الخميس
2026/03/26
آخر تحديث
الخميس 26 مارس 2026

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة : 11)

منذ 42 دقيقة
القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان (…)
طباعة

مفهوم الروح في اليهودية:
لم يرد في التوراة أو الإنجيل تعريف محدد ودقيق للروح، وإنما استُخدم هذا اللفظ في سياقات متعددة ذات دلالات أخلاقية ومعنوية. فقد استُعمل للتعبير عن معانٍ متنوعة، مثل: الروح الشريرة المنسوبة إلى الشيطان، والروح الصالحة التي تهدي الإنسان، وكذلك الأرواح الخفية كالملائكة، إضافة إلى استعمال مصطلح الروح القدس للدلالة على الله أو على أمر متصل به.
ومن خلال المقارنة بين نصوص العهد القديم والعهد الجديد، يتضح أن مفهوم الروح يدور غالبًا بين معنيين متقابلين: روح الخير وروح الشر. فإذا كانت الروح مصدرًا للهداية والخير، سُمّيت روح الحق أو الروح القدس، كما في قول الإنجيل: «روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله» (يوحنا 14: 17).
أما إذا كانت مصدرًا للضلال، فإنها تُسمى روح الضلال أو الروح النجس، كما ورد: «من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال» (1 يوحنا 4: 6).
كما تُظهر النصوص حضور الروح القدس بوصفه قوة إلهية مُعينة، في مقابل الأرواح النجسة المرتبطة بالشر. ويعكس هذا التباين اعتقادًا بوجود نوعين من الأرواح: أرواح ربانية تمثل الخير والهداية، وأخرى شيطانية تمثل الشر والفساد.
وإلى جانب هذا التقابل، يظهر استخدام آخر لمفهوم الروح، يتمثل في الروح الصالحة المستقيمة مقابل روح الكذب والضلال، كما في: «وروحك الصالح يهديني»، وفي المقابل: «وأرسل الرب روحًا رديئًا».
ويرى بعض المفكرين اليهود، مثل إبراهيم الحوراني، أن العبرانيين كانوا ينسبون إلى الله كل ما يُراد تعظيمه؛ فعبارات مثل: «روح الله يرف على وجه الماء» قد تُفهم بوصفها تعبيرًا عن قوة عظيمة أو ريح شديدة، وكذلك «أجعل روحي في داخلكم» بمعنى إصلاح حالهم.
ومن هنا يتبين أن لفظ الروح في الفكر اليهودي لم يكن ذا معنى واحد، بل استُخدم للدلالة على طيف واسع من المعاني، تشمل: الحياة، والقوة، والهداية، والخير والشر، بل وحتى معانٍ مجازية ومادية.
كما يظهر في بعض النصوص دعوة إلى التمييز بين الأرواح، مثل: «لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله»، مما يدل على الاعتقاد بتعدد مصادر التأثير الروحي.
ورغم هذا التعدد، أقرّ بعض علماء اليهود بوجود مفهوم خاص للروح باعتبارها جزءًا من الإنسان، مسؤولًا عن التفكير والإرادة والعاطفة، كما أشار إلى ذلك الفيلسوف سعيد بن يوسف الفيومي. كما قدّمت تعاليم القبّالاه تصورًا أكثر تفصيلًا، حيث قُسمت الروح إلى ثلاث مراتب:
نِفِش (Nefesh): مرتبطة بالحياة الجسدية والغرائز.
رُوخ (Ruach): متعلقة بالإدراك الأخلاقي والتمييز.
نِشامة (Neshamah): تمثل الجانب الروحي السامي.
وبذلك يتضح أن مفهوم الروح في اليهودية ظل مفهومًا مفتوحًا ومتعدد الدلالات، يجمع بين المعاني المجازية والتصورات الفلسفية، دون تعريف جامع مانع.
مفهوم الروح في المسيحية:
لم يرد في الأناجيل تعريف فلسفي جامع للروح، وإنما استُعمل اللفظ في سياقات متعددة، يغلب عليها البعد الإلهي والأخلاقي. فالروح في النصوص المسيحية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ"روح الله" أو "الروح القدس"، الذي يُعدّ مصدر الهداية والحق في حياة المؤمنين.
ويتضح ذلك في نصوص العهد الجديد، حيث يُشار إلى الروح باعتباره روح الحق، كما في: «وأما المعزّي، الروح القدس... فهو يعلّمكم كل شيء» (يوحنا 14: 26). فالروح هنا مصدر للمعرفة والإرشاد الإلهي.
وفي المقابل، يُذكر وجود أرواح مضلة تُنسب إلى الشر، كما في: «لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله» (1 يوحنا 4: 1)، مما يدل على تمييز واضح بين روح الخير وروح الشر.
كما يُستخدم لفظ الروح للدلالة على الحالة الداخلية للإنسان، من صلاح أو فساد، حيث تعبر عن البعد الأخلاقي والإيماني في الشخصية.
وقد تطور مفهوم الروح في الفكر اللاهوتي المسيحي، خاصة بعد إقرار عقيدة التثليث في مجمع القسطنطينية 381م، حيث اعتُبر الروح القدس أقنومًا إلهيًا، مساوياً للآب والابن في الجوهر، لا مجرد قوة بل ذات إلهية.
ومع ذلك، فإن استقراء النصوص يُظهر أن لفظ الروح استُعمل في معانٍ متعددة، منها: النفخة الإلهية، والقوة الروحية، والهداية، والحالة المعنوية، بل وأحيانًا للدلالة على الكائنات غير المرئية.
وهكذا يتبين أن مفهوم الروح في المسيحية، كاليهودية، مفهوم واسع ومتعدد الأبعاد، يجمع بين الجانب الإلهي والإنساني، ويتداخل فيه المعنى اللاهوتي مع الاستخدام الرمزي، مما يجعله من القضايا التي ظلّت مجالًا للتفسير والتأمل. ...
مفهوم الروح في الاسلام.....
يتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
المرابط لخديم