الخميس
2024/07/25
آخر تحديث
الأربعاء 24 يوليو 2024

لماذا يترشح غزواني لمأمورية ثانية؟: موريتانيا أمام رهان مصيري لا يمكن أن يترك لتلبية الطموح الفرداني(الحلقة الثانية)

8 مايو 2024 الساعة 17 و26 دقيقة
لماذا يترشح غزواني لمأمورية ثانية؟: موريتانيا أمام رهان (…)
طباعة

تواجه موريتانيا خطرين ماحقين :خطر الثروة والخطر الأمني المرتبط بالمنطقة إنهما يخلقان وضعية استثنائية للبلد تتطلب إدارة بحس أمني وبعقل متمهل ديبلوماسي .
يتعلق الأول بتفتق المخزون الطاقوي الهائل الذي تتكالب عليه البلدان الأوروبية في إطار البحث عن بديل استراتيجي عن روسيا. وقد كانت تجربة الشعب الموريتاني مريرة مع الاكتشافات المعدنية حيث تنتهي دائما بالفشل إذ تنحصر الفوائد على عقود تفضيلية لنافذين في السلطة، فتصبح تكاليف الانتاج باهظة، وينعكس ذلك على حصة الدولة لتصبح ضعيفة بسبب تغول تكلفة الاستخراج التي تتضمن الفساد والرشاوى، وبالتالي التهاون في تنفيذ القوانين و متابعة دفتر الالتزامات ، لكن المخزون الجديد المكتشف في موريتانيا، سواء تعلق بالغاز أو بالهدروجين الأخضر، هائل جدا ويفتح آفاقا كبيرة للغنى الفاحش للبلد الذي يسيل لعاب ويهيج المصالح المتشابكة والأطماع الدولية، وهكذا يتطلب شخصية وطنية مستقيمة وصارمة بالنسبة لمصلحة البلد، وبعيدة عن التربح على حسابه البلد ، وقادرة على تسير التوازنات وإدارة الأزمات بطريقة مدنية وديبلوماسية .
أما المسألة الثانية، فهي تلك المتعلقة بالأمن. حيث تقع موريتانيا في منطقة ملتهبة ضمن سياقات أمنية متوترة ومفتوحة على تدخل قوى دولية، الأمر الذي يتطلب إدارة تملك خلفية وشرعية عسكرية وأمنية، ومعرفة عميقة بالملفات الأمنية، وبالتالي قادرة على تسيير أطماع القوى الدولية ومتناغمة مع الأنظمة خاصة أن أهم الدول المتاخمة تدار بخلفيات ومقاربات عسكرية وأمنية.
وهكذا بالنسبة للأولى، فقد أظهر غزواني خلال السنوات الخمسة أنه بعيد عن الاعتبارات التي تتعلق بالبحث عن الثراء أو الأثرة "الاهتمام بالنفس وحب الذات وطلب منفعته أو سعادة أو رفاهية شخصية على حساب البلد ، فقد تغير اعتبار الدولة في أوساط الشركاء من هذه الجهة منذ مجيئه ،كما أنه حقق نجاحات فيما يتعلق بتسيير التوترات التي حصلت مع شركات تازيازت وأم سى أم وأخيرا شركة الغاز ، فبالنسبة لتزايازت فقد فتحت شكوى ضد موريتانيا حول رخصة التماي َ التي انتزعها منها محمد ولد عبد العزيز بينما أعادها لها غزواني، وقد استرجعها بعد ذلك من خلال القانون وحملهم على دفتر الالتزامات وجنب موريتانيا محاكمة أخف أضرارها التأثير على سمعة موريتانيا كوجهة استثمارية غير محترمة. نفس النهج تم اتباعه مع شركة MCMأمْ سى أمْ الكندية فيما يتعلق بعدم سداد الضرائب ،ثم أنه هو من أثار قضية شركة الغاز واستدعى الرئيس السينغالي السابق ماكي صال وتبنيا وجهة نظر متطابقة وأخذا موقفا موحدا حيال الزيادة الكبيرة لتكاليف الانتاج التي بلغت 88% مع التأخير سنتين، وأطلقا مسلسل مراجعةًسقف التكلفة المعلن من جهة واحدة من طرف BP ، ومن أجل زيادة الضغط عليها منع عنها تجديد عقد تعميق الدراسة فيما يتعلق بحقل بير الله. لقد حافظ على مصالح موريتانيا في ضوء مهابة الدولة : كل الأمور تُحل لمصلحة موريتانيا بصمت وهدوء وديبلوماسية ، وهكذا ظل قادرا على اتخاذ أي قرار يخدم البلاد من موقع قوة . وهنا تزداد حاجة البلد في هذا الظرف بالذات لمثل هذه الإرادة لتيسير مرحلة بناء العقود والاستخراج ووضع مصالحه في أمان .
إن مخزون موريتانيا المعدني يجعلها من أغنى وأهم دول غرب إفريقيا ومكانا للتنافس الغربي العالمي، وهكذا مرة أخرى تزداد حاجتها للحصافة والتجربة والتوازن .
أما بالنسبة للوضع الأمني، "فإن حملة مكافحة الإرهاب والتحول الديمقراطي في موريتانيا من بين قصص النجاح القليلة في منطقة الساحل على الرغم من تاريخها الحافل بالانقلابات كما أن قانون مكافحة الإرهاب الصادر منتصف 2010، سمح لوحدات متنقلة مدربة على القتال تسمى “مجموعات التدخل الخاصة” بمهاجمة الجماعات المسلحة، ما أدى إلى إضعاف تلك الجماعات " وهكذا تعتبر موريتانيا في الاوساط الدولية دولة مستقرة بسبب نجاعة ونجاح مقاربتها الأمنية التي يعتبر غزواني هو مهندسها ومنفذها على أرض الواقع ، وهو بذلك يملك شرعية أمنية وعسكرية كبيرة بوصفه مديرا سابقا ورئيسا للجيوش ووزيرا للدفاع لم تسجل عليه أخطاء مرتبطة بإخلاصه لبلده وفي خدمته. هذا بالنسبة للكفاءة والشرعية، أما بالنسبة للواقع فإن المنطقة تعيش تعقيدات كبيرة جديدة بحاجة للاستمرار في تنفيذ وتطوير نفس المقاربة الناجحة ، وهي فشل قوة الساحل وطرد فرنسا من ثلاث دول اساسية في المنطقة، ودخول فاغنر إلى مالي، وطموح مالي الكبير للتسلح، وشعورها بالقوة أو التفوق العسكري .
ففي مقال تحليلي لمجلة “فورين بوليسي”22سبتمبر 2023 لخصت الوضع الجيوبولوتيكي لموريتانيا بالقول ، "إن كثيرا من الدول والكيانات الإقليمية أصبحت مهتمة كثيرا بموريتانيا كونها من بين الدول القليلة في منطقة الساحل الأفريقي التي تتمتع بقدر من الاستقرار".
فخلال السنتين الاخيرتين عرفت موريتانيا تحركات نبهت على “المنافسة الجيوستراتيجية” في موريتانيا، "التي تدور بالأساس حول احتياطيات البلاد من الغاز الطبيعي وإمكانات الطاقة الخضراء التي توفرها تضاريسها الصحراوية الشاسعة، فضلا عن موقعها الاستراتيجي على ساحل المحيط الأطلسي حيث تسعى الصين وروسيا مع قوى إقليمية أخرى، للتقرب من نواكشوط، عقب سلسلة الانقلابات التي تسببت بسيطرة العسكريين في كل من مالي وبوركينافاسو والنيجر، على السلطة بالقوة"
وذلك ابتداء من زيارة لافروف لموريتانيا وتقرب الصين لموريتانيا بلقاء غزواني لرئيس الصين مرتين وزيارة وزيرة التنمية الألمانية سفينيا شولز موريتانيا ، واللقاءات المتكررة لغزواني بالرئيس الفرنسي وزيارات غزواني المتكررة لاسبانيا وزيارة رئيس الوزراء الاسباني لموريتانيا وزيارة رئيسة الاتحاد الأوروبي المتكررة لموريتانيا وهو ما يعكس مبادرات موازية من قبل قوى عظمى وقوى إقليمية أخرى في الشرق الأوسط، حيث تمتد هذه الجهود من مبادرات مكافحة الإرهاب إلى تطوير الهيدروجين الأخضر وهكذا بدأت تركيا تروج سلاحها داخل المنطقة، وهي نصف حليفة لروسيا. كما أن روسيا وضعت حربتها على الحدود الموريتانية كما لو أنها تقول أنها لن تقبل بالتحول النهائي لأوروبا عنها نحو موريتانيا كبديل عنها لتصدير الطاقة لأوروبا. إن من أسباب دمج سوريا داخل فوضى "الحريق العربي" هو أنها مانعت من مد أنابيب الغاز القطري عن طريقها نحو أوروبا، وذلك لأن أوروبا هي سوق روسيا الأقل تكلفة والأقرب، ثانيا أن روسيا أنفقت استثمارات هائلة في البنية التحتية للتصدير نحو أوروبا وهكذا تكون موريتانيا عدوا اقتصاديا محتملا لروسيا وهي تملك قوتها الفتاكة على حدودها: مليشيات فاغنر الروسية، وغني عن التذكير أن سبب تصفية زعيم فاغنر أنها حاولت دخول موسكو عنوة . وهكذا تكون موريتانيا التي بحاجة للدفاع عن نفسها مسرحا للصراع العسكري لأجل منع عرقلة استغلال الطاقة.
والحقيقة أن موريتانيا أمام رهان مصيري لا يمكن أن يترك لتلبية الطموح الفرداني، بل يتطلب مواصفات محددة إذ تجتاز مطبات كبيرة وخطيرة يعبر عنها في لغة الطيران بربط الأحزمة، وتتطلب قبطانا ماهرا بالمواصفات الحالية :البعد عن المال العام، والنزاهة الفكرية، والشرعية الأمنية والعسكرية وهكذا ، يمكننا أن نحب ثراء المنافسة وظهور قوى شبابية حية واندفاعية من أجل البلد ونحب تعدد التوجهات السياسية بشكل أو بآخر، لكن يجب أن نكون قادرين على الشعور بالرضا الجماعي عن النتيجة المرتبطة بالرهانات والمآلات وهي بالضرورة الالتزام بتلك المواصفات في مواجهة الوضع المغمور للبلد وهنا يجب التأكيد أنه لا يوجد غير غزواني من يحمل تلك المواصفات في هذا الظرف امن لايريد المغامرة بالبلد !..

يتواصل

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار

لقراءة الحلقة الأولى