أرقامُ ولد اجّاي؟
وقف ولد اجّاي وهو يقرأ كُتيّبًا من 78 صفحة، عبر خمسة فصول، يتحدث فيها عن التزامات حكومته خلال سنة 2025، والبالغة 302 التزامًا، دون أن يكلّ، عبر خطاب رصين ومتماسك، وجيه بالأرقام وصريح.
والواقع أنه لم يكن خطابًا إنشائيًا ولا فذلكات فكرية، بل تقريرًا على قدرٍ عالٍ من الوظيفية والدقة، تضمّن جردةَ حسابٍ لرهانٍ تحقق بنسبة 92%، ويمسّ جميع القطاعات، ويمتدّ على كامل التراب الوطني.
ويجدر بنا هنا الحديث عن هوامش مهمة من هذا العمل، مثل تشييد 1800 كلم من الطرق، وبناء 1900 حجرة دراسية، واكتتاب 2300 مدرس خلال سنة 2025، وتشييد ما يزيد على 120 مبنى صحي بين مستشفى ومركز ونقطة صحية، فضلًا عن تسوية الاختلالات في القطاعات الخدمية الأساسية، كالماء والكهرباء، وارتفاع مؤشرات المداخيل، وتنظيم الصفقات العمومية، وتراجع صفقات التراضي من 34,5% 2019 إلى 13,6% 2025 .وبالنسبة للاختلالات التسييرية التي بلغت 900 مليون أوقية قديمة فقد تم استرجاع 78% من المبلغ أي 700 مليون أوقية وبالنسبة لمداخل 2025 فقد زادت بنسبة 15,7% عن السنة الماضية وهو ما يمثل 100 مليار أوقية ودون استحداث أي ضريبة جديدة .ويجدر التذكير أن 70 مليار من مجهود الجمارك .
ومع ذلك، يظلّ كلّ ذلك أقلّ أهمية مقارنة بما هو آتٍ.
لقد كسب المختار ولد اجّاي، توازيًا مع ذلك، أربع رهانات ظلت عوائقَ حاسمة أمام كل وزير أول، وهي أصعب من كل الرهانات والتحديات التي يمكن تصورها، وقد تعترض أي موظف سامٍ يسعى بجدية للنجاح في هذا البلد.
كان الرهان الأول أن يكون وزيرًا أول فعليًا، ينسّق جهود الحكومة ويترأس نشاطاتها، بعدما منيت الحكومات الماضية بالفشل في جوانب عديدة من تعهداتها، بسبب الأوزان المفرطة لأربعة وزراء من المُنْظَّرين في نظام غزواني، بما يضاهي وزن الوزير الأول نفسه، ويجعل تنسيقه وإدارته للعمل الحكومي ناقصين، ولا يخضعان لرؤية موحّدة ولا لإدارة مسؤول أول واحد. لقد استخدم المختار ولد اجّاي جميع صلاحياته ليبقى وزيرًا أول يدير العمل الحكومي، ويحدّد نشاطه، ويوزّع الأدوار، ويترأس العمل الميداني كله. وكان ذلك، في الواقع، رهانًا صعبًا.
وكان الرهان الثاني هو العمل بكوادر ومصادر بشرية تعاني تدني المستويات، وانعدام الوطنية والمسؤولية في الغالب، بسبب هيمنة المعايير السياسية والقبلية والجهوية على التعيينات، ورواج تزوير الشهادات. لقد كان استخراج زبدة الموظفين الأكفاء من هذا الغثّ، حفاظًا على الديناميكية الحكومية، أمرًا يتطلب وضع الجميع على محكّ المثابرة والمسؤولية، وهو ما استدعى حضورًا شخصيًا دائمًا من الوزير الأول في جميع الاجتماعات، صغيرها وكبيرها، لإضفاء طابع الجدية والحزم على القرارات، وخلق جوّ منافسة نحو الأصلح يُظهر قدرات الأشخاص. وكان كل شيء تحت ناظريه، مقابل تضحية عظيمة بالوقت والجهد والتركيز. وهكذا كان على كل موظف أن يعمل بأحسن ما عنده، إن لم يكن من حيث الكفاءة، فمن حيث الجدية والمثابرة، وكان على الوزير الأول ألّا يكلّ. وليس من السهل إهمال ثمن هذا الجهد: التأخر في المكتب إلى منتصف الليل، والعمل خلال عطلة الأسبوع، وهو ما التهم هوامش الوقت المخصصة للأهل، وللحلفاء، وللأصدقاء، وخلق توترات في تلك الفضاءات كثمن موضوعي لهذا الانهماك؛ ومع ذلك، حسم ولد اجّاي خياره.
لقد كان وضع رهانات حقيقية لمدة سنة، تقوم على برنامج عريض، وتتطلب ديناميكية حكومية خلف منسق واحد هو الوزير الأول، في ظل الإبقاء على وزراء أقوياء بعلاقاتهم بالرئيس، بمثابة انتحارٍ وظيفي لشخص ما زال في أوج العطاء والطموح. ومع ذلك، أصرّ ولد اجّاي على ربط عدة أحبال انتحار في مساره. غير أن الرئيس غزواني، بحق، لم يهمل هذا الإصرار، وأمدّه بإرادة قوية وصارمة، وبالصلاحيات اللازمة لتثبيت إرادته على الحكومة.
وكان الانتحار الآخر، أو الرهان الثالث، هو وضع برنامج طموح في ظل الفساد وضعف أدوات العمل: التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة، والمحاسبة، وضعف وتيرة تنفيذ المشاريع، وسيطرة رجال الأعمال والوسطاء عبر الرشوة والأدوات السياسية، وذلك بتحديد سقف مرتفع ومحدد في اثني عشر شهرًا، مع ضعف الإدارة وانعدام التراكم في العمل الإداري، وتراكم معضلات ومشاكل عميقة لم يستطع أحد حلها أو الوصول إلى عمقها.
أما الانتحار الرابع، أو الرهان الأخير، فكان فتح جميع الملفات الشائكة التي تقف وراءها قوى الفساد والنفوذ، ومصارعة لوبيات الفساد في العقارات، وفي الأدوية، وفي الصفقات، دفعة واحدة، والسعي إلى تصحيح وضعية تلك القطاعات.
وبعد ذلك، فليضرب أصحاب المعاداة الفظة للموضوعية أخماسًا بأسداس.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




