الاثنين
2026/02/23
آخر تحديث
الاثنين 23 فبراير 2026

العملية الرمضانية… هل هي دعم اجتماعي أم مؤشر على خلل هيكلي في قطاع الصيد؟

منذ 1 ساعة
العملية الرمضانية… هل هي دعم اجتماعي أم مؤشر على خلل (…)
الاتحادية العامة للصيد FGP
طباعة

مع كل موسم رمضاني تعود “العملية الرمضانية” لتتصدر المشهد، باعتبارها مبادرة تهدف إلى توفير بعض أصناف السمك بأسعار مدعومة للمواطنين. غير أن تكرار هذه العملية سنويًا يثير سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام سياسة اجتماعية مستدامة، أم أمام آلية ظرفية تعكس خللًا أعمق في بنية قطاع يفترض أنه أحد أعمدة الاقتصاد الوطني؟

تقوم العملية على تخصيص أموال من الخزينة العامة، تُوجَّه عبر قنوات رسمية لدعم أسعار بعض العينات، سواء من خلال الوزارة الوصية أو عبر الشركة الموريتانية لتوزيع الأسماك. في الظاهر، تبدو الخطوة ذات طابع اجتماعي، هدفها التخفيف عن المواطنين خلال شهر رمضان. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الدعم ذاته، بل في السياق الذي يجعل هذا الدعم ضرورة متكررة.

موريتانيا تُصنَّف ضمن الدول الغنية بالثروة السمكية، وتُوصف شواطئها بأنها من الأكثر نشاطًا في المنطقة من حيث حركة سفن الصيد. كما تمتلك البلاد موارد مائية متنوعة تشمل بحيرات وأنهارًا ومشاريع للاستزراع السمكي. ومع ذلك، يظل توفر السمك بأسعار معقولة في الأسواق المحلية مسألة موسمية مرتبطة بنقاط بيع مدعومة، لا نتيجة لآلية سوق متوازنة ومستقرة.

هنا يبرز التناقض: كيف يحتاج منتج وطني بامتياز إلى تمويل من المال العام حتى يصبح في متناول المواطنين؟ ولماذا لا تُبنى سياسة تضمن استقرار الأسعار وتوفر العرض بشكل دائم بدل اللجوء إلى تدخلات ظرفية؟

المقاربة المعتمدة حاليًا تبدو أقرب إلى معالجة الأعراض لا الأسباب. فبدل إعادة تنظيم سلاسل التوزيع، وضبط هوامش الربح، وإلزام المنتجين بحصص موجهة للسوق المحلي، وتعزيز الرقابة على المضاربة والاحتكار، يُلجأ إلى ضخ موارد مالية من الخزينة لتخفيف الضغط مؤقتًا. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا المسار على المدى المتوسط والبعيد.

إن الدعم الاجتماعي، في جوهره، يجب أن يكون جزءًا من سياسة متكاملة تستهدف الفئات الهشة ضمن رؤية اقتصادية واضحة. أما حين يتحول إلى إجراء موسمي ثابت، فإنه يفقد طابعه الاستثنائي ويصبح مؤشرًا على عجز هيكلي في إدارة القطاع.

الأخطر من ذلك أن قطاع الصيد يُفترض أن يكون رافعة اقتصادية رئيسية، ومصدرًا للعملة الصعبة، ومحركًا لخلق فرص العمل. غير أن محدودية انعكاسه على السوق الداخلي، وعدم قدرته على ضمان وفرة منتج أساسي بأسعار مستقرة، يضعفان من دوره التنموي ويطرحان تساؤلات حول فعالية السياسات المتعاقبة عليه.

لقد تعاقبت على القطاع استراتيجيات وشعارات متعددة، غير أن غياب رؤية طويلة الأمد لإعادة هيكلة السوق الداخلية وتنظيمها ظل قائمًا. فالإصلاح لا يكون بإطلاق عمليات موسمية، بل ببناء منظومة متكاملة تُوازن بين التصدير، ومتطلبات السوق المحلي، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

العملية الرمضانية قد تُخفف مؤقتًا من عبء الأسعار، لكنها لا تُعالج جذور الإشكال. وإذا استمر التعامل مع الثروة السمكية بمنطق التدخل الظرفي بدل التخطيط الاستراتيجي، فإن السؤال سيبقى مطروحًا كل عام: لماذا يحتاج بلد بحري غني إلى دعم خزينة عامة لتوفير سمكه لمواطنيه؟

ربما آن الأوان للانتقال من سياسة “نقاط البيع” إلى سياسة “استقرار السوق”، ومن الحلول الموسمية إلى إصلاحات هيكلية تعيد للقطاع دوره الطبيعي كرافعة اقتصادية حقيقية، لا كملف اجتماعي يُفتح في المواسم ويُغلق بعدها
الاتحادية العامة للصيد FGP