موريتانيا بلا عقل استراتيجي: لماذا نحتاج إلى مجلس أعلى لصون السيادة؟
ليست مشكلة موريتانيا في قلة الموارد، ولا في ضعف الإمكانيات، ولا حتى في غياب الفرص. المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير: الدولة تُدار بلا عقل استراتيجي.
منذ الاستقلال، لم يغير تعاقب الحكومات ولاتغيير الرؤساء، من نفس النتيجة :دولة تتحرك دون اتجاه واضح وتتفاعل مع الأزمات من موقع الضعف بدل أن تسبقها، وتُدار بمنطق التسيير اليومي لا بمنطق البناء.
النظام الديمقراطي، بصيغته الحالية، فرض إيقاعًا سياسيًا قصير النفس، فبعد كل خمس سنوات تبدأ دورة جديدة، برئيس جديد يحمل معه إخفاقات سابقه أو ببرنامج جديد مع نفس المشاكل القديمة ورهانات جديدة تزيد الوضع تعقيدا ، ودون أي استمرارية حقيقية في الرؤية ولا في تراكم المشاريع الكبرى حيث يظل الرئيس، مهما كانت كفاءته غارقًا في تفاصيل يومية: أزمات خدمات، توازنات سياسية، ضغوط اجتماعية، وتدبير ملفات عاجلة لا تنتهي وبطانة تجدد نفسها وتغطي على الفشل حماية لتمركزها في السلطة .
وفي هذا السياق يبقى لا يملك أي وقت للتفكير في الأسئلة الكبرى:
كيف تُبنى القوة؟ وكيف تُحمى السيادة؟ وكيف تُستغل الموارد لصالح الدولة لا لصالح الآخرين؟
مع اقتصاد هش ودولة بلا سيطرة على مواردها حيث تستورد نحو 99.5% من غذائها ذلك المؤشر الخطير على فقدان السيادة الاقتصادية وعلى كل عوامل التطور :المعادن، رغم أهميتها، لا تحرك إلا نسبة ضعيفة من التشغيل، ولا تُترجم إلى تنمية حقيقية. والصيد البحري يُستنزف دون تثمين، والثروة الحيوانية تُدار بشكل تقليدي، بينما لم تتحول الزراعة إلى رافعة استراتيجية.
لقد أُديرت هذه القطاعات عبر سياسات متفرقة، تخضع في كثير من الأحيان للارتجال وللاعتبارات الظرفية أو الحملات الدعائية ، دون إطار وطني جامع يحدد الأولويات ويضمن التراكم.
وفي نفس الوقت يظهر نظام سياسي مثقل بالاختلالات ويستهلك نفسه
• رئيس يستهلكه التسيير اليومي
• حكومة تنشغل بالإصلاحات الجزئية
• برلمان محدود التأثير
• إدارة تعاني من الفساد وضعف الكفاءة
• ومؤسسة عسكرية، رغم انضباطها، لم تتحول بعد إلى رافعة استراتيجية للقوة
والنتيجة:
دولة تتحرك، لكنها لا تتقدم ولا تقدر موقعها داخل عالم اليوم الذي لا ينتظر الضعفاء ويقع فيه الصراع على أشده على الطاقة، ويعاد فيه رسم لموازين القوة، وموقع موريتانيا الجغرافي يضعها في قلب هذه التحولات، لا على هامشها.
فهي معبر للهجرة، وقريبة من بؤر التوتر في الساحل، ومرشحة لتكون لاعبًا في معادلة الطاقة نحو أوروبا وفي قلب الصراع على التربة النادرة وغيرها من المعادن الأساسية في الصناعة الإلكترونية والحربية والتي يتهم اترامب الصين بالسيطرة عليها ويحاول بعدما فك قبضتها عن نفط فينزويلا وربما إيران الحصول على تلك المعادن الاستراتيجية للصناعة الآمريكية فموريتانيا إذن بين فكي الصراع .
لكن هذه الوضعية لا يمكن أن تتحول إلى فرص ثمينة إلا لدولة قوية لكن في وضعية بلدنا فهي تهديد حقيقي مادمنا لانملك رؤية استراتيجية واضحة تساهم في تحديد مسارات الشراكة والاستقلال وهنا نتذكر الخلل الحقيقي: غياب “عقل الدولة”
جميع الدول التي نجحت في بناء قوتها لم تعتمد على الحكومات المنتخبة ، بل على مؤسسات دائمة تُنتج التفكير الاستراتيجي وتحمي استمراريته وفي موريتانيا، ظل هذا المستوى مفقود للأسف .
فالرئيس أي رئيس جديد لايملك هامشا من الوقت بعد تسيير الأزمات فالبلد بلد أزمات :العطش ، الكهرباء ، البطالة ،التعليم ، التخلف ، الأمية ، الصحة الأمن الغذاء الفوضى كل واحد من هذه الأوجاع يشكل حالة استعجالية ويحمل فشلا تراكميا في التصور وفي الحل وهكذا يتحول رهان الرئيس إلى حلول استثنائية وسريعة يدفعه الخوف من صخب الشارع ، وهذا لن يضمن أي تحوّل .
التحول الذي تحتاجه موريتانيا اليوم ليس مجرد تحسين في الأداء الحكومي، بل انتقال جذري من دولة تُسيَّر إلى دولة تُبنى، دولة تملك مشروعًا، لا مجرد برامج تسكينه أو مهدئة .
دولة تفرض شروطها، لا تتكيف مع شروط الآخرين و تفكر في المستقبل من منطق استغلال الفرص والموارد ، لا تكتفي فقط بإدارة الحاضر .
إن ذلك يحتاج في الواقع لزمن طويل واستقرار مؤسسي واستقلال عن المزاج السياسي وعدم الخلط بين شيئين مختلفين:النظام السياسي الذي هو متغير، انتخابي، ظرفي وبين الدولة الكيان العام الذي يجب أن يكون ثابتا، تراكميا، استراتيجيا
والحقيقة أن هذا الخلط هو أصل الأزمة وهو أصل الخلل .
فالدولة التي تُدار وكأنها برنامج انتخابي بعقل قصير الأمد ،ليست مثل الدولة التي تدار بمنطق الاستراتيجيا فالنتيجة مختلفة وهي بلد بلد بلا بوصلة في النهاية ولا ضمان للمستقبل .
وهنا نصبح أمام سؤال ماهو الحل ؟
الحل هو الهيئة السيادية المستقلة التي تعمل خارج الضغوط الانتخابية، وتضع رؤية طويلة المدى، وتضمن تنفيذها عبر الزمن.
هيئة دستورية تسمى المجلس الأعلى للاستراتيجيا والسيادة إنطلاقا من أنه إذا كان الخلل بنيويًا، فإن على الحل أن يكون بنيويًا أيضًا.
من هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء المجلس هذا المجلس الذي يقوم على صون السيادة وتحديث الدولة، كهيئة دستورية دائمة، تُشكل العقل الاستراتيجي للدولة.
فما هو هذا المجلس ؟
لا يُقصد بهذا المجلس أن يكون بديلاً عن المؤسسات القائمة، بل مكملاً لها، يشتغل على مستوى مختلف: مستوى الرؤية، لا التسيير ومستوى الاستمرارية وبناء القوة والتحديث كما يفصل بين مستويين من الحكم:مستوى سياسي متغير، تُديره الحكومات المنتخبة ومستوى سيادي ثابت، يضمن استمرارية الأهداف الكبرى تديره نخبة مستقلة تشكل هذا المجلس من أجل توفير إطارًا موحدًا لتوجيه السياسات الوطنية، بحيث تتحرك مختلف القطاعات ضمن رؤية واحدة، بدل العمل في جزر منفصلة.
وسيحمي القرارات الاستراتيجية من التقلبات السياسية، خصوصًا في مجالات حساسة مثل الطاقة، والمعادن، والأمن القومي.
إنه سيسير الحاجة للاصلاح الجوهري ويترك الإصلاح الجزئي للحكومة إن الإصلاحات الجزئية لم تعد كافية.
لأن المشكلة ليست في الأداء بل في البنية .
إننا في تصور المجلس الأعلى للاستراتيجية والسيادة الذي نعتبره سيشكل عقل الدولة الغائب لا نريد إلغاء الديمقراطية، بل نسعى لتحرير الدولة من حدودها الزمنية من خلال تأسيس مركز التفكير السيادي للدولة في شكل مؤسسة:لا تخضع للانتخابات لا تتغير بتغير الرؤساء ولا تعمل تحت ضغط اليومي وتسعى لتوجيه الدولة نحو بناء القوة وحماية المسار الوطني إنها عقل دائم للدولة وحارس للرؤية الوطنية وضامن لاستمرارية المشاريع الكبرى
الحلقة الأولى
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




