الأحد
2026/03/15
آخر تحديث
الأحد 15 مارس 2026

الحرب على إيران وتحطم مفاهيم النظام الدولي الأساسية الستة: دلالات التحديث وبناء القوة لموريتانيا (2)

منذ 20 دقيقة
الحرب على إيران وتحطم مفاهيم النظام الدولي الأساسية (…)
طباعة

تكشف التطورات المرتبطة بالصراع مع إيران عن تحول عميق في طبيعة النظام الدولي الذي تشكل أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ فقد قامت بنية هذا النظام على منظومة من المفاهيم الكبرى التي كان يُفترض أن تحكم العلاقات بين الدول وتضبط استخدام القوة. غير أن أحداث العقدين الأخيرين، بدءاً من غزو العراق سنة 2003 ووصولاً إلى التحولات العنيفة التي رافقت ما سُمي بـ "الربيع العربي"، -الذي صُمّم على حريق للشرعيات وللأنسجة الاجتماعية والبنى الوطنية والاقتصادات والأمن والاستقرار -أظهرت أن تلك المفاهيم لم تعد تعمل وفق الغايات التي صُممت لأجلها.
ومن أبرز المفاهيم التي تعرضت للهدم وتحتاج لإعادة تعريف جذري:
* الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
* حقوق الإنسان.
* الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
* السيادة الوطنية في ظل الاستراتيجية العالمية.
* مفهوم القوة.
هذه المفاهيم لم تتغير فحسب، بل تحولت في كثير من الأحيان من أدوات لضبط الصراع الدولي إلى أدوات لإدارته أو تأجيجه.
1. الأمم المتحدة: من مرجعية دولية إلى إطار فاقد للفاعلية
تأسست هذه الهيئة عام 1945 بهدف منع تكرار الكوارث الكبرى، وبُنيت فلسفتها على مبدأين: حفظ السلم الدولي وحماية الشعوب. لكن التجربة الواقعية كشفت عن خلل عميق؛ فمنذ بداية القرن الحادي والعشرين، وقف العالم أمام سلسلة من الانهيارات دون أن تتمكن المنظمة من التدخل الفعال فيها ، بل تحولت أحياناً إلى غطاء قانوني لتدمير بعض الأعضاء (كما في الحالة الليبية) أو عجزت عن حماية الضحايا (كما في غزة وفلسطين)، أو منع تدمير دول مثل افغانستان والعراق. لقد أصبح مجلس الأمن رهينة لموازين القوى، مما جعل "الشرعية الدولية" مجرد امتداد لميزان القوة لا كابحاً له.
2. حقوق الإنسان وانهيار الخطاب الأخلاقي
شكل مفهوم حقوق الإنسان العمود الفقري الأخلاقي للنظام الدولي، لكن العقدين الأخيرين كشفا تناقضاً صارخاً؛ حيث عاين العالم قصف المدارس، وحصار المدن، واستهداف الصحفيين، وقتل الأسرى في عصر يُفترض أنه يقدس الكرامة البشرية. هذا "الكيل بمكيالين" حوّل المفهوم إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم ضد الخصوم ويُتغاضى عنها عندما يتعلق الأمر الأقوياء والحلفاء، مما أدى لتبخر المصداقية الأخلاقية لهذا الخطاب.
3. الوكالة الدولية للطاقة الذرية: مأسسة احتكار القوة
رغم شعارات منع الانتشار النووي، يعمل النظام النووي العالمي على تكريس الاحتكار في يد القوى الكبرى. وبينما يُغلق القوس أمام دول مثل العراق وإيران، يُسمح لدول أخرى (خارج معاهدة الحد من الانتشار لأنها حليفة للدول الكبرى في الاتجاهين، إسرائيل والهند من جهة وكوريا الشمالية وافغانستان من جهة ثانية ) بامتلاك هذا السلاح بناءً على تموضعاتها الجيوسياسية. لقد أثبتت الأزمات أن المفاوضات مع الوكالة قد تتحول من مسار تقني وعلمي إلى ذريعة للعدوان على الدول وإشعال صراعات إقليمية واسعة.
4. تحطم مبدأ السيادة : السيطرة على المفاصل الحيوية
لم تعد السيادة ذاتية إلا إذاكانت الدولة لا تملك موارد أو لا تقع على ممر استراتيجي ومن هنا يجب على موريتانيا التفكير في نفسها أن تكون قادرة على تسيير أي وضع يفرض عليها من منطق القوة . لقد أصبحت السيادة في عالم اليوم رهينة بالاستراتيجية العالمية وعلاقة ذلك بمنظومة التحكم في "عصب الحياة": (الطاقة، طرق التجارة، والتكنولوجيا). في هذا السياق، تم العدوان على رئيس منتخب في بلده (فينزويل) ليحاكم في بلد آخر (الولايات المتحدة الأمريكية) بمبدأ القوة فقط لأنه اختار طريقا أفضل في التخلفات الدولية لمصلحة شعبه وسيادة بلده، كما لا تُختزل إيران في نظامها السياسي، بل هي "عقدة جيومكانية" تربط الخليج بآسيا الوسطى وبالمحيط الهندي. لذا، فإن أي استهداف لها هو في جوهره محاولة لإعادة صياغة ميزان القوة العالمي بين الشرق (روسيا والصين) والغرب. إن هذا الاستهداف صار مبدأ في الاستراتيجيات الدولية وصار قابلا للتنفيذ في أي نقطة من العالم حسب منطق عالم اليوم
5. مفهوم القوة: العودة إلى قانون "الغابة" الدولي
إذا كان القرن العشرون، قد حاول مأسسة القانون، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد عودة المبدأ الواقعي الفج: "القوة تصنع الشرعية". تجلى هذا في سياسات "الصفقات" التي انتهجتها إدارات مثل إدارة ترامب، حيث أصبحت العلاقات الدولية تُقاس بالمنفعة المالية المباشرة بعيداً عن حسابات الأخلاق أو القانون الدولي، ولذلك فإن كل دول العالم تقع تحت طائلة الابتزاز الأمريكي فقط عندما تكون تملك موارد أو أرضا بما في ذلك الحلفاء التقليديون لها .
6-أزمة الفكر والقيادة في العالم
من السمات البارزة لهذه المرحلة هي "تصحّر الفكر" وتراجع دور الفلاسفة والمفكرين في توجيه السياسة. العالم الذي أنجب المدارس الفكرية الكبرى، تقوده اليوم شخصيات براغماتية أو شعبوية وإجرامية (مثل نتنياهو وترامب وساركوزي واستفزازية لمشاعر المسلمين مثل ماكرون)، تفتقر للمرجعيات الأخلاقية وتعتمد على آلات الفتك العسكرية . هذه الفجوة جعلت "بناء القوة الذاتية" ضرورة وجودية؛ فالدولة التي لا تملك قرار أمنها لا يمكنها حماية تنميتها. والفرق الجوهري هنا يكمن في "القدرة على الردع" التي تصنعها الشعوب لنفسها مقابل "السلم المستورد" الذي يظل رهينة لرضا القوى الخارجية.
وهنا تبرز دلالات التحديث لبناء القوة في موريتانيا
فبناءً على هذا المشهد الدولي المتوحش، لم يعد أمام موريتانيا خيار سوى الشروع في "مشروع التحديث الشامل":
* بناء بنية دستورية صلبة: تنتقل من شرعية الأفراد إلى شرعية المؤسسات الدائمة التي تتحمل مسؤولية الأمن القومي بصفة دستورية مستمرة.
* الاستثمار في القوة الذاتية: إدراك أن التحديث ليس مجرد مظاهر عمرانية، بل تخطيط للمستقبل بروح وطنية وبرؤية علمية واستراتيجية تأخذ في الحسبان بناء الإنسان و بناء جيش قوي، واقتصاد مرن، وجبهة داخلية متماسكة.
* الوعي الاستراتيجي: الانخراط في المناخ الدولي بعقلية "الدولة القوية" التي تسعى لنقل الخبرة وإدخال العلم في حياتها اليومية وفي علاقاتها الدبلوماسية والتجارية وفي جميع الشراكات؛ حمايةً لسيادتها ومواردها، لا بعقلية الدولة التي تنتظر الحماية من نظام دولي أثبتت الأحداث تحطمه.
إن هذا يتطلب بنية دستورية مستقلة ومستمرة لا علاقة لها بانتخاب الرئيس لكي تستطيع القيام بالتحديث؛ هيئة لا تُعين ولا تُختار ولا يمكن عزل أفرادها، تتحمل فكرة تحديث البلد. لقد تمت تجربة مجموعة من الهيئات الدستورية وتم العدول عنها، وهكذا فلكي تكون الديمقراطية الموريتانية في خدمة البلد يجب تطويرها على أساس الحاجة. نحن اليوم بحاجة لمؤسسة تملك عمرا أطول وصلاحيات أوسع ونفاذا أكبر على القرار الوطني خاصة الاقتصادي والعسكري وعلى مسار المفاوضات المتعلقة باستغلال موارد البلد بالشراكة مع الأجانب . الديمقراطية هي فترة "عدم استقرار دستورية"، خاصة بالنسبة لدولة لم تكسبت رهانات التأسيس،
كل الرهانات التي ولدت مع الدولة الموريتانية لم تتحقق إلى اليوم: (رهان الأمية، رهان التخلف، رهان الوحدة الوطنية، رهان القبلية، رهان التمدن، رهان الوطنية، رهان دولة المؤسسات). إن مشكلة اليد الأساسية أنه يقيم في نفس المنطقة الرمادية التي تنطلق من رؤية ولا طموحات للمستقبل وستظل المشكلة في تعقيد اكبر كلما ازدادت الرهانات الصغيرة وتعقد الوضع الدولي يجب أن تتكفل "الدولة ، الدستور"، وليس "النظام" بمثل هذه المسؤوليات فتركيز الرئيس، أي رئيس، ليس على التحديث بل كسب الرهانات الصغيرة.
أن مسار التطور في العالم جاء من خلال بناء الدولة
لقد خلق الغرب القوة قبل الديمقراطية وجاءت الديمقراطية كنوع من رقابة الشعب على تسيير هذه القوة في الداخل والخارج ، وموريتانيا لم تملك تلك الفرصة لبناء القوة فكل من الدولة والديمقراطية جاء بصفة مفاجئة ؛ لذا فهي بحاجة لأن تعطي لنفسها فرصة في بناء الدولة. فمنذ التأسيس إلى اليوم، يملك الخطباء والسياسيين نفس الإلهام ويرددون نفس المشاكل ولديهم نفس المخاوف وكل تغيير في الحكم تتم معه البداية من الصفر في كنف نفس الطبقة السياسية ونفس الأوجه.
إننا أمام مرحلة تتم فيها المراجعة السياسية بواسطة اجتماع الطبقة السياسية والطيف الوطني في الحوار المترقب وهو ما يجعل المسوولية عظيمة في إدراك خطورة الوضع الذي يوجد فيه البلد بالنسبة للمستقبل ولسنا أمام مجرد حوار "يلوك" مطالب مؤتمر "ألاك" 1958 حول اللغة والوحدة الوطنية، ويجتّر مقتضيات أحداث 1966، وكيفية إجراء انتخابات نزيهة لن تكون نزيهة إلا إذا نجح بيرام حتى ولو لم يقم بحملة انتخابية في الداخل .
أعتقد أن الوقت قد حان لبحث الأمور التي تجعلنا بلداً قوياً، ولدينا القدرة على ذلك.
قد لا يدرك البعض أبعاد ما أرمي إليه، لكنه كبد الحقيقة: موريتانيا لم تتقدم لعدم وجود أهداف كبرى؛ فانعدام الأهداف هو الذي يخلق حالة الركود وتشتيت الجهود وانعدام مبررات حشد طاقات البلد . "دولة المشتلات" لن تتطور أبداً ولو ملكت كل معادن الدنيا وسيظل الجدل فيها حول هل الضرائب وجيهة أو غير وجيهة ..فهيهات ثم هيهات للتحديث وللتصنيع الحربي وبناء القوة.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار