الأربعاء
2024/07/24
آخر تحديث
الأربعاء 24 يوليو 2024

انتخابات تركيا: جولة الإعادة.. 4 سياسات تركية قد لا تتغيَّر أيًّا كان الفائز بالانتخابات

25 مايو 2023 الساعة 09 و07 دقيقة
انتخابات تركيا: جولة الإعادة.. 4 سياسات تركية قد لا (…)
طباعة

يقف الأتراك في مفترق طرق لرسم مستقبل بلادهم، عبر التصويت في جولة الإعادة لأهم انتخابات في تاريخ تركيا الحديث، بعدما حُصرت الخيارات بين رجلين يحمل كلٌّ منهما رؤية مُغايرة، هما الرئيس رجب طيب أردوغان ومنافسه كمال كليجدار أوغلو. وبين هذا وذاك تقف تركيا في خضم مشكلات عدة بسبب الزلزال المُدمر في جنوبها الشرقي، والوضع الاقتصادي المأزوم إثر تراجع قيمة العملة المحلية وتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، فضلا عن الأجواء الجيوسياسية الغائمة بسبب التنافس المحموم بين الولايات المتحدة والصين، وصعود اليمين المتطرف في أوروبا، وغيرها من تحوُّلات سياسية طرأت على الشرق الأوسط خلال العقد الأخير.

من جهته، يسعى كمال كليجدار أوغلو لاقتناص مقعد الرئاسة، متعهِّدا بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم دون ضمانات تُذكر لأمنهم هناك، وإعادة النظام البرلماني مرة أخرى وإلغاء النظام الرئاسي الذي دشَّنه أردوغان عام 2018 بعد استفتاء شعبي، كما يميل كليجدار أوغلو إلى تعزيز التحالف مع الغرب. ولكن حتى في حال تحقق السيناريو غير المرجّح، بحسب نتائج الجولة الأولى وتوقّعات المحلّلين، وفاز كليجدار أوغلو، فإن هناك ملفات لن تتغيَّر جذريا في عالم السياسة التركية لارتباطها الوثيق بوضع مؤسسي راسخ منذ عقدين أو أكثر، وليس بشخص رئيس البلاد أيًّا كان، حيث ستظل تركيا مستمرة في ممارسة دورها الإقليمي، من غير المرجح أن تعود البلاد إلى العلمانية المناهضة للدين التي كانت سائدة قبل عصر أردوغان، كما سيستمر مشروع الصناعات الدفاعية في تصدر واجهة التجربة التركية لفترة طويلة.

السياسة الخارجية
بصفتها جسرا بين القارتين الأوروبية والآسيوية، لطالما وجدت أنقرة نفسها في موقع المؤثر في مناطق عديدة من القوقاز وآسيا الوسطى إلى البلقان والعالم العربي. وانطلاقا من موقعها وتاريخها، سعى أردوغان عقب توليه السلطة عام 2003 في نسج طموحات واسعة لبلاده، فأقام علاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع الغرب، وتصالح مع أرمينيا بعد عداء تاريخي، وأحدث نوعا من التهدئة الحذرة مع اليونان، ووثَّق علاقاته مع أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة، ورسخ العلاقات مع عدد من الدول العربية، ثم عمَّق شراكة بلاده مع حلف شمال الأطلسي وكذلك مع الاتحاد الأوروبي. وسرعان ما توسَّعت طموحاته إلى ما هو أبعد، فتوطَّدت علاقته بإيران وروسيا والصين، رغم ما يجمع تركيا مع الثلاثي من ملفات متوترة.

في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ عام 2017، أي بعد فشل محاولة الانقلاب على أردوغان، تبدَّلت سياسة الانفتاح وتصفير المشكلات، واتخذت تركيا مسارا أكثر تدخّلا إثر اصطدام طموحاتها بمُعطيات جديدة في مناطق عدة. على إثر ذلك تدخلت تركيا عسكريا في سوريا وليبيا كما عززت حضورها في البحر المتوسط، ومالت في سياستها بشكل أكثر من ذي قبل نحو روسيا في ظل توتر علاقاتها مع الغرب، وهو توتر وصل ذروته مع دعوة جو بايدن، الرئيس الأميركي، إلى دعم المعارضة في مواجهة أردوغان في لحظة يعدها كثيرون أدنى نقطة في العلاقات التركية-الأميركية.

لا يُرجَّح أن تتنازل تركيا عن تواجدها العسكري في سوريا وليبيا، أو عن القاعدة العسكرية التي أسستها في الصومال عام 2017 لتعزيز أجندتها العسكرية والاقتصادية في أفريقيا. (رويترز)
رغم ما يبدو من ارتباط تلك السياسات بأردوغان، لا توجد مؤشرات أو بوادر تشي بأن انقلابا قد يحدث في السياسة الخارجية التركية حال وصل كليجدار أوغلو إلى الحُكم باستثناء رغبته في إصلاح العلاقات الغربية التي بدأها أردوغان بالفعل منذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا. ويؤكد هذا الأمر "محمد كارلي"، مستشار كليجدار أوغلو نفسه، الذي صرَّح في حوار مع شبكة "سي إن إن" الأميركية قائلا: "تركيا لديها مصالحها الوطنية الخاصة التي يحرص كليجدار أوغلو والمعارضة أيضا على الحفاظ عليها".

وتبرز هُنا دعوة المعارضة التركية لاستئناف العلاقات مع نظام الأسد في سوريا، التي تبدو لأول وهلة وكأنها خروج عن السياسة التركية الحالية، بيد أن تركيا كانت قد بدأت بالفعل في فتح باب الحوار مع النظام السوري بوساطة روسية منذ فترة. علاوة على ذلك، لا يُرجَّح أن تتنازل تركيا تواجدها العسكري في سوريا وليبيا، أو عن القاعدة العسكرية التي أسستها في الصومال عام 2017 لتعزيز أجندتها العسكرية والاقتصادية في أفريقيا، وهو ما ينطبق أيضا على القواعد التركية في شمال كردستان العراق. وحتى العلاقات مع روسيا والصين لا يبدو أنها ستتأثر كثيرا أيًّا كان الفائز، إذ لم تُصرِّح المعارضة بأنها ستتخلى عن التحالفات متعددة الأطراف التي بنتها تركيا مؤخرا، لا سيما وقد حازت موقع الوسيط الموثوق به من أطراف عدة في الحرب الأوكرانية الجارية مثلا وما يتصل بأزمة الحبوب ودور تركيا في حلها، خاصة أن كل ما سبق يُمثِّل مكسبا على المستوى الجيوسياسي لصالح دور تركيا الإقليمي والدولي.

علمانية الدولة

في العام نفسه الذي شهد صعود حزب أردوغان إلى السلطة، تسلَّق كمال كليجدار سُلم صعوده السياسي في البرلمان بانتخابه نائبا عن حزب الشعب الجمهوري وقيادته للكُتلة البرلمانية للحزب، وسرعان ما بزغ نجمه حينها حتى وصل إلى رئاسة الحزب عام 2010. وقد دأب حزب الشعب في تلك الفترة على اتهام أردوغان وحزبه بالسعي لتقويض الأسس التي تأسست عليها الجمهورية التركية، وأهمها علمانية الدولة التي اعتنقها الحزب في صورتها المتطرفة، لا سيما في التسعينيات ومطلع الألفية في خضم استقطاب واضح بين المحافظين والعلمانيين. ولكن بعد هيمنة العدالة والتنمية طيلة تلك السنوات، وتصالح معظم مؤسسات الدولة مع الاتجاه المحافظ، تحوَّلت تركيا تدريجيا إلى "العلمانية المُعتدلة" كما يسميها كثيرون، وتواءم حزب الشعب الجمهوري مع هذا التحوُّل، وإن ظل مُشككا في التزام أردوغان بالنظام العلماني.

بالتزامن مع التحوُّل من العلمانية المتطرفة إلى العلمانية المعتدلة، فُتِحَت مساحات للاتجاهات الدينية المقموعة سابقا، وفي المقابل خفَّف أردوغان نفسه نبرة خطابه الإسلامي الذي عُرِف به في التسعينيات. وقد حرص أردوغان على عدم استعداء النخبة العلمانية، وعلى رأسها الجيش والقضاء، فلم يتعرض في البداية لأنماط الحياة الليبرالية مثل المثلية الجنسية، بل سعى إلى إنهاء التمييز ضد المتدينين، لا سيما النساء المحجبات وحقهن في الالتحاق بالجامعات. ومنذ ذلك الوقت، ورغم اتهامات المعارضة لأردوغان بـ"أسلمة المجتمع"، بقيت الدولة دستوريا ومؤسسيا علمانية، ولم تظهر أي نِيَّات لدى حزب العدالة والتنمية لتغيير هذا الوضع بشكل جذري.

لذا، وفي حال خسر الرئيس التركي الانتخابات، لا يُرجَّح أن تتغيَّر تلك المعادلة القائمة على الحفاظ على علمانية الدولة دون التعرُّض للمتدينين والمحافظين. ورغم ما يعتقده البعض من رغبة كليجدار أوغلو في تقييد المساحات الدينية التي انفتحت في السنوات الماضية، فإن الرجل سيجد صعوبة كبيرة في فعل ذلك ربما تؤثر على شعبيته، خاصة أن الحزب صار منفتحا منذ سنوات على إشراك المحافظين في نشاطاته، فضلا عن تحالفه مع أحزاب محسوبة على التوجه المحافظ أو الإسلامي في الانتخابات الأخيرة، بل ودخول بعض هذه الأحزاب إلى البرلمان على قوائمه ما يُعد سابقة في السياسة التركية.

الصناعات العسكرية
يُنسب الفضل لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تطوير مشروع الصناعات العسكرية التركية، حيث شهدت البلاد نهضة غير مسبوقة في مجال الصناعات الدفاعية، وارتفع الإنتاج العسكري التركي حتى وصل إلى 4.4 مليارات دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن يقفز الرقم إلى ستة مليارات دولار عام 2023، لتحتل تركيا بذلك المرتبة 14 عالميا في قائمة أكبر الدول المصدرة للأسلحة.

تشمل قائمة إنجازات الصناعات الدفاعية التركية العديد من المجالات من إنتاج الأسلحة النارية والمركبات المُدرَّعة وصولا إلى الطائرات المُسيَّرة والصواريخ وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية. وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوير برامج لإنتاج أول طائرة نفاثة محلية، والإعلان عن إضافة مُحرِّك وطني للمقاتلة الحربية الوطنية "غوك باي"، ونجاح تجارب تحليق المُسيَّرة الأضخم "قِزِل إلما"، وتسليم الجيل الثاني من الدبابة التركية "ألتاي"، وتسليم السفينة الحربية المحلية "أناضولو" (TCG) للجيش التركي.

قدَّم أردوغان سردية أساسية لحملته الانتخابية متعلقة بالإنجازات التي حققتها تركيا في ذلك المجال، الذي بدأته أساسا ردا على القيود الخارجية الأميركية والغربية التي استهدفت منع وصول تكنولوجيا التصنيع لها، وانتهت بمنافسة الكبار في صناعة المسيرات التي قلبت موازين الصراع في ليبيا وسوريا وأذربيجان، وكان طبيعيا أن التفوق الذي أحدثته تلك الأسلحة في المعارك على الأرض انعكس إيجابيا على سياسة تركيا الخارجية، ومنح أنقرة نفوذا أكبر.

بطبيعة الحال، أعلن كليجدار أوغلو دعمه لاستمرار طفرة الصناعات العسكرية حال فوزه بالانتخابات، لكنه لا يُخفي اعتراضه على النهج المؤسسي الذي تسير به تلك الصناعة، لا سيما اتجاه تركيا لبيع حصص من بعض شركاتها الدفاعية لدول أجنبية، مثل مصنع المدرعات الذي اشترت قطر حصة فيه، وهو ما اعتبرته السلطات التركية مجرد محاولة للانتقاص من الإنجازات التي حققتها في هذا المجال.

تمتلك تركيا رؤية إستراتيجية خاصة بها حول أهداف الصناعات الدفاعية التركية ما بعد الانتخابات الحالية، تشمل مواصلة الاختبارات لإنتاج صاروخ باليستي قصير المدى "طيفون"، وتطوير نظام صواريخ الدفاع الجوي المحمول محلي الصنع من طراز "سنقر" (Sungur)، ومواصلة مشاريع المركبات البحرية المسيرة، وإكمال تصنيع غواصتين جديدتين بعد وضع أول سفينة استخبارات تركية من طراز "أُفُق" (TCG Ufuk) في خدمة القوات البحرية العام الماضي 2022. ولذا، لا يُتوقَّع أن تتغيَّر الطفرة القائمة في الصناعات الدفاعية في العموم، ولا أن يتأثر حضور تركيا في سوق السلاح الآخذ في التزايد طيلة الأعوام الماضية مهما كانت هوية الرئيس القادم.

السوق الحُر
مَثَّل الاقتصاد أكبر عثرات مسيرة أردوغان السياسية بعد أن كان أكبر إنجازاته حتى عام 2016، حيث انخفضت معدلات الفقر إلى النصف آنذاك وتضاعف الناتج المحلي أربع مرات حتى بلغ 820 مليار دولار. بيد أن الأجيال الشابة التي لم تعرف قائدا غير أردوغان وأصبح لها اليوم الحق في التصويت؛ باتت تعاني معدلات تضخم بلغت 85% في نهاية العام الماضي، وهو أعلى مستوى لها في عقدين، كما شهدت هبوط الليرة التركية إلى 19 ليرة مقابل الدولار، بعد أن كانت نحو 3 ليرات فقط مقابل الدولار قبل ثماني سنوات. وزاد الطين بلَّة أيضا الزلزال المُدمر في الجنوب في فبراير/شباط الماضي، والذي أسفر عن مقتل الآلاف، وترك الملايين من الناس بلا مأوى، وتسبب في أضرار مادية مباشرة قُدِّرَت بنحو 34.2 مليار دولار، أي ما يعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وفقا لتقديرات للبنك الدولي.

يثير الملف الاقتصادي تحديدا الكثير من التجاذبات بين الرئيس أردوغان ومعارضيه، ففي حين يعتقد الرئيس أنه يمكن خفض نسبة التضخم ومنع العملة من الانهيار عن طريق خفض الفائدة وتسهيل عملية الاقتراض وتداول المزيد من الأموال، يرى الكثير من الاقتصاديين أنه يمكن التحكم في التضخم فقط عن طريق رفع أسعار الفائدة، وجعل الاقتراض أكثر كلفة، وتقليل كمية الأموال المتداولة في السوق، وتشجيع الناس على وضعها في البنوك، وهي إستراتيجية تلجأ لها معظم البنوك المركزية.

في هذا السياق، يعِد كليجدار أوغلو، المحاسب السابق، بالعودة إلى السياسات الاقتصادية الكلاسيكية الداعمة للسوق الحر، التي قامت عليها تجربة أردوغان وحزبه ذات يوم، مع تعديل السياسات المالية التي أصرَّ عليها أردوغان مؤخرا. وللمفارقة، يبدو أن الحزب الحاكم في خضم تجاوبه مع الشارع، قد عاد إلى نهجه القديم في التعامل مع الاقتصاد، وهو ما تشير إليه مسودة مشروع البيان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية. يعني ذلك أن إدارة الاقتصاد لن تتغيَّر بشكل جذري، وأن الجميع يسعى إلى استلهام تجربة الحزب الحاكم نفسه قبل عام 2016.

من الواضح إذن أنه على الرغم من الاختلافات الواضحة بين أردوغان وكليجدار أوغلو، فإن الأسس الكبرى للسياسة التركية من غير المرجح أن تتأثر بنتائج الانتخابات، حيث يظل ملف إصلاح الاقتصاد والتعافي من آثار الزلزال الأولوية الأكبر لتركيا في السنوات القادمة، وفي غضون ذلك، سوف تتشبث أنقرة بمشروعها الطموح الصناعات الدفاعية وتواصل جهودها السياسية لتصفير المشاكل من جيرانها مع الحفاظ على قدرتها على التدخل لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية. وعلى المستوى الأيديولوجي، سوف تظل تركيا دولة علمانية، لكنها من غير المرجح أن تعود إلى تلك النسخة من العلمانية المناهضة تماما للدين التي كانت سائدة قبل صعود أردوغان وحزبه قبل عقدين من الزمان.


المصادر

Conservatives in Europe want piece of Georgia Meloni’s ense
Turkey’s Political Change and Foreign Policy
العمق الاستراتيجي- أحمد داوود أوغلو
Foreign Policy of Turkey’s Zero Problems
Turkey’s Growing Foreign Policy Ambitions
Turkey slams Biden’s previous U.S. call to support Erdogan’s rivals
Erdogan wants Erdogan’s ‘polar reverse’ to replace him as Turkey’s president
Turkish Elections: Everything You Need to Know About Opposition’s Foreign Policy – The Turflege
A change in Turkish leadership might not spell the end of ties with Russia
How Turkey Defied the U.S. and Became a Killer Drone Power
Erdogan’s party focuses on Orthodox economic policies in draft statement – Sources – Sources – Erdogan
Turkey’s inflation hits 24-year high of 85.5% after rate cuts
Earthquake Damage in Türkiye Estimated to Exceed $34 billion: World Bank Disaster Assessment Report
Turkish lira fell to record low near 19 against dollar
Turkey Balance of Trade
المصدر : الجزيرة