الأحد
2026/05/17
آخر تحديث
الأحد 17 مايو 2026

رئيس معهد مدد رأس: لكلِّ عصرٍ مظاهراته.. لكن ليست كلُّ المظاهرات متساويةً في الأثر ولا في القيمة التاريخية

17 مايو 2026 الساعة 09 و44 دقيقة
رئيس معهد مدد رأس: لكلِّ عصرٍ مظاهراته.. لكن ليست كلُّ (…)
طباعة

لكلِّ عصرٍ مظاهراته، لكن ليست كلُّ المظاهرات متساويةً في الأثر ولا في القيمة التاريخية.

أجمل ذكرى ما تزال ترافقني في حياتي هي لحظة وطنية عميقة: اليوم الذي نُظِّمت فيه أكبر مظاهرة عرفتها نواكشوط دعمًا لتأميم شركة MIFERMA. نعم، كنتُ أنا صاحب المبادرة إليها.

في تلك الفترة كنتُ تلميذًا مفصولًا من الثانوية، ومع ذلك كنتُ من أكثر الذين رفعوا أصواتهم بحماس لتعبئة المواطنين تأييدًا لقرار الرئيس المختار ول داداه بتأميم شركة ميفيرما.

أسرعتُ نحو مقر الجمعية الوطنية، حيث كان المختار قد أعلن لتوّه ما أراه إلى اليوم أحد أهم أحداث تاريخ موريتانيا المستقلة. وطوال الطريق، كان ذهني ينتقي بعناية أدق الكلمات للتعبير عن دعمي المطلق لهذا التأميم.

ومن أكبر الجرائم التي ارتُكبت في حق ذاكرتنا الوطنية هدمُ ذلك المبنى التاريخي، الذي كان ينبغي أن يُصنَّف أولَ معلمٍ معماريٍّ تراثيٍّ في موريتانيا.

لكن دعونا نعود إلى ذلك اليوم.

عندما وصلتُ إلى المكان، لم أجد سوى شخصين: ذ . محمد محمود ودادي ومحمد ولد ابدب
. فقلت لهما بحماس:

— «يجب أن ننظم فورًا مظاهرة شعبية لمواجهة شركة ميفيرما وأنصارها!»

فسألاني:
— «وكيف تنوي القيام بذلك؟»

فأجبتُ دون تردد:
— «الأمر بسيط جدًا. بسيارتَيكما سنجوب المدينة، وسرعان ما سيتبعنا جميع سكان نواكشوط!»

وبعد لحظات قليلة بدأنا تنفيذ خطتنا. وسرعان ما انضم سكان العاصمة، وخاصة سكان حي لكصر إلى الموكب. ثم تجمّعنا أمام القصر الرئاسي.

وبعد وقت قصير، أمر المختار بفتح بوابات القصر للسماح للجماهير بالدخول دعمًا للقرار الرئاسي.
كان يقف أمامنا — رحمه الله — إلى جانب السيدة مريم داداه ومربيةٍ شابة تحمل رضيعًا على خاصرتها. وكان المختار، مرتديًا دراعته الزرقاء الفاخرة، يحيّي الجماهير بإشارات هادئة ودقيقة توحي بالهيبة والوقار.

ولأنني كنتُ في السيارة الأولى من الموكب، طلبتُ من رفيقي أن يتوقف، فقد كان لديّ ما أعلنه.

وعلى بُعد ثلاثة أمتار من الرئيس، الذي كان يبتسم لي وأنا أتقدم نحوه، هتفتُ بحماسة:
— «نعم لتأميم ميفيرما! لا للتعويضات! بل هم من يجب أن يعوضونا!»

واصل المختار ابتسامته وهو يحيّي الجماهير التي كانت تصفق بحرارة.

لكن وسط هتافاتي، استوقف نظري مشهدٌ مفاجئ لن أنساه أبدًا.

فقد ألقى أحد المتظاهرين ورقة نقدية من فئة ألف أوقية هديةً لطفل الرئاسة، فسارعت المربية الشابة إلى وسط الحشود لتعيد المال إلى صاحبه.

لقد ترك ذلك التصرف العفوي أثرًا عميقًا في نفسي. فقد بدت تلك الشابة متشبعة منذ ذلك الوقت بثقافة النزاهة والكرامة والاستقامة التي كانت تميز مدرسة المختار.

محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مدد راس
13/مايو 2026