الاثنين
2026/02/9
آخر تحديث
الاثنين 9 فبراير 2026

لا تُحمِّلوا خطاب الرئيس ما لا يحتمل

منذ 36 دقيقة
لا تُحمِّلوا خطاب الرئيس ما لا يحتمل
طباعة

"إن تاريخ بلدنا، كتواريخ جميع الشعوب، مليء بالصفحات المشرقة، كما لا يخلو من فقرات نتمنى لو أنها لم تُكتب أصلًا. فالحياة البشرية بطبيعتها مزيج من المحاسن والأخطاء، ولا توجد مكوّنة اجتماعية أو جهوية إلا وقد آذت أو تأذّت، ولا مكوّنة إلا ووقع عليها ظلم أو مارسته، أحيانًا على غيرها وأحيانًا على بعض أفرادها.

غير أن قوة الشعوب لا تُقاس بإنكار تاريخها أو بانتقاء لحظاته، بل تُقاس بقدرتها على الاعتراف بتاريخها كاملًا، وبشجاعتها في تجاوز لحظاته العصيبة، من أجل تعزيز العيش المشترك وتقويته. وكم من شعوب عاشت مآسي عميقة وفظائع لا توصف، ثم تسامَت وتجاوزت واستمرت في البناء والتقدم والنماء. فلا أمل لشعب يرضى أن يظل أسير لحظة بعينها من تاريخه، مهما كانت مؤلمة.

وقد آن الأوان لشعبنا أن يتحمّل مسؤوليته كاملة تجاه تاريخه كلّه، وأن يتحلّى بالإرادة والعزيمة لبناء مستقبل مشترك، مشرق ومزدهر. ومن هنا تتأكد ضرورة تعزيز رباط المواطنة، وتقديمه في الرتبة والاعتبار على كل ما سواه؛ فبذلك تُبنى الأوطان، وبه تتحقق طموحات الشعوب".
انتهى الاستشهاد

كانت هذه فقرةً من خطاب فخامة رئيس الجمهورية في گورگل، وهي فقرة ذات حمولة أخلاقية عالية، لكن من الضروري وضعها في سياقها الصحيح حتى لا يُساء فهمها أو يُستثمر مضمونها في غير مقصده. فهي لا تقول، صراحة ولا ضمنًا، إن مكوّنةً بعينها كانت ضحية تاريخية لمكوّنة أخرى، ولا تساوي بين الجلاد والضحية، ولا تعيد كتابة التاريخ على أساس خطاب لوم جماعي.

والحقيقة الثابتة أن تاريخ هذا البلد لا يسجّل وجود مكوّنة مستهدَفة من أخرى على أساس اللون، بل إن الوقائع تؤكد أن هناك مكوّنة لعبت تاريخيًا دور الحماية والاستيعاب، وأسهمت في توفير شروط الاستقرار والعيش والاندماج لمجمل المجتمع.

إن مكوّنات الشعب الموريتاني تُعد من أكثر الشعوب انسجامًا عبر التاريخ، وعلى مدى أكثر من ألف سنة لم تُسجَّل حرب واحدة شنّتها مكوّنة البيظان على أي مكوّنة أخرى بسبب اللون. ولم يعرف هذا البلد اصطفافًا عرقيًا أو صراعًا لونيًا، لأن الكيانات السياسية التي قامت على هذه الأرض كانت بطبيعتها مختلطة، تعكس وحدة المجتمع لا انقسامه.

ولم يظهر خطاب اللون والفرز العرقي إلا مع دخول المستعمر، حين زرع عمدًا ألغام التمييز، وصنع نخبًا ومجموعات مفصولة عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، لتكريس الإحساس بالاختلاف والتناقض، وهو شعور لم يكن جزءًا من الوعي الجمعي الموريتاني قبل الاستعمار وكان أول تجل لها في التاريخ 1958 في مؤتمر آلاگ حيث ظهر أول شعور بالتمايز على أساس اللون .

أما أحداث سنة 1966، التي كان سلافتها سينغاليين والتي يُعاد استحضارها خارج سياقها التاريخي، فهي جزء من مخطط التقسيم الاستعماري، وقد اتُّخذ إدخال ساعتين من اللغة العربية في التعليم ذريعة لإشعال الفتنة. والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الزنوج في تلك المرحلة كانوا يكتبون بالعربية في كتاتيبهم ، ويتواصلون بها، ويتداولون اللهجة الحسانية، وكانت لغاتهم تُترجم إلى العربية دون حاجة إلى لغة وسيطة، وهو ما يُسقط الادعاء من أساسه.

وجميع الأحداث التي تلت ذلك جاءت في سياق اصطفاف عرقي مصطنع، ومع ذلك ظل التعايش قائمًا وقويًا. ولم يُسجَّل في تاريخ البلد أن البيظان اعتدوا على الزنوج بسبب اللون. أما أحداث 1989، فقد استهدفت الزنوج السنغاليين، وكانت ردّ فعل على الاعتداءات التي تعرّض لها موريتانيون قُتلوا وأُحرقوا وسلبت ممتلكاتهم، لا سياسة استهداف عرقي ممنهج ضد مكوّنة وطنية.

وفي الوقت نفسه، تشير الوقائع إلى وجود مجموعات مدعومة من فرنسا، متأثرة بفكر عنصري متطرف، خططت لانقلاب يغيّر اسم البلاد وثقافتها ولغتها، وبلغ حدّ الإعداد لإعدامات واسعة. وقد انحدر إلى هذا المسار بعض الأطر الزنوج، خصوصًا من السنغال، وكانت الأحداث اللاحقة في جوهرها ردّ فعل على هذا المشروع، لا تنفيذًا لسياسة عنصرية جماعية.

ولا يوجد موريتاني واحد لم تُحزنه تلك الأحداث أو لم يُدنها، لكنها تظل – مهما بلغت قسوتها – جزءًا من صراع على السلطة، لا جريمة جماعية، ولا مشروع تصفية، ولا سياسة عنصرية يتبناها مجتمع بأكمله.

ومن الخطأ الفادح، بل من التزييف المتعمّد للتاريخ، تحميل مكوّنة البيظان مسؤولية تلك الوقائع أو تصويرها كفاعل عنصري ممنهج. فمجتمع البيظان لم يرتكب جريمة ضد مجتمع الزنوج، ولم يمارس بحقه استهدافًا قائمًا على اللون، وأي محاولة لفرض هذه الرواية ليست إلا إعادة إنتاج لخطاب المستعمر بأدوات محلية

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار