الأحد
2026/05/17
آخر تحديث
الأحد 17 مايو 2026

الهندسة الاجتماعية الاقتصادية: كيف صاغت ماليزيا استقرارها ونموها عبر السياسة الاقتصادية الجديدة

منذ 3 دقيقة
الهندسة الاجتماعية الاقتصادية: كيف صاغت ماليزيا (…)
د.يربانا الحسين الخراشي
طباعة

تُعد السياسة الاقتصادية الجديدة في ماليزيا علامة فارقة ومثيرة للجدل في تاريخ التخطيط التنموي وبرامج التمييز الإيجابي على مستوى العالم، وقد أُطلقت هذه السياسة في عام 1971، ومثّلت تحولاً عميقاً في تعاطي الدولة مع مجتمعها متعدد الأعراق، إذ لم تكن مجرد حزمة من الأهداف الاقتصادية الكمية، بل كانت مشروعاً متكاملاً لإعادة الهندسة الاجتماعية، صُمم في أعقاب أعمال الشغب العرقية الدامية في 13 مايو 1969 بهدف تأمين الوحدة الوطنية وتحقيق الاستقرار السياسي عبر بوابة إعادة توزيع الثروة.
(1)
الجذور التاريخية
تشكّلت المرجعية التاريخية لـلسياسة الاقتصادية الجديدة كاستجابة حتمية للاختلالات البنيوية التي خلّفها الاستعمار البريطاني، الذي أدار البلاد عبر استراتيجية فرّق تسد، مكرّساً فرزاً سوسيوجغرافياً ربط الهوية العرقية بالوظيفة الاقتصادية والمجال الحيزي. ونتيجة لذلك، هيمنت الأقلية ذات الأصول الصينية، التي تشكل نحو 23% من السكان على قطاعات التعدين والتجارة الحضرية والأنشطة الاقتصادية الحيوية، في حين عُزلت الأغلبية من الملايو والسكان الأصليين، الذين يشكلون نحو 53% من السكان، داخل نمط زراعة الكفاف التقليدية في المناطق الريفية النائية.
وبحلول عام 1970، تبلورت هذه التباينات في فجوة اقتصادية حادة، إذ تجاوز دخل الفرد لدى المواطنين من أصول صينية وهندية نظيره لدى الملايو بنسبتَي 129% و76% على التوالي، وعكست بنية ملكية رأس مال الشركات عمق هذا الخلل الفادح، حيث استحوذ رأس المال الأجنبي على حصة الأسد بنسبة 63.3%، يليه الماليزيون من أصول صينية بنسبة 27.2%، في حين انحسرت حصة الملاويين السكان الأصليين في حدود 2.4% فقط. أدى هذا التفاوت البنيوي إلى تعميق الشعور بالحرمان النسبي لدى الأغلبية، مما فجّر الأوضاع السياسية والأمنية بعيد الانتخابات العامة لعام 1969، متجلياً في أحداث 13 مايو الدامية. وفي إطار احتواء الأزمة، تشكّل مجلس العمليات الوطني (NOC) الذي صاغ عقيدة سياسية جديدة قوامها أن الاستقرار والوحدة الوطنية غايتان لا يمكن تحقيقهما إلا بتفكيك الفجوة الاقتصادية بين الأعراق عبر هندسة تنموية تتدخل فيها الدولة بشكل مباشر.
(2)
المحاور الاستراتيجية
لم تعتمد ماليزيا على قوى السوق الحر وحدها لتحقيق أهداف إعادة الهيكلة، بل أنشأت ترسانة من القوانين والمؤسسات لضمان تنفيذ السياسة الجديدة، حيث تحولت الدولة إلى دولة تنموية تتدخل مباشرة في تخصيص الموارد وتوجيه الاستثمار عبر مسارين متوازيين.
استهدف المسار الأول محاربة الفقر المدقع بغض النظر عن العرق، وركز على رفع مستويات المعيشة لجميع الماليزيين، لا سيما الفقراء في المناطق الريفية الذين ينتمي أغلبهم لعرقية الملايو، وذلك لتقليص معدل الفقر المطلق الذي بلغت نسبته 49.3% في عام 1970. وشملت الآليات التنفيذية لهذا المسار إعادة توطين وتمليك الأراضي من خلال هيئة تطوير الأراضي الفيدرالية (FELDA)، حيث جرى تحويل آلاف الأسر الريفية الفقيرة إلى مزارع منتجة لزيت النخيل والمطاط مع منحهم ملكية قانونية للأراضي، وتكامل ذلك مع جهود تحسين الإنتاجية الريفية من خلال توفير الدعم الفني وتسهيل الائتمان ومَد شبكات البنية التحتية الأساسية من ماء وكهرباء وطرق للقرى النائية لرفع كفاءة العمالة، بالإضافة إلى التمكين عبر الخدمات الأساسية وضخ استثمارات ضخمة في قطاعي التعليم والمراكز الصحية لضمان تكافؤ الفرص في التنمية البشرية.
أما المسار الثاني، فقد سعى إلى إعادة هيكلة المجتمع وتفكيك الارتباط بين العرق والوظيفة لضمان دمج الملايو كشركاء كاملين في الاقتصاد الحديث، حيث وُضع هدف كمي استراتيجي يرمي إلى رفع ملكية الملاويين في أسهم الشركات من 2.4% عام 1970 إلى 30% بحلول عام 1990، وتوزع هذا المحور على مستويين رئيسيين، ركز الأول منهما على إعادة هيكلة التوظيف والتعليم العالي من خلال تطبيق نظام الحصص التعليمية لبناء طبقة وسطى ملايوية، فرفعت الحكومة حصة قبولهم في الجامعات الحكومية إلى 70% في السبعينيات، وكثفت المنح الدراسية الخارجية في مجالات العلوم والتكنولوجيا، إلى جانب فرض توازن مهني عبر شروط صارمة على الشركات الكبرى لضمان أن تعكس عمالتها التركيبة العرقية للبلاد، مما أسهم في زيادة أعداد الأطباء والمهندسين والمحامين من الملاويين بشكل متسارع.
وتناول المستوى الثاني إعادة هيكلة ملكية رأس المال والشركات، ونظراً لأن الأفراد من الملايو لم يمتلكوا رأس المال الكافي للشراء المباشر، ابتكرت الدولة آليات مؤسسية قوية شملت تأسيس وكالات الأمانة السيادية مثل مؤسسة الاستثمار الوطنية (PNB) والشركة الوطنية (Pernas) لتتولى شراء وتملك الأسهم وإدارتها نيابة عن مجتمع الملايو. كما أطلقت الدولة صناديق الوحدة الادخارية (ASN) لتمكين الملايو البسطاء من استثمار مدخراتهم الصغيرة في محفظة أسهم ضخمة وتنافسية، مما ربطهم بالاقتصاد الحديث كشركاء حقيقيين وليس كأجراء فقط، بالتوازي مع فرض حصص الاكتتاب الإلزامية التي ألزمت الشركات التي تطرح أسهمها في البورصة بتخصيص 30% من أسهمها للمستثمرين الملاويين، مع منحهم خصماً تشجيعياً بنسبة 10% من سعر السوق.
(3)
حصاد التجربة
حققت السياسة الاقتصادية الجديدة نجاحات ملحوظة، وفي الوقت ذاته أفرزت تحديات هيكلية واضحة خلال فترة تطبيقها وامتداداتها اللاحقة. وتجلت المنجزات التنموية والاقتصادية في التقليص الحاد لمعدلات الفقر المدقع، إذ انخفضت نسبته من 49.3% عام 1970 إلى 16.7% عام 1990، واستمرت في التراجع حتى وصلت إلى أقل من 1% بحلول عام 2014. كما نجحت الدولة في تضييق الفجوة العرقية، فتقلصت فجوة الدخل بين الصينيين والملايو من 2.29 عام 1970 إلى 1.38 عام 2014، وترافق ذلك مع تحسن معامل جيني للعدالة التوزيعية على المستوى الوطني من 0.513 إلى 0.446. وشهدت ملكية الشركات تحولاً كبيراً، إذ قفزت حصة الملاويين في رأس مال الشركات من 2.4% عام 1970 إلى 20.3% عام 1990، وعلى الرغم من أن هذه النسبة لم تصل إلى الهدف المخطط له البالغ 30%، إلا أنها تزامنت مع تراجع هيمنة رأس المال الأجنبي من 63.3% إلى 25%. وبالموازاة مع هذه التغييرات الهيكلية، حافظت ماليزيا على استدامة نموها باقتصاد قوي سجل متوسطاً سنوياً تجاوز 7% بين عامي 1967 و1997، مما جعلها واحدة من أبرز النمور الآسيوية.
وعلى الجانب الآخر, واجهت هذه السياسة انتقادات وتحديات جوهرية تمثلت في ظهور رأسمالية المحاسيب، حيث أدى التدخل الواسع للدولة وتوزيع الحصص إلى نشوء طبقة رأسمالية قريبة من النخبة الحاكمة، مما أثر سلباً على عدالة التنافس الحر. كما أثارت سياسات التمييز الإيجابي طويلة الأمد مخاوف جدية بشأن معايير الكفاءة الجدارية وتكافؤ الفرص، وتسببت في بعض الفترات بجرء هروب جزئي لرؤوس الأموال والكفاءات المحلية من العرقيات الأخرى نحو الخارج فيما يُعرف بهجرة الأدمغة. ورغم الانتهاء الرسمي للمدة الزمنية المحددة للسياسة الاقتصادية الجديدة عام 1990، إلا أن جوهرها الفلسفي استمر كركيزة ثابتة في الخطط التنموية اللاحقة مثل سياسة التنمية الوطنية (NDP)، حيث ظل التوازن العرقي والعدالة الاجتماعية الموجه الأساسي للنموذج التنموي الماليزي.
(4)
الدروس المستفادة
مثّلت السياسة الاقتصادية الجديدة استجابة استثنائية وجريئة لأزمة وطنية وجودية كادت تعصف بكيان ماليزيا وتماسكها الاجتماعي. وفي حين لا يمكن إنكار نجاحها المبهر في استئصال الفقر وخلق طبقة وسطى مهنية وتجارية واسعة من الملايو، إلا أن الاعتماد المطول على نظام المحاصصة العرقية خلف نسيجاً اجتماعياً مستقطباً وتحديات هيكلية تتعلق بالكفاءة والقدرة على التنافسية. وتظل التجربة الماليزية مرجعاً استراتيجياً غنياً للدول النامية التي تسعى للتوفيق بين ضرورات الاستقرار الاجتماعي ومتطلبات النمو الاقتصادي، فهي تؤكد من جهة أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تُبنى على أسس اقتصادية غير عادلة، وتثبت من جهة أخرى أن سياسات التمييز الإيجابي تحتاج إلى حوكمة مرنة ومراقبة دقيقة تفضي في النهاية إلى تحول تدريجي ومدروس نحو نظام الاستحقاق والجدارة لضمان الاستدامة والتميز في ظل التنافسية العالمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين.

د.يربانا الحسين الخراشي