أطروحة الحسين ولد محنض: زلزال علمي في تاريخ المرابطين ومراجعة للعشر مسلّمات من "تيدره" إلى "أزوكي"
ناقش الدكتور الحسين ولد محنض أطروحته يوم أمس لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ والحضارة، تحت عنوان: "تاريخ دولة المرابطين في بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء من النشأة إلى العهد الحساني"، بإشراف الدكتور محمد المختارولد سيدي محمد ولد الهادي ، وعضوية لجنة ضمّت الدكاترة ددود ولد عبد الله ويحيى والبرا، وقد أجيزت الأطروحة بميزة ممتاز مع توصية بالنشر.
وقد دفعتنا هذه الأطروحة إلى طرح سؤالٍ جوهري:
"هل كان كل ما قرأناه عن تاريخ المرابطين دقيقاً؟ وماذا لو كانت هناك ’عشر مسلّمات’ كبرى ظلت تحكم وعينا التاريخي، وهي تفتقر إلى الدليل القطعي؟
في عملٍ أكاديمي وُصف بأنه ’جهد أستاذ متمرس’، يقتحم الباحث الحسين ولد محنض قلاع التاريخ الحصينة، ليقلب الطاولة على مفاهيم استقرت لقرون، وليثبت أن تاريخ الصحراء الشنقيطية كان، وما يزال، في حاجة إلى من يمسك بمروياته من تلابيبها."
خارجًا عن أي أنساقٍ مألوفة في اجترار الأخطاء وتقديس المسلّمات، جاءت أطروحة الباحث "الحسين ولد محنض" لنيل الدكتوراه في التاريخ؛ محاولةً جريئة لإعادة كتابة تاريخٍ اجتهد كثيرون في تثبيت أخطائه حتى صارت حقائق لا تُناقش. لقد قلبت هذه الرسالة جملةً من المفاهيم والمعطيات رأسًا على عقب، عبر التتبع الدقيق، والتمحيص الصارم، والمقارنة المنهجية، والمحاججة المحكمة.
أمسك الباحث بالمرويات من تلابيبها، لا بضجيج الادعاء، بل بصلابة الحجة، وقوة الدليل، ومنهجية الطرح، وعمق التناول، وحسن السبك، ورجاحة العقل. وكأنه أراد أن يواجه التصديق السائد بالحقيقة العارية؛ ذلك التصديق الذي خضع أحيانًا للأغراض، وأحيانًا للتسرع في الأحكام، وأحيانًا أخرى للمجاراة أو التسليم الأعمى بالمنقول. لقد تمرّد الحسين على السياق الموروث، فزعزع ما يقارب عشر مسلّمات استقرّت طويلًا من غير بينة، حيث خلص في دراسته إلى جملة من النتائج البارزة، من أهمها:
• أن الدولة المرابطية الصحراوية تركت تاريخًا حافلًا جديرًا بأن يُجمع ويُكتب، وهو ما سعت هذه الأطروحة إلى إنجازه.
• أن مكانة دولة المرابطين التي قامت في الجنوب (بلاد شنقيط) بعد انقسام الدولة المرابطية لا تقل شأنًا عن الدولة التي قامت في الشمال (المغرب). فإذا كانت دولة المرابطين الشمالية قد وحّدت المغرب وأخّرت سقوط الأندلس، فإن دولة المرابطين الجنوبية الشنقيطية قد وحّدت الصحراء، وفتحت "غانة"، وأسهمت في نشر الإسلام في مناطق واسعة من إفريقيا، وبسطت نفوذها على مساحة تزيد على ضعف مساحتي المغرب والأندلس مجتمعتين.
• أن المصادر الوسيطة التي تناولت الدولة المرابطية كانت تفتقر إلى دراسة مقارنة تستثمر معطياتها وتصحح اختلالاتها، وهو ما أنجزته هذه الأطروحة، خصوصًا في تناولها للحقبة الأولى من تاريخ المرابطين (حقبة ما قبل الانقسام).
ولم يكن كل هذا مجرد كلامٍ إنشائي، بل عضدته حجج وأرقام ومعطياتٌ ومقارنات دقيقة، حتى إن أحد الأساتذة المناقشين صرّح بأنه قل بحث أو مرجع أو معلومة كُتبت عن المرابطين إلا ووجدها حاضرة في هذه الأطروحة، ووصفها آخر بأنها أقرب إلى جهد أستاذٍ متمرّس منها إلى عمل طالب دكتوراه.
لم يكتفِ الحسين بهذا التمحيص لأطروحات سكتت عنها طويلاً مرويات التكرار، بل توصل مع ذلك بجهد علمي رصين إلى تثبيت عشر حقائق جوهرية سوف تقلب الأطروحات التي ظلت متداولة عن المرابطين بشكل مغلوط، وتحسم الخلاف في جوهر انطلاقة هذه الحركة ومراحلها المفصلية. ويمكننا تلخيص أهم النتائج التي خلص إليها الباحث فيما يلي:
1. حميرية صنهاجة: تأكيد أصلهم اليمني عبر جمع الأدلة المتفرقة، وإضافة دليل حاسم وجديد يتمثل في هجرة "الأنباط الحميريين" قبل نحو ألفي سنة إلى الصحراء، وهم أنفسهم الأنباط المعروفون في بلاد شنقيط اليوم.
2. تفسير "البتر والبرانس": تقديم تفسير جديد يستند إلى تاريخ هؤلاء الأنباط بدلاً من التفسير القديم الذي كان يربط التسمية بطبيعة الملابس.
3. مادية "الرباط": إثبات أن رباط المرابطين كان حقيقة مادية ملموسة (وفي جزيرة تيدره تحديداً)، وليس مجرد تعبير معنوي كما روجت له المدرسة المعاصرة.
4. أمة "قمنورية": تقديم دراسة مفصلة عن الشعوب التي كانت تساكن صنهاجة في الصحراء، وإثبات أن "قمنورية" التي ذكرها الإدريسي هي "كنار"، وهي الأمة القديمة التي عمرت البلاد قبل الملثمين، وأن عاصمتها "نغيرا" هي "نكجير" في شمال بلاد شنقيط.
5. لغز شعب "بافور": حل إشكال هذا الشعب وتبيين أنهم جزء من شعب "هوارة" المعروف.
6. ملوك غانة الأوائل: دحض فرضية قدومهم من يهود برقة النازحين من الشام، وإثبات أنهم من شعب "أغرمان" الأمازيغي الذي استوطن شنقيط حينها.
7. عاصمة المرابطين "آزوكي": تصحيح موقعها، فهي "گوگدم" في الطرف الشمالي الشرقي من الصحراء الشنقيطية (سفح جبل لمتونه)، وليست "آزوكي آدرار" كما شاع.
8. تاريخ استشهاد الأمير أبي بكر بن عمر: تصحيح تاريخ وفاته حيث توفي عام 468هـ/ 1076م، خلافاً لما اشتهر عند ابن خلدون وابن أبي زرع وأخذت به المدرسة العصرية.
9. استمرار الدولة المرابطية الصحراوية: إثبات أن الدولة المرابطية الصحراوية لم تنتهِ باستشهاد الأمير أبي بكر، بل استمرت من بعده عبر خلفاء وأحداث كشفتها الدراسة لأول مرة.
10. فتح مملكة غانة: تقديم الأدلة القاطعة على غزو المرابطين لمملكة غانة وفتحها، خلافاً لمزاعم المدرسة الغربية المعاصرة.
إن هذه الدراسة ستعيد إلى طاولة البحث مواضيع ظنَّ الكثيرون أنها حُسمت، وهي تؤسس لوعي تاريخي جديد يربط فضل انتشار الإسلام في غرب إفريقيا بمرابطي الصحراء وبلاد شنقيط.
غير أن الأهم من كل ذلك -بالنسبة لي- ليس فقط تصحيح الأحداث، بل تحرير العقل التاريخي من سلطة الاجترار؛ أي الانتقال من تاريخٍ يُروى لأنه "شائع"، إلى تاريخٍ يُثبت لأنه "مُحقَّق". فالتاريخ إما أن يُكتب بأدوات النقد والمقارنة والاستقراء، أو يظل مجرد صدىً باهت لما قيل من قبل.
وهنا يكمن جوهر الدراسة: أن التاريخ لا يُصان بالتقديس، بل بالمراجعة.. ولا يُبنى بالتسليم، بل بالتحقيق.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار
وهذا نص التقرير الذي قدمته الدكتور الحسين بن محنض أمام لجنة المناقشة أطروحته:
الحمد لله الذي بنعمته وجلاله تتم الصالحات...
خرجت قبل قليل من نقاش أطروحة دكتوراه في التاريخ بعنوان: ((تاريخ الدولة المرابطية في بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء من النشأة إلى العهد الحساني (القرن 5-11هـ/ القرن 11- 17م)..
ناقشني في هذه الأطروحة أساتذتي الأجلاء الأستاذ الدكتور ددود ولد عبد الله، والأستاذ الدكتور يحيى ولد البراء، وأستاذي المشرف الأستاذ الدكتور محمد المختار ولد سيدي محمد الهادي..
وقد منحوني درجة ممتاز مع توصية بالنشر.. وأعتزم إن شاء الله تعالى إرساله للطبع خلال أيام..
نص التقرير الذي قدمته أمام لجنة المناقشة:
((بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
تقرير
تحمل هذه الأطروحة عنوان "تاريخ الدولة المرابطية في بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء من النشأة إلى العهد الحساني" (من القرن الخامس هجري/ 11م إلى القرن الحادي عشر الهجري/ 17م). وهدفها إعادة النظر في دراسة تاريخ المرابطين عامة، وكتابة تاريخ شامل ومتسلسل للدولة المرابطية الصحراوية في بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء خاصة.
وقد جاءت هذه الأطروحة من حيث هيكلتها في مقدمة وأربعة أبواب، تحت كل باب فصلان، وتحت كل فصل ثلاثة مباحث، وذلك على النحو التالي:
مقدمة
الباب الأول سياقات نشأة الدولة المرابطية
الفصل الأول الأصول العرقية والاجتماعية للدولة المرابطية
المبحث الأول نشأة الأمازيغ
المبحث الثاني أصول صنهاجة
المبحث الثالث القبائل الصنهاجية الأساسية المؤسسة للدولة المرابطية
الفصل الثاني السياقات الجغرافية والمذهبية والسياسية للدولة المرابطية
المبحث الأول المجال الجغرافي
المبحث الثاني التوجه المذهبي
المبحث الثالث المسار السياسي
الباب الثاني الدولة المرابطية من النشأة إلى الانقسام
الفصل الأول نشأة الدولة المرابطية
المبحث الأول مرحلة التمهيد
المبحث الثاني مرحلة الرباط
المبحث الثالث مرحلة التأسيس
الفصل الثاني الأطوار التاريخية للدولة المرابطية قبل الانقسام
المبحث الأول الحروب الأولى للدولة
المبحث الثاني توسع الدولة
المبحث الثالث انقسام الدولة إلى شمالية بالمغرب وجنوبية بالصحراء
الباب الثالث الدولة المرابطية الصحراوية من التشكل إلى التفكك
الفصل الأول تشكل الدولة المرابطية الصحراوية
المبحث الأول سياق تشكل الدولة المرابطية الصحراوية
المبحث الثاني تأثير الأوضاع الداخلية في تشكل الدولة المرابطية الصحراوية
المبحث الثالث تأثير الأوضاع الخارجية في تشكل الدولة المرابطية الصحراوية
الفصل الثاني مسار الدولة المرابطية الصحراوية
المبحث الأول عهد الأمير أبي بكر بن عمر
المبحث الثاني عهد الخلفاء الذين خلفوا الأمير أبا بكر بن عمر
المبحث الثالث تفكك الدولة المرابطية الصحراوية
الباب الرابع التطورات اللاحقة على تفكك الدولة المرابطية الصحراوية
الفصل الأول بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء بعد تفكك الدولة المرابطية الصحراوية
المبحث الأول عودة الشتات المرابطي (المغربي والأندلسي) إلى الصحراء
المبحث الثاني عهد المحلات والمدن المرابطية
المبحث الثالث مقدم بني حسان
الفصل الثاني الحرب بين المرابطين وبين بني حسان (شرببه الأولى)
المبحث الأول الحرب ونتائجها
المبحث الثاني مآلات المرابطين بعد الحرب
المبحث الثالث الانتشار الحساني
الخاتمة.
ودون الرجوع -خشية الإطالة- إلى التفاصيل الكثيرة التي تضمنتها هذه الأطروحة، سأركز على تقديم نقاط معينة تعطي صورة عن مدى الجهد الذي بذلته فيها طيلة السنوات الثلاث الماضية، والمعلومات والمعطيات والمواد التاريخية التي حصلتها، والنتائج التي توصلت إليها. حيث ناقشت فيها خلال حديثي عن الأمازيغ تسمية، ودلالة، وأصولا موضوع نشأة هذا الشعب وأصوله، وما قيل عنها بدءا بما أورده هيرودوت Hérodote (484- 425 ق.م) الذي كان من أوائل من تحدث عنهم، ونسبهم إلى الطرواديين اليونانيين، ثم سالوست Salluste (86-35 ق.م) الذي قال إنهم مجموعات ميدية وأرمينية وفارسية اختلطت بالليبيين والجيتوليين (=الگيتوليين)، ثم سترابون (Strabo=) Strabon (63 ق.م- 24م) الذي نسبهم إلى الهنود، فالقديس أغسطينوس Saint Augustin (354- 430م) الذي وصفهم بأنهم كنعانيون، فبروكوبيوس Procope (حوالي 500- 565م) الذي أشار هو الآخر إلى كنعانيتهم. وجاء العهد الإسلامي بعد بروكوبيوس مباشرة، فانقسم المؤرخون الإسلاميون بين نسبتهم إلى الأصل العربي، أو الأصل الحامي، وقد نسبهم الطبري (تـ310هـ/ 923م) والمسعودي (346هـ/ 957م) وابن خلدون على وجه الخصوص إلى الكنعانيين، وكذلك فعل أكثر مؤرخي البربر في عصرهم، متفقين في ذلك مع ما ذكره قبلهم كل من القديس أغسطينوس Saint Augustin (354- 430م)، وبروكوبيوس، مما يدل على صحة وقوة تأثير الهجرة الكنعانية فيهم. أما في عصرنا الحالي فيتنازع الأمازيغ اتجاهان رئيسان: اتجاه يعتبرهم امتدادا للعرب، واتجاه يعتبرهم شعبا أصليا في المنطقة. وقد خلصتُ بعد دراسة معمقة لهذه المسألة إلى أن الشعب الأمازيغي في الواقع حصيلة رافدين هامين الأول: محلي، والثاني وافد عبارة عن هجرات قدمت إلى بلاد الأمازيغ من قارات متباينة، وفي عهود مختلفة، وإلى أنه لا مراء في أن تمازج هذين الرافدين هو الذي أنشأ هوية مستقلة للأمازيغ عن غيرهم، لكنه أيضا لا مراء في أن أبرز رافد أثر في الهوية والثقافة واللغة الأمازيغية كان العرب والعربية.
كما ناقشت موضوع صنهاجة وأصولهم، مقدما روايات زهاء 30 مؤرخا وعالما جزموا بنسبهم الحميري، منهم ستة من أكبر وأقدم مؤرخي وعلماء الإسلام هم ابن الكلبي (تـ204هـ/ 820م)، وابن سلام (تـ232هـ/ 846م)، والزبير بن بكار (تـ256هـ/ 870م)، والبلاذري (تـ279هـ/ 892م)، واليعقوبي (تـ292هـ/ 905م)، والطبري (تـ310هـ/ 923م) عاشوا كلهم بين القرنين الهجريين الثاني والثالث (8-9م)، أي أنهم أثبتوا لصنهاجة هذا النسب، في فترة لم يكن لصنهاجة في الغرب الإسلامي فيها أي دور سياسي أو اجتماعي بارز، مما يدل على أن هذه الحميرية لم تكن مسألة مستحدثة لعوامل سياسية أو اجتماعية معينة. ودرست من جهة ثانية كيف أن علماء اليمن ومؤرخيه بعيدا عن هؤلاء في الشرق اتفقوا من جهتهم على حميرية صنهاجة، حيث ذكرها مؤرخ اليمن الشهير الحسن بن أحمد الهمداني (تـ ح 334هـ/ 945م)، فقال "إن لمتونه فخذ من صنهاجة، وصنهاجة فخذ من عبد الشمس بن وائل بن حمير، وإن إفريقش بن وائل بن حمير ملك إفريقية لما خرج غازيا نحو بلاد المغرب خلف فيها صنهاجة من قبائل حمير وزعمائها( )" ، ووافقه كل -أو جل- من جاء بعده من مؤرخي اليمن المعتبرين، كأبي عبيد الله الكندي (346هـ/ 957م)، ونشوان بن سعيد الحميري (تـ573هـ/ 1178م)، وابن سلام العدني (تـ668هـ/ 1269م)، والسلطان الأشرف عمر بن يوسف بن رسول (تـ696هـ/ 1297م)، وغيرهم، رغم أنه ليس هناك ما يجعل هؤلاء المؤرخين اليمنيين يقبلون بانتساب صنهاجة البعيدة منهم إليهم، لو لم يكن ذلك الانتساب صحيحا، لأن العصبيات العربية الأثيلة لم تكن تقبل بانضمام عصبيات أخرى إليها لا تكافئها في النسب أو الحسب، حتى ولو كانت هذه العصبيات عربية مثلها وفي موطنها، فكيف بها إذا كانت عصبيات غريبة عنها. وبعد أن درست باستفاضة مسار الهجرات الحميرية التي درسها محمد حسين الفرح مركزا على ثلاث هجرات كبرى منها، ناقشت ابن حزم وابن خلدون في رفضها ورفض حميرية صنهاجة من أصلها، درست العلاقة التي بدت لي وطيدة بين أنباط البتراء الأردنية (حميريي الأصل) وبين الأنباط المعروفين حاليا في بلاد شنقيط (الذين يمثلهم اليوم إيدوعيش)، ودولة أنبَيه التي سبقت دولة المرابطين، مبينا الترابط بين هذه المكونات الثلاث: أنباط الأردن، ودولة أنبيه، وأنباط الصحراء، وأن هذه على ما يبدو تمثل هجرة صنهاجية رابعة وصلت إلى بلاد شنقيط قبل نحو ألفي سنة من الآن. كما قدمت تفسيرا جديدا لتسميتي البتر والبرانس يستند إلى هؤلاء الأنباط بدلا من التفسير المشهور الذي قدمه ويليام مارسى William Marçais استنادا إلى نمط الألبسة.
وفي عهد الفتوحات ناقشت مسألة وصول عقبة بن نافع إلى الصحراء، حيث تروي الرواية المحلية أنه وصل إلى ولاته، مبينا أن أكثر الدارسين المعاصرين يقولون إنه لم يتجاوز السوس، مع أن أربعة من مؤرخي العصر الوسيط أشاروا بصورة واضحة إلى ما يفيد بتوغله في الصحراء: ابن عبد الحكم الذي تحدث عن جولان عقبة في بلاد أنبيه بالسوس، ولا يقصد إلا الصحراء المتصلة بالسوس لأنها هي بلاد أنبيه، وابن عذاري الذي أورد أن عقبة نزل من درعة إلى بلاد صنهاجة، وصاحب مفاخر البربر الذي قال إن عقبة نزل إلى الصحراء إلى بلاد لمتونه وسبى سبيا كبيرا، وابن خلدون الذي ذكر أنه قاتل مسوفه من أهل اللثام وراء السوس، فهذه الروايات تؤيد توغل عقبة في صحراء بلاد شنقيط لكنها لا تذكر وصوله إلى ولاته وبلاد السودان. وناقشت أيضا الاتجاهات المذهبية لقبائل گداله ومسوفه ولمتونه في عهد ما قبل المرابطين، وتأثير هذه الاتجاهات المذهبية في قيام دولة المرابطين ومسارها.
وفي العهد المرابطي درست روايات المصادر الأساسية (البكري، القاضي عياض، ابن أبي زرع، ابن الأثير، ابن عذاري، الاستبصار، الحلل الموشية، المراكشي ابن الخطيب، ابن خلدون...إلخ)، وبينت كيف أنها اختلفت باختلاف توجهات أصحابها السياسية، منقسمة بين روايتين للأحداث المؤسسة للمرابطين: الرواية الگدالية ويمثلها البكري وابن أبي زرع وابن خلدون، والرواية اللمتونية ويمثلها القاضي عياض وابن عذاري وصاحب الحلل (لنقلهما عن ابن الصيرفي مؤرخ الدولة اللمتونية) وابن الأثير والذهبي لنقلهما عن قاضي مراكش الموالي للمتونه ابن أبي فنون. كما صححت الكثير من التواريخ والأوهام التي شابت بعضها، ومن أبرز ذلك تواريخ المعارك الأولى للدولة، وتاريخ بناء مراكش، وتاريخ انقسام الدولة، وتاريخ وفاة الأمير أبي بكر بن عمر الذي بينت أنه كان 468هـ/ 1076م كما قال ابن عذاري وصاحب الحلل، وليس 480هـ/ 1087م كما قال ابن أبي زرع وابن خلدون، وذهب إليه أكثر الدارسين المعاصرين.
ودرست بصورة معمقة رباط المرابطين، وقدمت الأدلة والشواهد على أنه كان رباطا ماديا، ولم يكن مجرد تعبير معنوي، وعلى أنه كان في تيدره بحوض آركين، خلافا لما انتهى إليه أكثر الدارسين المعاصرين الذين خلصوا إلى أن الرباط لم يكن موجودا بمعناه المادي، وجمع مورايس فرياس خلاصات أعمالهم وقررها في عمل موسع، وقررها، وقد ناقشته مطولا في كل حججه.
كما درست بصورة معمقة كذلك موقع حاضرة آزوگي عاصمة الدولة المرابطية الصحراوية التي وردت -فيما اطلعنا عليه- في 18 مصدرا قديما (سبقت عصرنا الحديث) اطلعنا عليها هي: البكري (تـ487هـ/ 1094م)، وابن تومرت (تـ524هـ/ 1130م)، والزهري (تـ ح539هـ/ 1144م)، وابن بسام (542هـ/ 1147م)، والقاضي عياض (تـ544هـ/ 1149)، والإدريسي (تـ560هـ/ 1165م)، وابن بشكوال (تـ578هـ/ 1183م)، وياقوت الحموي (تـ626هـ/ 1229م)، وابن الزيات (تـ627هـ/ 1230م)، والقزويني (تـ682هـ/ 1283م)، وابن سعيد (تـ685تـ/ 1286م)، والدمشقي (727هـ/ 1327م)، وأبو الفدا (732هـ/ 1331م)، وابن شبيب (تـ750هـ/ 1349م)، وابن خلدون (تـ808هـ/ 1406م)، والقلقشندي (تـ821هـ/ 1418م)، والحميري (تـ ح900هـ/ 1495م)، والحسن الوزان (تـ ح957هـ/ 1552م)، ومارمول (تـ ح 1008هـ/ 1600م)، وبرهنت من خلال أقوالهم، والأوصاف التي أعطوا لآزوگي، والمسافات التي حددوا لها بالأدلة الواضحة على أن هذه الحاضرة كانت بالقسم الشمالي الشرقي من بلاد شنقيط بجبل هناك هو جبل لمتونة الذي كان البكري أول من ذكره وذكر مساحته التي يظهر منها جليا أنه لا يعني جبل آدرار، دارسا أيضا الخرائط التي رسمها الإدريسي، وحدد فيها موقع هذا الجبل وسماه بينما سمى جبل آدرار بجبل مانان (بطن من زغاوه)، كما حدد فيها موقع آزوگي المتفق مع ما ذكره جميع من قدمنا من المؤرخين. أما آزوگي آدرار فقد اكتسبت مكانتها وقيمتها التاريخية من كونها أصبحت حاضرة مرابطية بعد غزو الأمير أبي بكر بن عمر لها، وفتحها من طرف خلفائه، كما هو مقتضى المرويات المحلية، ووجود قبر الإمام الحضرمي بها. كما درست موقع أرتنَنَّنْ عاصمة المرابطين الأولى مبينا أنها ليست أرطان (على ظهر تيشيت) كما اقترح بعض الباحثين.
ودرست باستفاضة الشعوب والقبائل التي كانت تساكن صنهاجة في بلاد شنقيط، خاصة في بلاد قمنورية التي بينت أنها هي بلاد گنار (گنورية) الحالية التي كانت تمتد من نهر السينغال إلى الساقية الحمراء شمالا ولم تتزل تتقلص بفعل الغزو الصنهاجي لها حتى انحصرت في الجزء الجنوبي الغربي من بلاد الترارزة، ودرست موقع عاصمتيها اللتين ذكر الإدريسي نغيرا وقمنوري، حيث شرحت كيف أن نغيرا هي نگجير، وأن قنوري (كنوري في اعتقادنا) هي تيگماطين أو في نواحيها. ثم إيزگارن، وأغرمان الذين بينت أنهم هم مؤسسو غانه، وليس يهود برقة كما قال دلافوس، وبافور الذين درست باستفاضة تاريخهم وخلصت فيه إلى أنهم جزء من شعب هوارة.
ودرست أيضا بصورة معمقة أحداث الدولة المرابطية الصحراوية، بحسب ما هو متاح، حيث نقلت فيما يتعلق بعهد الأمير أبي بكر بن عمر وفتوحاته عن اثنين وعشرين مصدرا أحدثهم المختار بن حامدن وسيداتي بن بابه، كلهم تحدثوا عنه أحاديث متفاوتة، وهم: منيحن بن مودي مالك الديماني (تـ1151هـ/ 1738م)، ووالد بن خالنا الديماني (تـ1212هـ/ 1798م)، والشيخ محمد المامي بن البخاري الباركي (تـ1282هـ/ 1865م)، وأحمد بن حبت القلاوي (تـ1301هـ- 1884م)، والمختار بن ألما اليدالي (تـ1307- 1889م)، ومحمد امبارك اللمتوني (تـ1290هـ/ 1873م)، وسيدي عبد الله بن سيدي محمد بن محمد الصغير بن انبوجه العلوي (تـ ح 1300هـ/ 1880م)، والهادي بن أحمد الهادي اللمتوني (ح 1300هـ/ 1880م)، والشيخ سيدي أحمد بن إبراهيم بن سيدي أحمد بن حامني القلاوي (تـ.1318- 1900م)، ومحمدو بن أحمدو الصغير التيشيتي (تـ.1323هـ- 1904م)، وصاحب مخطوط الرباط (ح 1332هـ/ 1914م)، وبابه بن الشيخ سيديا الأبييري (تـ1342هـ/ 1924م)، والشيخ گلاه (عبد الله) بن صلاح البوحبيني (تـ1346هـ/ 1928م)، وأحمد بن أحمد بن سيدامين الشقروي (تـ1362هـ/ 1943م)، وعبد الودود بن انتهاه الشمسدي (تـ1372هـ/ 1952م)، ومحمد بن أبي مدين الديماني (تـ1396هـ/ 1976م)، وعبد الكريم بن الشيخ بن أحمذيه الحسني (تـ1397هـ/ 1977م)، ومحمد عبد الرحمن بن السالك العلوي (تـ1398هـ- 1978م)، ومحمد يحيى بن الشيخ الحسين الجكني (تـ1408هـ- 1987م)، والمختار بن حامدن الديماني (ت1414هـ/ 1993م) وسيداتي بن بابه الأبييري (تـ1422هـ/ 2002م).
وقمت بدراسة عهد خلفائه الذين أعتقد -استنادا إلى الإشارات الواردة في المصادر الوسيطة والمحلية- أنهم على التوالي يحيى بن أبي بكر بن عمر، ثم ابن عمه محمد بن يحيى بن عمر، ثم أخوه عثمان بن يحيى بن عمر الذي كان آخر أمير إجماعي للدولة المرابطية الصحراوية قبل تفككها. وخلال دراستي لهذا العهد جلبت بعض الشواهد والقرائن على غزو المرابطين لغانه في فترة الأمير يحيى بن أبي بكر، وناقشت مطولا أحمد الشكري فيما ذهب إليه متبعا فيه باحثين غربيين مثل دافيد كونراد David Conrad، وهمفري جون فيشرHumphrey John Fisher، ولامين أوسمان سانّه Lamin Ousman Sanneh، وميرفين هيسمت Mervyn Hismett شككوا بقوة في هذا الغزو، مما جعل هناك ميلا متزايدا إلى الاعتقاد بأن غزو المرابطين لغانه لم يحدث أبدا. مع أن دراسات كل هؤلاء لم تقدم في الواقع أي دليل ينفي رواية الزهري الذي قال: "الصقع الثالث جناوة (...) وفيه مدينة غانه (...) وهي حاضرة جناوة، وإليها تدخل القوافل من بلاد السوس الأقصى والمغرب. وأهل هذه البلاد كانوا يتمسكون فيما سلف بالكفر إلى عام تسعة وستين وأربعمائة، وذلك عند خروج يحيى بن أبي بكر أمير مسوفه، وأسلموا في مدة لمتونه، وحسن إسلامهم( )"، يريد بذلك على ما يظهر الأمير يحيى بن أبي بكر بن عمر اللمتوني، لكنه أطلق عليه اسم أمير مسوفه لأن الجهة المحاذية لغانه كانت تنسب لمسوفه، وكانت تلك هي طريقه إليها. وقال الزهري أيضا: "وبمقربة من غانه بمسيرة خمسة عشر يوما مدينتان تسمى إحداهما نسلى والثانية تادمكة، وبين هاتين المدينتين تسعة أيام. وأهل هاتين المدينتين أسلموا بعد إسلام أهل غانه بسبعة أعوام، بعد أن جرت بينهم حروب وفتن كثيرة، واستعان عليهم أهل غانه بالمرابطين( )". وفي هذا دليل ثان يؤيد فتح غانه سنة 469هـ/ 1077م في عهد الأمير يحيى بن أبي بكر، لأنها لو لم تكن فتحت وأسلم حاكمها أو نصب عليها حاكم مسلم لما تأتى للغانيين والمرابطين أن يتضافروا لفتح ما اتصل بها من البلاد كنسلى وتادمكه اللتين قال الزهري إن الغانيين مدعومين بالمرابطين فتحوها بعد ذلك بسبعة أعوام، حيث يتضح من نص الزهري أن مجال تحرك المرابطين الصحراويين في تلك الآونة (476هـ/ 1083م) قد اتسع كثيرا، وأنه شمل كل الأنحاء الجنوبية والشرقية من بلادي السودان وغرب الصحراء لحمل شعوبها على الإذعان للإسلام والدعوة المرابطية، كما يتضح منه أن الغانيين بعد أن ترسخ فيهم الإسلام أصبحوا بدورهم في سنوات قليلة جزءا من ألوية الجهاد المرابطي الواسع الذي انتشر في كل مكان من الصحراء الكبرى وامتد إلى جميع بلاد السودان المحاذية لها.
بعد هذه الحقبة درست حقبة المرابطين في الصحراء في عهد ما بعد تفكك الدولة المرابطية الصحراوية، فتتبعت، بحسب ما هو متاح من المعلومات والمعطيات، خطى القبائل والإمارات التي كانت تؤلف الدولة المرابطية الصحراوية بعد أن استقل كل منها بكيانه الخاص به، ودرست المعطيات المتعلقة بمقدم مرابطي المغرب والأندلس بعد سقوط دولتهم الشمالية، وما يظهر أنهم عقدوه من تحالفات مع مرابطي الصحراء، وما ارتبط بذلك من أحداث تفهم من الروايات والمصادر المحلية المختلفة، ثم ناقشت مقدم بني حسان بعد أن عرفت بهم وبأصولهم وتفريعاتهم، مبينا اضطراب ابن خلدون فيهم وفي عرب المعقل عموما، حيث نفى جعفريتهم بحجة أن "الطالبيين والهاشميين أنهم لم يكونوا أهل بادية ونجعة"، وهو متناقض مع قوله قبل ذلك عند الحديث عن جهينة: "ملأوا تلك القفار، ونزل معهم في تلك المواطن من أسوان إلى قوص بنو جعفر بن أبي طالب حين غلبهم بنو الحسن بني علي على نواحي المدينة وأخرجوهم( )"، ومبينا اختلال دعواه أنهم من قضاعة أو من مذحج، مقدما الأدلة المتضافرة على جعفريتهم، ومستطردا أن أسماء أسلافهم البعيدين ولهجتهم العربية تؤيد جعفريتهم وأصلهم الحجازي. كما عرفت بنمط العلاقة التي ربطت بينهم وبين المرابطين إبان مقدمهم. وأخيرا تحدثت بتفصيل عن الحرب التي اندلعت بينهم وبين المرابطين، حيث درست بعمق هذه الحرب سياقا وتسمية وتاريخا وأسبابا ووقائع ونتائج. وختمت بدراسة مآلات المرابطين بعد هذه الحرب، ثم الانتشار الحساني في البلاد.
وفي كل فصل من فصول هذه الدراسة قدمت الكثير من المعلومات والنقاشات والتصويبات والاستنتاجات التي يطول جلبها هنا، وأرجو أن تكون قد أنارت تاريخ هذه الدولة المرابطية الصحراوية، وقدمت عنها صورة تعكس الواقع الذي كانت عليه رغم شح المصادر وندرتها.
وفي الخاتمة استعرضت أهم عشر نتائج توصلت إليها في هذه الدراسة معتبرا أن هذه الدراسة قد تساهم في إعادة فتح الباب أمام دراسة فاحصة جديدة للحقبة المرابطية الأولى (حقبة ما قبل انقسام الدولة المرابطية) لنقاش ما أثرتُه من اختيارات مخالفة لما كان معهودا، وكذلك دراسة الحقبة المرابطية الثانية (حقبة الدولة المرابطية الصحراوية) على ضوء ما قدمته من معطيات وتحليلات واستنتاجات.
وقد أعددت ملاحق لهذه الدراسة تتمثل في: أولا ترجمة إلى العربية قمت بها للترجمة الفرنسية التي أنجزها إسماعيل حامد لكتاب مطرب العباد المفقود أصله العربي. ثانيا خريطتان للإدريسي الأولى خريطته في كتابه نزهة المشتاق التي رسم فيها مدينة آزوگي، وجبل لمتونة الذي سماه في هذه الخريطة باسمه الفعلي في ذلك العهد تارات، والثانية خريطته في كتابه "أنس المهج" الذي ألفه بعد نزهة المشتاق، وسمى فيه جبل تارات باسمه المضاف إلى سكانه أي جبل لمتونه. ثالثا المخطوط الذي كتب في الرباط ويتحدث عن الأمير أبي بكر بن عمر وفتوحاته حديثا على منوال حديث مخطوطي الروض والمذهب المنسوب لابن حبت. رابعا إحدى أصح نسخ نظم محمد امبارك اللمتوني في الدولة اللمتونية التي جمعت منه عدة نسخ للمقارنة بينها واستخلاص نسخته الصحيحة. خامسا خريطة تيدره التي مثلت بالنسبة لي حسب نتائج هذه الدراسة موقع رباط المرابطين ومهدهم ومنشأ دولتهم. سادسا صور لبعض دنانير الأميرين المرابطيين الصحراويين يحيى بن عمر، وأبي بكر بن عمر.كما أعددت فهارس شاملة للأعلام والأماكن والشعوب والقبائل.
وختاما أشكركم أساتذتي الأجلاء على تسخيركم لوقتكم الثمين لقراءة هذه الأطروحة وتقييمها ومناقشتها، كما أشكر كل من ساعدني على إنجاز هذا العمل الذي يعيد الاعتبار لبلدنا بوصفه الحاضنة الأولى للامبراطورية المرابطية، ولتيدره بوصفها موقع رباط المرابطين ومنطلق دعوتهم، ولمرابطي الصحراء، ودورهم في تأسيس الدولة المرابطية قبل الانقسام، وفي إنشاء دولة مرابطية صحراوية وحدت الصحراء، وفتحت غانة، وهيمنت على مساحة شاسعة تزيد على ضعف مساحة المغرب والأندلس مجتمعتين، وحملت الإسلام إلى نحو ثلث القارة الإفريقية، كما يقدم إضاءات هامة للحقبة الفاصلة بين تفكك الدولة المرابطية الصحراوية، ومقدم بني حسان، ويسد ثغرة كبيرة كانت موجودة في هذه الحقبة من تاريخ البلد. أشكركم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الحسين بن محنض)).




