الأربعاء
2026/01/14
آخر تحديث
الأربعاء 14 يناير 2026

موازين القوى في السوق العالمي لخام الحديد (1): من السعر المرجعي إلى آليات بلاتس

منذ 51 دقيقة
موازين القوى في السوق العالمي لخام الحديد (1): من السعر (…)
د.يربان الحسين الخراشي
طباعة

في عالم تقاس فيه قوة الأمم بمدى تحكمها في سلاسل القيمة، لا يمثل خام الحديد بالنسبة للصين مجرد سلعة تجارية عابرة بل هو العصب الحيوي لمنظومتها الصناعية، ورغم تربّعها على عرش الإنتاج العالمي للصلب بحوالي 53% من إجمالي الإنتاج العالمي، إلا أنها تواجه تحدياً استراتيجياً يتمثل في اعتمادها الكبير على الخارج لتأمين احتياجاتها من المادة الخام، ولنا في بيانات عام 2024 خير مثال على حجم هذا التحدي، حيث بلغت فاتورة استيراد خام الحديد نحو 132 مليار دولار، لتأتي كثالث أكبر بند استيرادي بعد الرقائق الإلكترونية (385 مليار دولار)، والنفط (324 مليار دولار). وخلف هذه الأرقام تبرز أهمية المادة الأولية لصناعة الصلب التي تمثل العمود الفقري لكافة الصناعات الحديثة، بدءاً من البنية التحتية والصناعات المدنية، وصولاً إلى الترسانة العسكرية، وبدون استقرار إمداداتها وتكلفتها تتعطل عجلة البناء وتتأثر القوة الردعية للدولة بشكل مباشر.
تتناول سلسلة المقالات هذه التحولات التاريخية في آليات تسعيرخام الحديد، بدءاً من نظام السعر المرجعي وصولاً إلى آلية مؤشر بلاتس، والتحركات الصينية الأخيرة عبر مجموعة موارد الصين ومشاريع غرب أفريقيا، في سعيها لتعزيز القوة التفاوضية وتدويل عملتها، مع استعراض الفرص المتاحة لموريتانيا لمواكبة هذه التحولات.

(1)
الصين و المعضلة الجيولوجية والتبعية الهيكلية

تواجه الصين مفارقة جيولوجية واقتصادية كبرى، فبالرغم من ضخامة احتياطياتها من خام الحديد البالغة حوالي 17 مليار طن، إلا أن حوالي 95% منها تصنف كخامات فقيرة منخفضة التركيز بمتوسط جودة لا يتجاوز 34%، وهو الواقع الذي جعل الإنتاج المحلي يفتقر تماماً للتنافسية نتيجة ارتفاع تكلفة الاستخراج والمعالجة التي تتراوح بين 60 و85 دولاراً للطن، مقابل حوالي 20 دولاراً فقط في المناجم الأسترالية، وقد أدت هذه الفجوة في التكلفة والجودة وغيرها من العوامل كعمق المناجم وتشتتها إلى عجز الإنتاج المحلي عن تغطية أكثر من 20% من حجم الطلب المتزايد، مما أجبر بكين على استيراد 80% من احتياجاتها من الخارج، حيث تبرز هيمنة شركات التعدين الأربع الكبرى في أستراليا والبرازيل التي تمتلك خامات عالية النقاء تضمن تكاليف صهر منخفضة ومعدلات استخلاص مرتفعة. و أرقام عام 2024 تكشف هذه التبعية الهيكلية، إذ بلغت واردات الصين من خامات الحديد نحو 1.237 مليار طن، استحوذت أستراليا وحدها على 60% منها تليها البرازيل بنسبة 21%، مما يعني تركز إمدادات هذه المادة الحيوية في دولتين فقط، وهو ما خلق مفارقة اقتصادية حادة، فبينما تلتهم المصانع الصينية 70% من تجارة الحديد العالمية لتغذية أضخم قطاع صناعي في تاريخ البشرية، تفتقر بكين إلى امتلاك سلطة التأثير المباشر في آليات التسعير ، مما وضعها أمام تحد جوهري، لم يعد فيه المركز الأول كأكبر مشترٍ مجرد رقم إحصائي، بل تحول إلى منصة تخوض من خلالها منذ سنوات معركة شرسة لانتزاع السيادة على آليات التسعير، سعياً لضمان أن قرار توفر هذه المادة الخام، وتكلفتها لا يمكن أن يبقى بيد الآخرين، وذلك تأميناً لمستقبلها الصناعي والعسكري على حد سواء.

(2)
نظام السعر المرجعي و جذور الهيمنة

مرت آلية تسعير خام الحديد عالمياً بأربع مراحل أساسية، تطورت تدريجياً من التسعير الفوري منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى الخمسينيات، وصولاً إلى العقود طويلة الأجل خلال مرحلة الستينيات والثمانينيات، حيث قامت مصانع الصلب اليابانية بقيادة شركة نيبون ستيل(Nippon Steel) بتوقيع عقود توريد منخفضة السعر مع أستراليا والبرازيل لمدة تتراوح بين 15 و20 عاماً لضمان أرباح مستقرة، وهو النهج الذي اتبعته لاحقاً مصانع الصلب في دول أخرى. لينتقل السوق بعدها إلى مرحلة آلية المفاوضات السنوية التي استمرت حتى عام 2010، وخلال هذه الفترة، أحكم العمالقة الثلاثة فالي، ريو تينتو، وبي إتش بي، ولاحقا مجموعة فورتسكو قبضتهم على حوالي من 80% من السوق العالمي لخام الحديد من خلال التوسعات والاستحواذات، ليشكلوا جبهة إمداد احتكارية، وواجهات استثمارية لأخطبوط من أباطرة المال الدوليين مثل جي بي مورغان(JP Morgan)، سيتي بنك(Citibank)، وإتش إس بي سي(HSBC)، في مقابل جبهة طلب مركزة تضم اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، ثم الصين لاحقاً.
وقد استندت اتفاقيات المدى الطويل السنوية إلى أربعة مبادئ رئيسية، على رأسها مبدأ المُبادر والتابع، حيث كان يكفي أن يتفق منتج واحد مع شركة صلب واحدة ليصبح ذلك السعر هو السعر الافتتاحي، الذي يسري على كافة العقود الأخرى في العالم لذلك العام. وبحلول عام 2003، دخلت الصين الحلبة كعملاق استهلاكي وتربعت على عرش أكبر مستورد عالمي لتمثلها شركة باو ستيل (Bao Steel) في المفاوضات، إلا أنها وجدت نفسها رهينة موجة صعودية في الأسعار جارفة، فبين عامي 2003 و 2008 سجلت الأسعار قفزة تراكمية مذهلة بلغت حوالي 300% ، ورغم أن إنتاج الصلب الصيني تضاعف من 272 مليون طن إلى 512 مليون طن، إلا أن هذا النمو تحول إلى محرك أرباح للثلاثة الكبار، حيث تشير التقارير إلى تسديد الصين لفاتورة استنزاف بلغت ميئات مليارات الدولارات كمبالغ إضافية في غضون 5 سنوات فقط. ولم يكن هذا النزيف المالي مجرد مصادفة سوقية، بل كان نتيجة لسلسلة من الإذعان القسري في جولات التفاوض، ففي فبراير 2005، فرضت نيبون ستيل اليابانية، وفالي البرازيلية زيادة قياسية بنسبة 71.5% كسعر افتتاحي أُكرهت الصين وغيرها من المستودرين على قبوله، وتكرر السيناريو في فبراير 2008 بزيادة قدرها 65%، والمثير للسخرية أن الشركات الصينية كانت تجلس بصفة مراقب مجردة من أي سلطة قرار باستثناء سنة 2007 ، فيما اعتُبر حينها اختلال في التوازن التفاوضي.
أما اليابان، فرغم كونها ثاني مستورد لخامات الحديد حينها، وتعتمد على الخارج بنسبة 100%، لتأمين المادة الخام، إلا أنها كانت من أكبر المستفيدين من تلك الطفرة السعرية بفضل الارتباط الهيكلي، حيث كانت الشركات اليابانية مثل ميتسوي (Mitsui)، سوميتومو(Sumitomo)، وميتسوبيشي(Mitsubishi) تمتلك حصصاً في المناجم الكبرى، مما جعل الأموال تعود إليها في صورة أرباح للمساهمين، وهو ما وضع شركات الصلب الصينية في وضعية اقتصادية حرجة، وجعل آلية المفاوضات السنوية تبدو وكأنها كمين اقتصادي نصب للصين. ومع نضوج السوق، ظهرت عيوب هذه الآلية بوضوح، خاصة افتقارها للمرونة وعدم حساسيتها لمتغيرات السوق اللحظية.

(3)
المؤشرات الوجه الجديد للهيمنة وهندسة الاستنزاف

جاء انهيار نظام العقود السنوية في أعقاب زلزال جيوسياسي هزّ أركان الصناعة الصينية، ففي يوليو 2009، كشفت تحقيقات شرطة شنغهاي عن اختراق استخباراتي لشبكة أسرار التفاوض في كبرى شركات الصلب الصينية، مما فضح استخدام عمالقة التعدين لأساليب تجسس اقتصادي لإحكام قبضتهم على السوق. هذا الزلزال، بالإضافة إلى تداعيات الأزمة المالية لعام 2008، وفشل النظام السنوي في عكس تقلبات السوق الحقيقية، عجل من دخول مرحلة جديدة عُرفت بمرحلة التسعير القائم على المؤشرات. و يرى عمالقة التعدين أن الانتقال إلى هذا نظام هو ضرورة فرضتها طبيعة السوق الجديدة، فمع الانفجار الصناعي الصيني غير المسبوق، أصبحت العقود السنوية الجامدة عاجزة عن استيعاب التقلبات الحادة والسرعة الهائلة في تغير الطلب. و المؤشرات تقدم آلية تسعير مرنة تعكس القيمة الفورية الحقيقية للمادة الخام وتوزع مخاطر تقلب الأسعار بشكل يضمن استمرارية الاستثمارات الضخمة في تطوير المناجم.
و قد برزت في هذا المشهد ثلاثة مصادر رئيسية ( Platts TSI MBIO )، إلا أن مؤشر بلاتس بسط هيمنته كمعيار للأسواق الدولية. ورغم أن المؤشر يتخذ من أسعار الموانئ الصينية أساساً لمنهجيته (CFR)، إلا أنه واجه انتقادات حادة تتعلق بالشفافية، و نظراً لاعتماده في بناء عينات السعر على صفقات صغار المتداولين (لا تتجاوز 6 إلى 9% من حجم التجارة)، متجاهلاً في الوقت ذاته بيانات العمالقة الفعليين، حيث تقوم مؤسسة بلاتس يومياً باستطلاع آراء 30 إلى 40 مؤسسة فقط، وتختار أعلى سعر شراء وأقل سعر بيع لحساب المؤشر، مما جعله قاصراً عن تمثيل القيمة الحقيقية للعرض والطلب. ولم تكن هذه المنهجية مجرد خلل فني، بل كانت تجسيداً لما يُعرف بـهيكل الملكية المتقاطع، ذلك التحالف مالي واسع النطاق الذي نقل الصراع إلى مستوى أكثر تعقيداً. إذ كشفت خيوط اللعبة عن تحالف عضوي بين المجموعة المالكة لبلاتس وأباطرة المال الدوليين، الذين يمتلكون حصصاً مؤثرة في الشركات الثلاثة الكبرى (ريو تينتو، وبي إتش بي، وفالي)، بل امتد نفوذ هذا التحالف ليشمل البرص عبر عقود المقايضة، وبذلك أصبح المصرفيون يلعبون دور الممول للمناجم، والمتحكم في المؤشر، والوسيط في البورصة في آن واحد. أدت هذه الهندسة المالية المحكمة في نهاية المطاف إلى حالة من التآكل المستمر في هوامش الربحية، نجح من خلالها التحالف مالي في قطف ثمار إصلاحات الصناعة الصينية، فبينما حقق الموردون هوامش ربح خيالية تتجاوز 150% (ببيع الطن بأكثر من 100 دولار مقابل تكلفة إنتاج لا تتعدى 40 دولاراً)، سُحقت ربحية شركات الصلب الصينية لتصل إلى أقل من 2%.

هكذا غادرت العقود الطويلة مسرح التاريخ، مستبدلةً سطوة قديمة بأخرى حديثة لرأس المال الدولي عبر أدوات المؤشرات، التي حولت أكبر مستورد في العالم إلى ممول لأرباح الأربعة الكبار، مجهضةً بذلك مساعي قطاع صناعة الصلب الصيني الذي خاض منذ الثمانينيات معركة وجودية لانتزاع حق التسعير الدولي، في مسيرة بدأت بمرارة الألم، حيث كانت البداية مع محاولات مضنية عبر استحواذات خارجية تحولت إلى ثقب أسود للأموال بنسبة فشل عالية جداً، كما حدث في مشروعي كارارا (Karara Mining) ومشروع سينو للحديد(SINO) الذي تميز بزيادة في التكاليف تجاوزت الميزانية المرصودة بحوالي 8 مليارات دولار، ومع انسداد أفق الاستحواذات الخارجية، واستمرار نمو الطاقة الإنتاجية للصلب يوماً بعد يوم، لم يتبقَّ أمام الصين سوى خيار الجراحة الداخلية المؤلمة. فمنذ عام 2015، بدأت صناعة الصلب الصينية مسار إصلاح قاسي، حيث رُفع الستار عن خطة واسعة النطاق لتقليص الإنتاج، وإجراء عملية دمج شاملة للشركات، إذ اندمجت في 22 سبتمبر 2016، شركتا باو ستيل و ووهان للصلب (WISCO) رسمياً لتأسيس مجموعة تشاينا باوو للصلب Baowu Steel، وشمل الإصلاح تسريح 600 ألف عامل في سنتين فقط، وتقليص الإنتاج. لكن حتى هذه التضحيات الجسيمة تعرضت لنكسة في عام 2018، حين استغل التحالف الهيكلي سيطرته على مؤشر بلاتس لرفع الأسعار وامتصاص ثمار الإصلاحات الصينية بشكل منهجي.

أمام هذا الواقع، أدركت بكين مأخراً أن ضخامة الاستهلاك لا تعني بالضرورة امتلاك النفوذ، مستحضرة المفارقة اليابانية التي أثبتت أن الاستثمار الاستراتيجي في أصول المناجم وتملك حصص فيها أهم بكثير من حجم الطلب والشركات، وهو الدرس الذي بدأت الصين بتطبيقه فعلياً اليوم لكسر طوق التبعية. فالمشكلة الجوهرية لم تعد تقتصر على تقلبات الأسعار، بل في مواجهة نظام الملكية المتقاطعة، حيث ترتبط الجهات التي تحدد السعر (المؤشرات) بتلك التي تبيع (المناجم) والتي تمول (البنوك) في تحالف هيكلي محكم. ولأن كسر هذه القيود يتطلب قلباً للطاولة وتغييراً لقواعد اللعبة النقدية، أطلقت الصين خطة حجر الزاوية كاستراتيجية شاملة لإعادة تشكيل السوق العالمي للخامات الحديد ، في محاولة حاسمة لانتزاع حق التسعير؛ فهل ستنجح الصين هذه المرة في خلق سعر مرجعي جديد بعيداً عن سطوة بلاتس؟ هذا ما سنتناول تفاصيله في المقال القادم.

د.يربان الحسين الخراشي

يتواصل... إن شاء الله