الأربعاء
2024/06/12
آخر تحديث
الأربعاء 12 يونيو 2024

معضلة الحدود في منطقة الساحل

6 مايو 2024 الساعة 08 و38 دقيقة
معضلة الحدود في منطقة الساحل
طباعة

إلى النخب الأفريقية،
معضلة الحدود في منطقة الساحل
مالي وموريتانيا نموذجا
كلنا نعلم أن منطقة الحدود "الموريتانية - المالية" منطقة صعبة تتأرجح تاريخيا بين "السّيبة" و "السّلم". ونعلم أن الحدود بين الدولتين الشقيقتين موجودة على الورق فقط، لا توجد في أذهان الناس، ولا في عقولهم ولا في أبصارهم وبصائرهم. ولذلك، واصل السكان حياتهم كما كانت قبل الاستعمار، وقبل الدولة، وقبل الحدود. ظلت الطرق التقليدية لممارسة الأنشطة السياسية والاقتصادية في هذه المساحات على ما كانت عليه في عهد "اللادولة" و"اللاحدود": طرق المرور والأسواق والمراعي ومواسم الانتفاع والانتجاع، إلخ..
أعني بهذا أن "الفصل" بين الساكنة من الجهتين أمر بالغ الصعوبة لأن السكان لا يتصورون الحدود جدران "فصل" بل نقاط تواصل وتعايش والتقاء.. ولهذا السبب، أعتقد أن الرهان على "احتواء" حركة المرور ومنع المواطنين من العبور إلى هذا البلد أو ذاك رهان خاسر. أعتقد أنه من الأفضل ابتكار مقاربة جديدة لإدارة وتسيير مناطق الحدود على أساس من الشراكة والتعاضد والتعاون. على المدى القريب، أفكر مثلا في تسيير دوريات عسكرية مشتركة بالتنظيم والسلاح والعتاد المناسب (جمالة، ودراجات، وطائرات الاستطلاع، ومسيّرات، وغير ذلك حسب الضرورة) وتنسيق دبلوماسي وأمني وثيق على أعلى المستويات. وأفكر في خلق مجالس شعبية مشتركة تُعنى بشؤون الأمن والصحة والأسواق وتسيير المراعي والمياه والغطاء النباتي برعاية الادارتين. وأفكر في فتح محطات إذاعية محلية مشتركة لتوجيه المواطنين وتزويدهم بما يحتاجونه من أخبار ومعلومات وبرامج تثقيفية وترفيهية مختارة.
أما على المدى المتوسط والبعيد، فلا مناص من إجراء تغييرات هيكلية وإصلاحات دستورية ومؤسسية في المنطقة تلبي مطالب الشعوب وتراعي الخصوصيات الوجدانية، حتى ولو تطلب الأمر إعادة النظر في مسألة التقطيع الإداري الموروث عن الاستعمار. إن ما يجري في منطقة الساحل من صراعات بين الأعراق والقوميات والهويات هو نتاج عملية "بلغَنة" (balkanisation) قاتلة قطعت أوصال المجتمعات وزرعت قنابل موقوتة قابلة للاشتعال في كل وقت. كلنا نتذكر منطقة "البالغان" ‏(balkans) قبل تسعينيات القرن الماضي، وكيف تدخلت فيها أوروبا وأمريكا سياسيا وعسكريا لإطفاء نيرانها المشتعلة. وقد تطلب الأمر رسم خريطة سياسية جديدة، أزيلت بموجبها دولٌ وأنشئت دولٌ.
إن علاج معضلة الساحل و"بَلغنَته" تستوجب مقاربة جديدة تضمن أمن واستقرار المنطقة. هل تضطلع النخب الأفريقية بالواجب، أم تنتظر عقودا من الموت والخراب حتى تستيقظ وتعي مآسي شعوبها. إن لم نبدأ من الآن في مناقشة الموضوع على الأقل، فإني أخشى أن يعود المستعمر من جديد بجيوشه وآلياته ليتولى المهمة من منظوره الخاص بعد 10، 20، 30 عاما من الآن (؟).
وقد أشار الجينرال "افرانسوا ليكوانتر" (François Lecointre) قائد سابق للأركان الفرنسية لشيء من ذلك في مقابلة مع صحيفة "لو فيجارو" (le Figaro) بتاريخ 14 ابريل الماضي (2024).
تنويه،
لو كان لي أن أحكم على التاريخ في ضوء ما نشاهده الآن، لحكمت دون تردد لصالح مجموعة "الدار البيضاء" التي طرحت في بداية الاستقلال خيار الاندماج الأفريقي ومراجعة الحدود الموروثة عن الاستعمار على عكس مجموعة "مونروفيا" التي قالت باحترام تلك الحدود وتقديسها. وقد حسم الأمر لصالح هذه الأخيرة بأغلبية الأصوات في مؤتمر القاهرة (1964) دون أن يحسم فكريا ومبدئيا.

من صفحة الوزير الأسبق محمد فال ولد بلال