الضريبة بين شرعية التحصيل وواجب الأثر
الضريبة ليست مجرد إجراء مالي، بل هي التعبير العملي عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. فالدولة الحديثة لا تقوم على جني الريع وحده، بل على قدرتها على تعبئة مواردها المحلية بكفاءة وعدالة، بما يمكّنها من تمويل الخدمات الأساسية وإقامة البنية التحتية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وتؤكد أدبيات تعبئة الموارد المحلية أن الاعتماد على الإيرادات الذاتية هو أساس الاستدامة المالية وبناء المؤسسات القوية.
يظهر جدول العمليات المالية للدولة لسنة 2025، أن العائدات الضريبية تمثل 67.83٪ من إجمالي إيرادات الميزانية. ومن المتوقع أن تكون هذه النسبة في حدود 66.11٪ سنة 2026 (مشروع قانون المالية لسنة 2026). وهذا يعني أن الدولة تموّل ثلثي ميزانيتها من العائدات الضريبية، لا من الموارد الريعية ولا من الهبات. ويعتبر هذا مؤشر نضج نسبي، من منظور اقتصادي، لأنه يقلل من هشاشة الميزانية أمام تقلبات أسعار المواد الأولية، ويعزز القدرة على التخطيط المالي المستقر. فموريتانيا حين تعتمد على مواردها الذاتية تكون أكثر قدرة على رسم سياساتها بعيدًا عن ضغوط التقلبات الخارجية.
كما تعكس هذه النسبة كذلك، قدرة مصالح الضرائب على تحصيل موارد معتبرة من الاقتصاد المحلي، بما يعزز الاستقلال المالي والسيادة الاقتصادية.
غير أن هذه الصورة التي تبدو للوهلة الأولى إيجابية، تحتاج إلى قدر من التدقيق. فالأرقام المجردة لا تعكس بالضرورة الواقع الكامل لبنية الاقتصاد الوطني. إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب نصف النشاط الاقتصادي لا يخضع بشكل كامل للضريبية (اقتصاد غير مصنف)، وهو ما يعني أن ثلثي موارد الدولة تأتي عمليًا من جزء محدود من الفاعلين الاقتصاديين. وهنا يكمن التحدي البنيوي الحقيقي. فحين تكون القاعدة الضريبية ضيقة، فإن العبء يتركز على القطاع المصنف، أي الشركات النظامية والموظفين والفاعلين المصرّحين. وهنا قد يتولد الإحساس بعدم العدالة، بين من يصرح ومن يعمل خارج المنظومة.
إن أي زيادة في مساهمة الضرائب في تمويل ميزانية الدولة يرتفع معها مستوى تطلعات المواطنين إلى كفاءة الإنفاق وانعكاس إيجابي عليهم. فهذه الموارد لا تأتي من مورد ريعي، بل تُقتطع مباشرة من الجهد الاقتصادي الوطني، وهو ما يعزز مطلب المساءلة ويجعل العلاقة بين الدولة ودافعي الضرائب أكثر حساسية ووعيًا بالنتائج.
فشرعية الضريبة لا تُستمد من النص القانوني وحده، بل من شعور المواطن بأن ما يدفعه يعود إليه في صورة خدمات ملموسة وتحسينات يعايشونها في حياتهم. فحين يدفع المواطن ضريبة، فإنه يتطلع أن يرى طريقًا معبدًا، ومستشفى مجهزًا، ومدرسة ذات جودة، وشوارع نظيفة، وإلا فإن الثقة بينه والدولة تتآكل، ويتحوّل الالتزام القانوني إلى عبء نفسي وتذمر اجتماعي.
النقاش اليوم، لا ينبغي أن يتمحور حول فرض الضريبة أو إلغائها، ولا على التسويق لخطاب يشيطن الضريبة، ولا آخر يتجاهل مشاعر التذمر، بل حول مقاربة تقوم على مرتكزات ثلاث: توسيع القاعدة الضريبية عبر إدماج تدريجي للاقتصاد غير المصنف، ضمان عدالة توزيع العبء، ورفع كفاءة وشفافية الإنفاق العمومي حتى يظهر الأثر التنموي بوضوح.
أخيرا، الضريبة، حين تقترن بالثقة، تصبح أداة بناء. وحين تنفصل عن النتائج، تتحول إلى عبء يُغذي الاحتقان. فلا تنمية بلا موارد، ولا موارد بلا ثقة، ولا ثقة بلا أثر محسوس في حياة المواطن.
د. مولاي ولد أب ولد أكيك



