موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟ (2)
الحلقة الثانية: لماذا ارتفعت القيمة الاستراتيجية لموريتانيا أي لماذا أصبحت موريتانيا مهمة ؟
إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت أن العالم يتغير وأن قواعد اللعبة الدولية لم تعد كما كانت، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي جعل موريتانيا، بعد عقود من التهميش النسبي، تحظى باهتمام متزايد من القوى الدولية والشركات العملاقة؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من فهم طبيعة التحول الجاري في العالم.
فالعالم اليوم ينتج ما يزيد على 110 تريليونات دولار سنوياً، وتبلغ قيمة التجارة الدولية أكثر من 30 تريليون دولار. هذا الاقتصاد العملاق يعتمد على ثلاثة عناصر حيوية: الطاقة، والمعادن الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد. وأي اضطراب في أحد هذه العناصر ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي.
وقد شهد العقد الحالي ثلاث صدمات كبرى: الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات المتكررة في الشرق الأوسط والحرب على إيران، وتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. هذه الأحداث لم تكن مجرد أزمات سياسية، بل كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده على موارد وممرات محدودة.
لقد دفعت الحرب في أوكرانيا أوروبا إلى إعادة النظر في أمنها الطاقوي بعد تراجع الاعتماد على الغاز الروسي، فأصبح البحث عن مصادر جديدة للطاقة والهيدروجين الأخضر قضية استراتيجية لا مجرد خيار اقتصادي، بعدما فرّطت في عقود الطاقة الروسية الرخيصة في وقت تتزايد فيه حاجتها للطاقة، فلم يعد الحديث داخل أوروبا يقتصر على زيادة الإنفاق الدفاعي، بل امتد إلى مفاهيم “السيادة الاستراتيجية” و”السيادة الطاقوية” باعتبارهما شرطَين للحفاظ على المكانة الدولية.
خاصةً بعدما تورطت الدول الأوروبية في الحرب وتبنّت موقفاً عدائياً ضد روسيا، وأنفقت قرابة 1.3 تريليون دولار في دعم أوكرانيا. وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات القادة أهمية خاصة لأنها تكشف طريقة تفكيرهم تجاه المرحلة المقبلة. فقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إحدى تصريحاته الأخيرة أن الأوروبيين ارتكبوا خطأً استراتيجياً عندما راهنوا على هزيمة روسيا، وهو تصريح لا تكمن أهميته في جانبه العسكري بقدر ما يعكس طبيعة العلاقة التي قد تتشكل مستقبلاً بين روسيا وأوروبا، ويعزز القناعة الأوروبية بضرورة بناء بدائل طويلة الأمد في مجال الطاقة وعدم العودة إلى مستويات الاعتماد السابقة.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن أزمة هرمز جعلت الدول الأوروبية تفكر في شمال أفريقيا وغربها بديلاً عن آسيا، بسبب تصاعد التوتر في تلك المنطقة مع وجود دول كبيرة تملك طموحات متعددة مما يؤثر على سلاسل الإمداد والصناعات والممرات الدولية.
وفي الوقت نفسه، يتصاعد الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين التي باتت تسيطر على جزء كبير من تكرير المعادن النادرة الضرورية للبطاريات والإلكترونيات وأنظمة الدفاع المتقدمة. وتسعى عبر مجموعة بريكس إلى بناء قطب مالي واقتصادي خارج منظومة الدولار، تتوسع دائرته لتشمل دولاً كانت حتى وقت قريب في صلب المجال الاستراتيجي الأمريكي . ينضاف إلى ذلك عدم اليقين الأوروبي من حلفهم القديم، فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنظرائه الأوروبيين إن “يستيقظوا، فالكل ضدهم: روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهذه لحظة فريدة لذا فهذا الوقت مناسب لنا جداً”.
. هذا التحول يجعل التنافس على الموارد أشد حدة، ويرفع من قيمة كل دولة تملك ما يحتاجه الطرفان او كل الأطراف وسيكون مفتوحا أمام كل دول العالم باشتراطات أقل من النظام الذي يسيطر عليه الغرب .
إن حلف بريكس بصفة خاصة يتجه نحو الاعتماد على الذهب، وقد بدأ بالفعل يثير اهتمام العالم؛ إذ وجّه رئيس الوزراء الإسباني نداءً للصين “بأن تعزز النظام متعدد الأقطاب باعتبارها قوة عظمى”.
وموريتانيا في قلب هذه الصدمات الثلاث، لا على هامشها. فهي من أقرب الدول إلى أوروبا التي تبحث عن طاقة بديلة، وهي خارج دائرة التوتر في هرمز مما يجعلها ممراً آمناً وبديلاً موثوقاً، وهي تمتلك من المعادن الاستراتيجية ما يجعلها ورقة في الصراع الأمريكي الصيني على موارد المستقبل
كما أن الصناعات التي تشكّل مركز التنافس العالمي تقوم على مجموعة من المعادن النادرة المنتشرة في مناطق عديدة من العالم، من بينها موريتانيا. هذه الوضعية جعلت التنافس على الفرص لم يعد فقط بين القوى الكبرى حول الأسواق أو النفوذ السياسي، بل أصبح سباقاً على تأمين الموارد التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل وسرعة نقلها. فالسيارة الكهربائية الواحدة تحتاج إلى معادن أكثر بكثير من السيارة التقليدية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات العسكرية المتطورة تعتمد جميعها على معادن استراتيجية يُتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي عليها خلال العقود القادمة، مما جعل الدول التي تملك هذه الموارد في قلب المنافسة بصرف النظر عن حجمها.
إن انتقال الاهتمام العالمي من البحث عن النفط فقط إلى البحث عن الطاقة بكل أشكالها، وعن المعادن التي تُتيح التكنولوجيا الحديثة، هو الذي جعل موريتانيا مهمة.
أهمية موريتانيا
فموريتانيا لم تعد كما كانت مجرد دولة صحراوية تقع على أطراف غرب أفريقيا، بل إن هذا الواقع جعل العالم ينظر إليها لما تمتلك من العناصر التي أصبحت مطلوبة بشدة في النظام العالمي الجديد، خاصةً أن المؤشرات المعدنية مرتفعة فيها بشكل كبير ولا تزال خارج نطاق الاستكشاف الكامل، وربما تملك الدول المتقدمة معلومات أكثر.
فهي تمتلك واحداً من أفضل المواقع الجغرافية لإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتقع على مسافة قصيرة نسبياً من الأسواق الأوروبية التي تبحث عن مصادر طاقة مستقرة وقريبة. كما أنها تملك احتياطيات كبيرة من الحديد والذهب والنحاس ومعادن أخرى تزداد أهميتها مع التحول الصناعي والتكنولوجي العالمي.
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية هذا التحول. فمنذ فترة بات الحديث في موريتانيا يدور حول شراكات ومشاريع واستثمارات بمليارات الدولارات؛ إذ كانت تازيازت تسعى لاستثمار 10 مليارات دولار لتطوير منجمها، فيما تجاوزت استثمارات مشروع الغاز المشترك بين موريتانيا والسنغال 7 مليارات دولار، كما أُعلن عن مشاريع ضخمة في مجال الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، إضافةً إلى استثمارات متزايدة في قطاع التعدين. هذه الأرقام تعني تحولاً ضخماً في القيمة.
إن ما يجري اليوم لا يتعلق بزيادة حجم الاستثمارات فحسب، بل بتحول عميق في النظرة إلى موريتانيا نفسها. فالدولة التي كانت تقع على هامش الحسابات الدولية أصبحت تمتلك عناصر تحتاجها القوى الكبرى في لحظة تاريخية يتزايد فيها الطلب على الطاقة والمعادن بصورة غير مسبوقة. ومن هنا يمكن فهم الزيارات الدولية المتكررة والإعلانات المتلاحقة عن مشاريع بمليارات الدولارات — فهذه ليست أحداثاً منفصلة، بل تعبير عن حقيقة واحدة: القيمة الاستراتيجية لموريتانيا ترتفع.
غير أن ارتفاع القيمة الاستراتيجية ليس نعمة خالصة. فالدول التي تمتلك موارد مطلوبة دون أن تمتلك مؤسسات راسخة وقدرة تفاوضية حقيقية كثيراً ما تجد نفسها في موقع المُستنزَف لا المستفيد. وهذا هو التحدي الداخلي الذي لا يمكن تجاهله: هل تملك موريتانيا اليوم من الحوكمة والكفاءة التفاوضية ما يجعلها شريكاً لا مجرد مورد؟
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لم يعد أن يكتشف العالم موريتانيا، فقد بدأ ذلك بالفعل، وإنما أن تُدرك النخبة الموريتانية أن قواعد اللعبة نفسها قد تغيرت. فالدول التي ترتفع قيمتها الاستراتيجية تدخل مرحلة جديدة من الفرص، لكنها تدخل في الوقت نفسه مرحلة جديدة من المنافسة والضغوط والتحديات.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم لم يعد: لماذا أصبحت موريتانيا مهمة؟ بل: هل نحن مستعدون لإدارة دولة أصبحت أهم مما كانت عليه بالأمس؟
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار



