الأربعاء
2026/07/15
آخر تحديث
الأربعاء 15 يوليو 2026

الإنترنت سلاح ذو حدين

14 يوليو 2026 الساعة 22 و47 دقيقة
الإنترنت سلاح ذو حدين
طباعة

رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية

الموضوع
الإنترنت سلاح ذو حدين .
• تفكير وطني
حول استخدامه

فخامة رئيس الجمهورية

أصبح الإنترنت اليوم أداة لا غنى عنها في حياتنا المعاصرة ؛ إذ يتيح إمكانات هائلة في مجالات التعليم ، والصحة ، والاتصال ، والتجارة ، والوصول إلى المعرفة .

فمن خلاله ، يستطيع المواطنون التعلم ، والعمل ، والاستثمار ، والحفاظ على التواصل مع ذويهم .

كما تمكنت العديد من الإدارات العمومية من تحديث خدماتها ، بفضل التحول الرقمي .

غير أن الإنترنت يمثل أيضا سلاحا ذا حدين ؛ إذ إن اثاره السلبية اخذة في التفاقم بشكل يبعث على القلق ويستدعي اهتماماً خاصا .

أصبحت اليوم - في كثير من الأسر - النفقات المرتبطة باشتراكات الإنترنت ، تشكل عبئا ماليا حقيقيا . فكثير من الأطفال يطلبون يوميا مبلغ مائتي أوقية لشراء رصيد بيانات يمكنهم من اللعب عبر الإنترنت . وهو إنفاق يومي يتراكم ، ليشكل ضغطا كبيرا على ميزانية الأسرة .
وتزداد خطورة الوضع لدى بعض المراهقين الذين يطلبون ما بين خمسمائة وألف أوقية يوميا ؛ أحيانا لأغراض لا يعرفها الآباء ، أو لا يستطيعون مراقبتها. ويؤدي ذلك إلى العزلة ، والتعرض لمحتويات غير ملائمة ؛ وأحيانا إلى سلوكيات تنطوي على مخاطر .

ولا تقتصر مخاطر الإنترنت على الأطفال والشباب ، بل تشمل الكبار أيضا ؛ حيث تختلط المعلومات المفيدة بالمعلومات المضللة والكاذبة والضارة . كما تنتشر الشائعات والأخبار الزائفة والإثارة الإعلامية بسرعة فائقة ، فتؤثر في الرأي العام ، وتثير التوترات ، وتصرف المواطنين عن الأولويات الحقيقية .

ومن أكبر التحديات التي يفرضها العصر الرقمي ، الإدمان على استخدام الوسائط الرقمية . فكثير من الأشخاص يقضون ساعات طويلة أمام هواتفهم المحمولة... على حساب أسرهم ، وأعمالهم ، ودراستهم ، وصحتهم . وقد أصبح هذا النوع من الإدمان معترفا به اليوم ، باعتباره قضية حقيقية من قضايا الصحة العامة في العديد من البلدان .

فخامة الرئيس

إن الإنترنت - شأنه شأن الإذاعة والتلفزيون وغيرها من الاختراعات - لم يُبتكر في بلادنا ، وإنما نشأ في مجتمعات تمتلك تقاليد علمية وتكنولوجية راسخة ؛ حيث تسهم الأسرة ، والمدرسة ، والجامعات ، ومراكز البحوث ، ووسائل الإعلام ، والسلطات العمومية في تثقيف المواطنين . ويتلقى الأطفال والشباب وذوو المستويات التعليمية المحدودة وسائر البالغين ، يتلقون توعية مستمرة بمزايا هذه التقنيات ومخاطرها ، وأفضل أساليب استخدامها وحدود الاستفادة منها .

أما في بلادنا ، فما زالت ثقافة التوجيه والمرافقة الرقمية في بداياتها . فعندما يقتني المواطن دواء ، يجد معه نشرة توضح دواعي الاستعمال ، وموانعه ، والاحتياطات الواجب اتخاذها . أما الإنترنت ، فيوضع بين أيدي الجميع من دون أي " دليل استعمال " حقيقي ، يهيئ المواطنين لفهم فوائده ومخاطره وحدود استخدامه .
وتزداد هذه الإشكالية خطورة ، بالنظر إلى أن مستوى التعليم لا يزال يشكل تحديا وطنيا ؛ إذ ما زالت نسبة معتبرة من السكان تواجه صعوبات في محو الأمية وفي التحكم في الأدوات الحديثة . وفي مثل هذه الظروف ، يصبح من الصعب على كثير من المواطنين ، التمييز بين المعلومات الموثوقة والمعلومات المضللة ؛ أو إدراك مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي ، أو الوقاية من الآثار السلبية للاستخدام المفرط للإنترنت .

ومن هنا ، يبدو من الضروري إطلاق حملة وطنية دائمة وواسعة النطاق للتوعية ، تُعبَّأ لها جميع وسائل الاتصال المتاحة ، بما في ذلك التلفزيون والإذاعة ، والصحافة ، ومنصات التواصل الاجتماعي ، والمساجد ، والمؤسسات التعليمية ، والجامعات ، والإدارات العمومية ، والجمعيات ، والجماعات المحلية . وينبغي لهذه الحملة أن تشرح - بلغة مبسطة وميسرة - مزايا التحول الرقمي ؛ كما توضح مخاطره ، وأضراره ، ومحاذير الاستعمال المفرط ، ومخاطر الإدمان ، وانعكاساته على الصحة والحياة الأسرية ، والنجاح الدراسي ، والإنتاجية ، والتماسك الاجتماعي .

لا ينبغي أن تكون هذه الحملة ظرفية أو موسمية ، بل يجب أن تكون مستمرة ودائمة ومتكيفة مع مختلف فئات المجتمع . فمن خلال ترسيخ ثقافة رقمية مسؤولة ، سيتمكن مجتمعنا من الاستفادة المثلى من هذه التكنولوجيا ، مع الحد من آثارها السلبية .

وفي هذا السياق ، لا تقتصر مسؤولية الدولة على تطوير البنية التحتية الرقمية ؛ بل تشمل كذلك حماية المواطنين عبر التربية ، والوقاية ، والتأطير . ولذلك ، فإن أي تفكير في الحد من بعض استخدامات الإنترنت ، ينبغي أن يسبقه إعداد الرأي العام من خلال هذه الحملة الوطنية الكبرى للتوعية . فبدون تهيئة المواطنين وإدراكهم لطبيعة التحديات ، قد يُساء فهم أي إجراء من هذا القبيل ؛ وقد لا يحقق النتائج المرجوة .

فقط سيكون من المناسب بعد هذه المرحلة من الإعلام والتوعية والحوار ، دراسة مختلف الخيارات ؛ وذلك بالتشاور مع الخبراء ، ومشغلي خدمات الاتصال ، والمربين ، وأولياء الأمور ، ومكونات المجتمع المدني ... بهدف الحد من الاستخدام المفرط للوسائط الرقمية . ومن بين هذه الخيارات - وعلى سبيل التجربة - يمكن التفكير في تعليق جزئي ، أو تقييد بعض خدمات الإنترنت لمدة يومين في الأسبوع ، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية مثل خدمات الطوارئ ، والإدارة ، والتعليم ، والأنشطة الاقتصادية ، ووسائل الاتصال الضرورية .

وفي هذا الصدد ، اسمحوا لي بملاحظة تحمل شيئا من الطرافة : فإذا كان العمال يستفيدون ، عن حق ، من يومي راحة أسبوعيا حفاظا على توازنهم ، فلماذا يبدو من غير المقبول التفكير في نوع من " الاستراحة الرقمية " في وقت أصبح فيه الإنترنت - بالنسبة لكثيرين - وسيلة للترفيه وإضاعة الوقت ، أكثر منه أداة حقيقية للعمل . إن هذا التساؤل ليس حكما نهائيا ، بل دعوة لفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول .

فخامة الرئيس

إن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يبقى في خدمة الإنسان ، لا أن يصبح الإنسان في خدمته . وتقع على عاتقنا جميعا مسؤولية إيجاد التوازن بين الاستفادة من مزايا الرقمنة ، وبين حماية مجتمعنا من آثارها السلبية .

وأعرب عن أملي في أن تسهم هذه الرسالة في إثراء التفكير الرامي إلى بلورة سياسة وطنية تحقق التوازن بين الابتكار ، والحرية، والتربية ، والمسؤولية ، وحماية المواطنين .

وتفضلوا ، فخامة رئيس الجمهورية ، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام .

محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس للمعهد الدولي للبحوث والدراسات الاستراتيجية (2IRES)
14 يوليو 2026