أوجه اعتراضي على ما يُسمّى بمشروع المصالحة
تمّ تسريب معطيات عن ما أُطلق عليه زورًا اسم “مشروع المصالحة”، وهو مشروع مختزل في مسار من خمس نقاط، صاغه عشرة أشخاص:
خمسة ممثلين عمّا يُسمّى بالضحايا، وهم – بحكم موقعهم – أكثر حرصًا على تثبيت الجريمة وإدامة سرديتها، وخمسة وُصفوا بالمستقلين، أبدوا تهاونًا مقلقًا تجاه المستقبل ومتطلبات الانسجام الوطني. وقد انتهى هؤلاء إلى صياغة وثيقة قُدّمت على أنها مشروع مصالحة وطنية، في حين أنها لا ترقى إلى المصالحة لا مضمونًا ولا مقصدًا، بل تمثل وثيقة إحياءٍ دائم للصراع، وتكريسًا رسميًا للانقسام، وإدارةً فاشلة لذاكرة وطنٍ أنهكته الجراح.
أولًا: الحقيقة… أم الانتقاء؟
ما يُسمّى بند “الحقيقة” لا يبحث عن الحقيقة، بل ينتقيها.
إنه تجميعٌ انتقائي للمعلومات يُدين طرفًا واحدًا، ويتجاهل السياق الكامل للأحداث، ويتغاضى عن كون ما جرى كان – في جانبٍ منه – ردّة فعل، مهما بلغت قسوتها، على انقلاب ذي طابع عرقي سعى إلى تصفية مجتمع بأكمله عبر التعذيب والإعدامات خارج القانون.
أيّ حقيقة هذه التي تبدأ من منتصف المأساة وتُسقِط بدايتها عمدًا؟
ثانيًا: تحويل المأساة إلى خطاب رسمي
أن يُطلب من رئيس الجمهورية أن يقرأ على الملأ تفاصيل تعذيب وقتل خارج القانون، فذلك ليس اعترافًا شجاعًا، بل إلباسٌ للدولة ثوب الجريمة، ومنحٌ رسمي لسردية دامية لا يجوز أن تُدار من منصة الحكم.
الدولة تُصلح وتُضمّد، لا تُعيد تمثيل الألم أمام شعبٍ جريح.
ثالثًا: الدية والعفو… بلا عدالة ولا إغلاق
الدية والعفو، حين يُقدَّمان دون طيٍّ نهائي وحاسم للملف، يتحولان من أدوات تهدئة إلى أدوات إذلال رمزي، ويُبقيان الجرح مفتوحًا تحت غطاء إنساني هشّ، لا يُنصف الضحية ولا يُحرّر المجتمع.
رابعًا: تسميم الذاكرة المدرسية
إدراج هذه الأحداث في المناهج الدراسية ليس تربيةً على التاريخ، بل توريثٌ منظّم للألم.
إنه تقسيم مبكر للتلاميذ بين “جلاد” و“ضحية”، وبين “مدان” و“مُدان له”، بما يزرع وصمًا تاريخيًا دائمًا، ويقضي على أي أفق لمواطنة متساوية، ويُعيد تأسيس المجتمع على أساس اللون والجُرم.
خامسًا: يوم وطني… لاستدعاء الماضي لا تجاوزه
ما يُسمّى “يومًا وطنيًا للمصالحة” ليس سوى موعد سنوي لإعادة فتح الجراح، وشحن الذاكرة الجمعية، ولو بجرعات أقل.
المصالحة لا تُحتفل بها، بل تُنجَز ثم تُطوى.
إن هذه الوثيقة ليست وثيقة تُصالح، بل تُدين وتُذكّر وتُحرّض.
لا تُطفئ نارًا، بل تُبقي الجمر تحت الرماد.
ولا تُداوي الجرح، بل تُصرّ على كشفه أمام الجميع دون علاج.
إنها فتنة مُقنّعة، ونار حقد تُغذّى في المناهج وفي المراسيم.
وهي ليست مشروع مصالحة، بل مشروع إدارة دائمة للكراهية، وتأجيل مدروس لانفجار قادم، ولا يمكن القبول بها لا أخلاقيًا، ولا وطنيًا، ولا سياسيًا.
فالمصالحة الحقيقية تبدأ حين نُغلق الملفات، لا حين نُدرّسها،وحين نُخفّف الذاكرة، لا حين نُقدّسها،
وحين نبحث عن المستقبل، لا حين نُقيم في الماضي.
إن بلدان العام وشعوبه عرفوا مراحل أسوأ وأوسع من ما مر بنا ومع ذلك تم طيها بشكل يحترم الضحايا ويتجاوز الجرح ويطوي الجروح ويبني المستقبل .
فلماذا لانفعل نحن ذلك !؟
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




