سوق المواشي بين إرث “الجَلْبة” وفرصة الإقلاع الجديدة
التوجّه الجزائري المستجد، مع عودة الاهتمام الإيفواري بسوق المواشي الموريتاني، إضافةً إلى استمرار الطلب الموسمي من السنغال، يمثّل فرصة حقيقية لإنعاش سوق عتيقة بإمكانات لم تُستغل بعد بما يكفي.
لمن لا يعلم:
تُعدّ تجارة المواشي أول سلعة استراتيجية ذات قيمة تصديرية عُرفت بها بلادنا في العصر الحديث، مع مطلع القرن العشرين. فقد أسست إدارة الاستعمار هذه التجارة، وأقامت مراكز تجميع على أرض الحوض الشرقي، أشهرها مركز عدل بكرو.
وشهدت الحقبة التي تُسمّى محليًا بـ«الجَلْبة» حركية تجارية ذات أبعاد تنموية مباشرة في حياة السكان؛ إذ نشأت أول طبقة من رجال الأعمال بمقاييس قريبة من العصر في بلادنا بفضل “الجَلْبة”، واغتنى منها رجال وعائلات. كما شكّلت أرض الولاية فرصة جاذبة للطموحين من مختلف أنحاء البلاد، ما جعلها إلى اليوم مستقرًا لمنحدرين من مناطق متعددة، بسبب جاذبية تلك التجارة.
وكانت مادتها الأساسية الضأن الموريتاني الصحراوي، المنحدر من سلالة الضأن الأمازيغي عالي الجودة. وقد حفّزت هذه التجارة ظهور سلالات هجينة تلبيةً لذوق السوق في غرب إفريقيا الفرنسية، خصوصًا في ساحل العاج والسنغال. وبالفعل نشأ قطاع حيوي أسهم، إضافة إلى رفع القيمة السوقية للمواشي وتعزيز الحركية الاقتصادية، في إدخال مظاهر من الحداثة؛ إذ تعرّف المغامرون المحليون من خلاله على مبتكرات العالم الحديث، واستقدموا بعض مظاهرها.
ويُذكر أن البقر كان السلعة الأولى، يليه الضأن في حقبة “الجَلْبة”.
بدأت “الجَلْبة” كقطاع يتراجع مع مرحلة استقلال دول المنطقة، حيث لم تركّز الدولة الوطنية على استمرارية النشاط، مقابل التوجه نحو فرص سريعة الربحية وذات طابع ريعي وأقل حاجة إلى إدارة مكلفة، مثل حديد الشمال. فبقي النشاط أهليًا دون تأطير إداري، إلى أن اختفى تدريجيًا في السبعينيات ومطلع الثمانينيات.
إن ولاية الحوض الشرقي، على وجه الخصوص، تمتلك تراثًا عريقًا في هذا الميدان؛ تراثًا رعويًا يمتد إلى ستة آلاف سنة من ممارسة الرعي كأهم مورد اقتصادي وأقدم نشاط عرفته منطقة الساحل الصحراوي الإفريقي، إلى جانب تقاليد المبادلة التجارية الندية مع البلدان المجاورة.
ومن هنا، فإن عودة هذا النشاط تمثّل سانحة حقيقية لهيكلة قطاع استراتيجي يتميّز بأن مردوده مباشر على السكان، وأن أهل القطاع هم المستفيد المباشر والشريك الحقيقي في العملية، بخلاف أنشطة تتطلب وسطاء دوليين.
ومن المستغرب أن تكون ولاية الحوض الشرقي، التي تضم أكثر من نصف الثروة الحيوانية في البلد، خالية من:
• معهد أو مؤسسة تعليم عالٍ متخصصة في البيطرة؛
• مستشفى بيطري؛
• أطقم طبية وإدارية مؤهلة في إدارة المواشي؛
• مصانع لتعليب وتجهيز اللحوم الحمراء للتصدير.
إن استثمار اللحظة الراهنة يقتضي رؤية مؤسساتية تعيد لهذا القطاع مكانته التاريخية، وتحوّل الإمكانات الكامنة إلى قيمة مضافة مستدامة.
الكاتب شيخنا باب اتريميز




