الأربعاء
2026/02/11
آخر تحديث
الأربعاء 11 فبراير 2026

من يستحق التوبيخ فعلاً؟

منذ 5 دقيقة
من يستحق التوبيخ فعلاً؟
طباعة

لأول مرة، نجد أنفسنا أمام حكومة لا تكتفي بوضع الوعود، بل ترسم مسارات واضحة المعالم، وتخطو بيقين نحو أهداف محددة في ملفات كانت لسنوات "ثقوباً سوداء" لاستنزاف موارد الدولة. من تعزيز السيادة الطاقية والمائية، إلى توسيع مظلة التغطية الاجتماعية، وصولاً إلى ضبط فوضى الصفقات العمومية؛ يبدو المسار كمنهجية منظمة تهدف لإعادة الاعتبار بشكل أعمق لمفهوم "الدولة".
ومع ذلك، وبدلاً من الالتفاف حول هذا المشروع الوطني، نرى من يحاول إشعال الحرائق الجانبية لتقويض العزائم وصرف النظر عن الحقيقة والتشويش على المسار . وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يُراد لنا أن نظل في دائرة الفشل؟
 الضريبة.. ثمن التنمية أم ذريعة للهجوم؟
لا يمكن لأي عقل سياسي ناضج أن يتطلع لدولة تشبه المغرب أو السنغال في بنيتها التحتية، دون أن يقبل بوجود منظومة ضريبية عادلة وصارمة. إن الانحراف المتعمد في النقاش نحو "عبء الضرائب" يتجاهل السؤال الأهم: أين تذهب هذه المداخيل؟
الموضوعية تقتضي أن تكون الرقابة الشعبية موجهة نحو:
• هل انعكست الجباية على بناء مشاريع مثل الصرف الصحي في العاصمة وتقوية الكهرباء؟
• هل تحسنت رواتب الموظفين، وهل تم توسيع خدمات الصحة والتعليم والتأمين والضمان الاجتماعي؟
• هل استُثمرت هذه الأموال في فك العزلة عن المناطق المنسية هل تمت زيادة شبكة الطرق ؟
هذا هو ميدان النقد الحقيقي، وما دونه ليس سوى محاولة لتعطيل محركات التنمية. إن فكرة الهجوم على الوزير الأول، المختار ولد أجاي، كمحرك لهذا البرنامج، ليس مدفوعاً بالخوف على المواطن، بل بالخوف على "امتيازات" طغمة معينة بدأت تفقد سيطرتها على الصفقات والموارد.
وهكذا توجهنا لتضليل الرأي العام نحو شخصنة الصراع، مما يدفعنا إلى أن نتساءل لماذا المختار ولد أجاي؟
إن توجيه السهام بكثافة نحو الوزير الأول ليس عفوياً، وليس — ويا للعجب — اتهاماً بالفساد، بل هو استهداف "الرأس" الذي يقود عملية تنفيذ الخطط بصرامة وينفذ برنامج الرئيس غزواني في ظرفية لم يعد فيها صوت يعلو فوق صوت "وقف الفساد ومحاربته"، ليصبح من الضروري هنا التساؤل: من المتضرر من هيبة الدولة ؟
إنها بوضوح تلك "القوى الارتدادية" التي اقتاتت لعقود على وهن المؤسسات؛ سماسرة الصفقات الذين اعتادوا الربح السهل دون الالتزام بدفاتر الشروط، وأباطرة الأدوية المغشوشة، والمتهربون ضريبياً الذين يرون في "النظام" تهديداً مباشراً لمصالحهم الضيقة أنهم يريدون الهروب من مأزق الإصلاح إلى فخ التهويل والدعاية السوداء
لقد ضل البعض في هذه الحرب — ويا للأسف — عن الطريق الصحيح، ووقعوا في شرك "التهويل" الذي يقوده ويدفع له من أُجبروا اليوم على الانضباط لقواعد المساواة والشفافية. إن تصوير الإصلاح على أنه "جباية مجحفة" هو غطاء كاذب لحماية امتيازات غير مشروعة. الحقيقة أن المسار الحالي يهدف إلى كبح جماح اللوبيات التي بددت المال العام وأغرقت الشعب في واقع خدمي مزرٍ.
وهكذا، إن كان ثمة توبيخ مستحق في هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا، فهو لا يُوجه لمن يحاول فرض النظام والقانون وتحصيل حقوق الدولة، بل يُوجه لمن أدمن الفوضى واستثمر في الخراب.
إن معركة بناء الدولة تتطلب نفساً طويلاً، والأهم من ذلك، تتطلب وعياً شعبياً يفرق بين "النقد البناء" وبين "الدعاية السوداء" التي تقودها قوى الفساد التي تمتلك المال والإعلام؛ فمن الطبيعي أن تدافع هذه القوى عن وجودها بشن هجمات استباقية تحت غطاء "الدفاع عن الفقراء" .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار