الجمعة
2026/03/13
آخر تحديث
الخميس 12 مارس 2026

الحرب على إيران وتحطم مفاهيم النظام الدولي: فهل طبيعة نظامنا السياسي قادرة على استيعاب الدرس؟

منذ 2 دقيقة
الحرب على إيران وتحطم مفاهيم النظام الدولي: فهل طبيعة (…)
طباعة

"بناء القوة" ! ألا يجب أن يتجه الحوار حول هذه الإشكالية الجديدة اكثر من الإشكاليات القديمة!؟

إذا كان هناك درس واضح يمكن استخلاصه من هذه التحولات، فهو أن القوة ليست صدفة ولا تبنى في الفراغ، والأمن المستورد أثبت فشله، والدول التي لا تبني قوتها بنفسها تصبح موضوعًا للصراع الدولي لا طرفًا فيه.
إن بناء القوة الوطنية ليس مسألة تقنية فقط، بل هو، قبل كل شيء، قرار سياسي تاريخي.
وهذا القرار يحتاج إلى ثلاثة عناصر:
1. المرجعيات الوطنية خارج السياسية
لا يمكن بناء مشروع دولة قوية دون وجود مرجعيات تحظى بالثقة والاحترام داخل المجتمع وتدفع بالمكون الوطني نحو دعم وتبني الأهداف الكبرى .
2. الزعامة السياسية
فالقوة لا تُبنى بالإدارة البيروقراطية، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية طويلة المدى وشجاعة على اتخاذ القرار وتستند إلى شرعية وطنية عميقة .
3. الاستمرارية الاستراتيجية
بناء القوة يحتاج إلى عقود من العمل المتواصل. فقد احتاجت تجارب مثل روسيا وتركيا إلى أكثر من عشرين عامًا من السياسات المتراكمة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية، وبالتالي فلابد من إطار لا يتغير بالانتخابات، ويستمد قوته من الدستور، ومستقل عن الضغوط والتحديات، ويضمن الاستمرارية والتراكم .
إن موريتانيا دولة صغيرة، لكنها قادرة، وبحاجة لبناء القوة ، فهي بإمكانياتها الاستراتيجية الكبيرة تزداد أهميتها وتجذب الصراع. إن لها :
• احتياطيات كبيرة من الطاقة ( الغاز والنفط والرياح والشمس والصحراء ).
• مؤشرات معدنية تتجاوز 600 مؤشر
• موقع جغرافي يربط شمال أفريقيا بغربها
• موقع حساس في ملف الهجرة نحو أوروبا
• جوار جغرافي لمنطقة الساحل التي تعاني اضطرابات أمنية متصاعدة
•مشاكل شائكة مثل الهجرة والجريمة المنظمة

كل هذه العوامل تجعل موريتانيا في موقع قد يتحول إلى نقطة تنافس دولي في المستقبل.
وفي مثل هذا العالم، لا يُطرح السؤال الحقيقي على الدول الصغيرة بصيغة: كيف نعيش بسلام؟
بل بصيغة أكثر صرامة: كيف نضمن أن نكون قادرين على حماية أنفسنا عندما يختفي السلام؟
ليتحوّل إلى سؤال مباشر: هل بنية النظام السياسي الموريتاني قادرة على ضمان إدارة المستقبل ؟
إن الدول التي فهمت هذا التحول مبكرًا بدأت في بناء قوتها بصبر استراتيجي طويل، كما حدث في تجارب مثل الصين وتركيا وروسيا وإيران وباكستان والهند ، حيث لم يكن بناء القوة حدثًا عابرًا، بل مشروعًا تاريخيًا استمر لعقود، لكن بنتها مؤسسات ورؤية وإرادة قائمة من دون انقطاع .
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح ليس فقط: كيف ندير الدولة؟
بل السؤال الأعمق: كيف نبني قوة الدولة؟
إن التحدي الحقيقي أمام الدولة الموريتانية ليس فقط إدارة الحاضر، بل بناء مشروع وطني طويل المدى للقوة والاستقرار.
وهنا نطرح السؤال الآخر الأهم: هل تفي طبيعة نظامنا الانتخابي الحالي الذي يغير كل شيء بعد 5 سنوات بالقدرة على بناء القوة المطلوبة ؟ لا يتعلق الأمر بالرئاسة بل بالمؤسسات. وهنا نتساءل: ألا يحق لنا بناء نظام سياسي خاص يضمن بناء القوة والحفاظ عليها .
ففي عالم يتغير بسرعة، لم تعد الدول تُحمى بالحياد أو حسن النوايا، بل بالقدرة على بناء القوة وصناعة القرار السيادي. وهذه لابد لها من عقل وارادة وحماية ومدة زمنية لا يمكن أن تؤسّس بأقل منها .
النظام الديمقراطي لا يتيح تلك المدة إلا على الطريقة الروسية أو التركية، إلا أن هذه التجربة استندت على مبدأ الزعيم الذي يحمل التطلعات للقوة وللتاريخ والصدارة .
فموريتانيا مجبرة على بناء نظام سياسي خاص يأخذ في الحسبان حاجتها الاستراتيجية لبناء القوة. إنه من المفيد استحداث هيئة عليا لحماية بناء القوة وحماية الموسسات. هذه الهيئة بعيدة من التجاذبات السياسية والأضواء ومختارة بعناية وبمعايير أكثر تعقيدا من معايير اختيار الرئيس ولابد ان تنبثق هذه الهيئة عن آلية اكثر منها تعقيدا وشروطا بالنزاهة والانفصال عن الرهانات اليومية، فذلك هو المعيق الأساسي لمؤسسة الرئاسة. إن الرئيس مجبر على نقاش مسائل الحياة اليومية مثل مياه الشرب والأسعار بينما لابد من وجود هيئة تسيير الطموح فلايمكن الانتظار بالطموح حتى تنتهي المشاكل العارضة وتعقيداتها. لابد من إطار لبناء القوة وتسيير التحولات في شكل آلية قوية متماسكة مستمرة تخدم هدفا واضحا تسخر له كل جهود الدولة بعيدا عن الاستهلاك السياسي اليومي والعلمية الإدارية وتسيير المصالح المحلية المتعارضة والتوازنات السياسية والاجتماعية، فلايمكن أبدا ان يملك الرئيس في ضوء رهانات صغيرة كهذه وفي غياب نظام صارم القدرة على أن يبني القوة بمفهومها الردعي .
لقد حان الوقت للتفكير لموريتانيا أكبر من هذا .
إن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم تكشف حقيقة قاسية: النظام الدولي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية يقترب من نهايته التاريخية. فالقواعد التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود طويلة لم تعد قادرة على ضبط الصراعات، والمؤسسات التي كان يفترض أن تحمي السلم الدولي فقدت الكثير من فعاليتها، وعلى رأسها الامم المتحدة .
لقد عاد العالم تدريجيًا إلى منطقه القديم؛ منطق القوة والتوازنات الصلبة. ولم يعد القانون الدولي وحده قادرًا على حماية الدول الضعيفة، كما لم تعد التحالفات التقليدية أو الشعارات الأخلاقية كافية لضمان الأمن والاستقرار.
فالدول لا تُحترم في النظام الدولي الجديد بقدر ما تُحترم قدرتها على حماية مصالحها وفرض حضورها.
لقد انتهى عصر الاطمئنان إلى النظام الدولي، وبدأ عصر جديد تُكتب فيه مكانة الدول بقدر ما تمتلك من إرادة وقوة ورؤية تاريخية.
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لموريتانيا لم يعد مجرد التنمية أو الاستقرار السياسي، بل بناء مشروع وطني طويل المدى للقوة؛ مشروع تتكامل فيه الإرادة السياسية مع المرجعيات الوطنية، وتُسخَّر له الموارد والإمكانات عبر أجيال متعاقبة.
فالأمم التي لا تبني قوتها بوعيٍ وإرادة، غالبًا ما تجد نفسها في النهاية تعيش داخل قوة الآخرين.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار