وهو ما سيتطلب منه العودة إلى الكونغرس في حالة إعلان حرب شاملة أو الخروج عليه من جديد..
إن ما تحقق ليس إلا جزءً نفسيا من الأهداف، و إلا جزء شخصيا من الثأر، فالمنطق العسكري يقول: إن العملية المفاجئة كانت تتطلب مواصلة الضريات والزحف الأرضي حتى تستسلم فنزويلا، وهو ما فاتت فرصته الذهبية وقد تفوت فرصه الأخرى لاحقا.
ولا شك في أن ثمة صعوبات أمام تحقيق هدف حكم فنزويلا أميركيا دون حرب قد تلقى مقاومة محلية ومعارضة داخلية، بعد اليوم، لأن مفعول الضربة الأولى قد تلاشى دون تحقيق تأثيره المطلوب.
فإلى أين تتجه الأمور؟
ثالثا
بعد قليل ستصبح مرافعات مادورو وزوجته سجالا قانونيا وحديث رأي عام وصحفي يبتعد أكثر فأكثر عن السياسة الفعالة ويدخل في دهاليز مظلومية لا نهاية لها. كما سيصبح اعتقال زوجة مادورو مشجبا إنسانيا يتسع لصب جام الغضب الحقوقي على اترامب وفريقه.
في الرد على السؤال الثالث عن الاحتفاظ بالغنيمة، إذن؟
يبدو لي أن الاحتفاظ بما تحت اليد منها (مادورو وزوجته) سيتحول مع الأيام إلى جمرتين تزدادان اتقادا في يدي الغانم. خاصة إذا:
– لم تقم آميركا بشن حرب تحتل بها فنزويلا وتطيح بحكومتها وتسير احتلالا مباشرا للأرض، وهو أمر قد يتطلب جهدا لم يكن مرصودا سياسيا، ولا تخطيط له عسكريا، و لا تكلفة بشرية ولا مالية، لأن المراهنة اترامبية كانت على الفزع من الضربة الأولى وتسليم كل شيء بعدها، بحساب التأثير الشخصي لمادورو وزوجته حسابا مبالغا فيه.
– التوقف عن تهديد الدول الأخرى بالاجتياح في أي مكان من العالم. مع استحضار الجميع بذاكرتهم القريبة لعنفوان الدخول الآميركي في الحروب ضد الضعفاء وخسارتها في كل نهاية (فييتنام- أفغانستان- العراق- الصومال).
إن التاريخ يطغى دائما على المشهدية اللحظية كما نعلم.
ومن ثم فإن الوجهة التالية لترامب في مشروعه للسيطرة على غرب الكرة الأرضية لن يكون باعتقال رئيس أو رئيسين ولا عشرة، وإنما لا تزال ثمة متطلبات استراتيجية لم يوفرها ولم تحصل بعد.
وبالمناسبة يمكن الاستئناس بتجربة النتن.. ياهو صاحب فلسفة اجتثاث القيادات سبيلا لإطفاء جذوة مقاومة الشعوب، وهي أفشل تجربة تاريخيا، لأن الأمم العزيزة تتصف بالخصوبة في إنبات الرؤوس الأكثر عزة.
وفي كل الأحوال فإن اعتقال مادورو وزوجته ضربة لكنها غير قاتلة، إلا إذا اختار الشعب الفنزويلي أن تكون كذلك.
الدكتور محمد ولد احظانا




