في إدانة اختطاف نيكولاس مادورو وسقوط النظام الدولي
إن ما جرى بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليس حادثًا استثنائيًا ولا خطأً عابرًا في حسابات السياسة الدولية، بل هو فعل استعماري مكتمل الأركان، وجريمة دولة موصوفة، تؤكد أن العالم يعيش اليوم تحت هيمنة عارية تمارسها الولايات المتحدة خارج كل قانون وأخلاق.
لقد سقطت، في لحظة واحدة، كل الأقنعة.
وسقط معها الادعاء بوجود نظام دولي قائم على القواعد، أو شرعية أممية، أو احترام لسيادة الدول.
ما حدث هو اختطاف سياسي وقح لرئيس دولة ذات سيادة، جرى تنفيذه بالقوة، وتُوّج بإذلال متعمّد عبر نشر صورة مهينة، في مشهد لا يستهدف مادورو وحده، بل يستهدف هيبة كل دولة تجرؤ على قول “لا”.
إن هذه الجريمة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العدوان الأمريكي المنهجي:
• من إيران 1953، حين أُسقط محمد مصدّق لأنه أمّم النفط،
• إلى تشيلي 1973، حيث اغتيل حلم أليندي تحت جنازير الانقلاب،
• إلى غرينادا وبنما، حيث اختُطِف الرؤساء بالقوة،
• إلى العراق 2003، الذي دُمّر باسم كذبة كبرى،
• إلى ليبيا 2011، التي سُحقت لأنها خرجت عن الطاعة.
واليوم، تُعاد الجريمة ذاتها في فنزويلا، بلا مواربة، وبوقاحة غير مسبوقة.
إن “جريمة” مادورو الوحيدة، في قاموس الإمبراطورية، هي رفض الخضوع، والدفاع عن قرار سيادي مستقل، والوقوف في وجه مشروع السيطرة على النفط الفنزويلي. وهذا وحده كافٍ، في منطق الهيمنة، ليُعامل رئيس دولة كغنيمة حرب.
بهذا الفعل، تُوجّه الولايات المتحدة رسالة تهديد علنية إلى دول الجنوب:
إما الطاعة،
أو الإذلال،
أو الفوضى،
أو السقوط.
إن نشر صورة مهينة لرئيس دولة معتقَل ليس سلوكًا فرديًا ولا زلّة أخلاقية، بل سياسة مقصودة تهدف إلى كسر إرادة الشعوب، وإعادة العالم إلى منطق السيد والعبد، والقوي والضعيف.
لقد انتهى زمن الوهم.
انتهى زمن الحديث عن حقوق الإنسان.
انتهى زمن التبشير بالديمقراطية.
وانكشف النظام الدولي على حقيقته: أداة هيمنة لا قانون لها إلا القوة.
نحن لا نعيش أزمة في النظام الدولي،
نحن نشهد موته العلني.
نحن في القرن الحادي والعشرين، نعم،
لكننا نعيش في عالم الغاب، حيث تُختطف الدول، وتُهان الشعوب، ويُكافأ المعتدي، ويُجرَّم من يدافع عن سيادته.
إن ما جرى مع نيكولاس مادورو ليس نهاية القصة،
بل إنذار تاريخي لكل من لا يزال يعتقد أن الاستقلال ممكن بلا مواجهة.
لكننا نلاحظ حسب المؤشرات الجيوبولوتيكية أن هذا التخبط لأجل إعادة هيبة الغطرسة الإمريكية ليس إلا هروب إلى الأمام في وجه صعود قوى كبيرة ضدها يكرس موقفا سلبيا واضحا منها .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار



