الثلاثاء
2026/07/21
آخر تحديث
الثلاثاء 21 يوليو 2026

من سيخلف غزواني؟ (الحلقة الثانية وقبل الأخيرة )

منذ 1 دقيقة
من سيخلف غزواني؟ (الحلقة الثانية وقبل الأخيرة )
طباعة

هناك خياران:

* خيار تقليدي.
* خيار استراتيجي.

أولاً: الخيار التقليدي… استخلاف شخص بعينه

ما معايير الخلافة؟ ومن هو الشخص الذي يحظى بثقة غزواني الكاملة؟ ذلك الشخص القادر على التعايش مع هذه الفسيفساء المتناقضة داخل نظام غزواني، بحيث يطمئن كل طرف إلى موقعه، ويحصل بذلك على دعم أجنحة النظام المتصارعة بالحماس نفسه. إنها أجنحة تتصارع بصمت، ويخرج صراعها عن السيطرة بين الفينة والأخرى ، وقد استطاع كل جناح منها أن يجمع حوله مناصرين وأنصاراً. ولذلك فإن أي خليفة محتمل لابد أن يكون قادر على إدارة هذه التوازنات .

وبالقدر نفسه من اليقين، يجب أن ينعم غزواني، بعد مغادرته السلطة، براحة تامة. وهو الخيار الذي رفضه ولد عبد العزيز. فقد قال غزواني، في حديث خاص، إنه لم يكن ليسلم ولد عبد العزيز لأي أحد، لولا أنه دفع بنفسه إلى ذلك الموقف. وفي المقابل، يُعرف عن غزواني ميله إلى التواري والابتعاد عن التفاخر بالنفوذ، فعندما كان يشغل موقع الرجل الثاني في السلطة؛ لم يُكشف عن وزنه الحقيقي في النظام للعلن بل كان يتجنب التباهي بالتأثير بل وحتى لقاء الناس .
وعندما استلم السلطة حافظ على نفس السلوك لدرجة أن الرأي العام كانوا يتهمونه بالغياب، في الوقت الذي كان يعمل فيه لقرابة عشر ساعات يومياً. ولذلك فمن المرجح أنه سيترك لخلفه مساحة واسعة لإدارة السلطة، من دون تدخل يربك تجربته.

إن هذا الشخص، أو هذا الخلف، يجب أن يكون قابلاً للتسويق سياسياً، وألا يواجه رفضاً مسبقاً إلا من قدر يسير من أركان النظام ورجال الأعمال، وأن يخرج من الانتخابات بشرعية سياسية ومشروعية انتخابية تمكنانه من مواجهة أي مطالب قد تستهدف غزواني بعد مغادرته السلطة، كما حدث مع الرئيس السابق. كما ينبغي أن يحظى باحترام المؤسسة العسكرية وثقتها في قدرته على حفظ الأمن والاستقرار، خاصة أن البلد اعتاد، بعد كل استحقاق انتخابي، على موجة شطط وشغب هدفها مناورات سياسية مع السلطة يقوم بها بيرام الداه أعبيد .

وفي تقديري، لا تتوافر هذه المعايير كاملة في أي من الشخصيات الموجودة اليوم في واجهة النظام. فهل يوجد في الظل من يحمل هذه المواصفات؟ وإذا وجد، فما فرص نجاحه؟

إن غزواني، كأي رئيس في السلطة، يستفيد مما يمكن تسميته بـ«شعبية الكرسي»، وهي ذلك الرصيد الانتخابي الذي يحظى به الرئيس بحكم موقعه، ويُقدَّر ـ في رأيي ـ بما بين 27 و30 في المائة من أصوات الناخبين، نتيجة تأثير الدولة، والقبائل، والإدارة، وكبار الموظفين، وبعض مراكز النفوذ. ولذلك فإن أي رئيس في السلطة يحتاج، عملياً، إلى حشد ما بين 22 و25 في المائة إضافية فقط للتجديد .لقد حصل غزواني على 54 في المائة من الأصوات ، بعد حملة انتخابية كبيرة، أي زيادة كبيرة وفي ظل منافسة بسيطة .
الأمر الذي يقودنا للسؤال الحقيقي هو: فهل هذه الشعبية قابلة للتحويل إلى شخص آخر؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فإلى أي حد؟ وما العوامل التي تتحكم في انتقالها؟ خاصة أن هذا الرصيد تعرض، في السنوات الأخيرة، لنزيفين مهمين.

النزيف الأول جاء من داخل النظام نفسه؛ نتيجة تراجع بريق القوى التقليدية التي هي العمود الفقري لشعبية الكرسي ، وعدم رضا جزء معتبر منها، وتفكك الأرستقراطية العسكرية التي كانت تشكل أحد أهم محركي هذه القوة ، مع انتقال مركز الثقل في تعامل الدولة إلى دائرة ضيقة من رجال الأعمال، وربما إلى شخص أو شخصين فقط، في مقابل وجود صف طويل من رجال الأعمال على الهامش، معروف عنه الطموح الكبير في التأثير داخل السلطة.

ينضاف إلى ذلك استمرار تدوير بعض الشخصيات التي ارتبطت، في نظر الرأي العام، بملفات الفساد، بفعل نفوذ مراكز القوى وصراع أجنحة النظام على الاحتفاظ برجالاتها داخل ماكينة الدولة، بل وحتى الإبقاء على بعض وجوه الأنظمة السابقة في الواجهة، رغم ما يحيط بها من رفض شعبي. مما جعل قمرة مكتظة بالشخصيات التي تواجه انتقادات متواترة ، كما يضاف إلى ذلك ايضا ضعف انسجام الأغلبية الداعمة للرئيس، وصعوبة ضمان تماسكها الكامل عند انتقال السلطة.

ومن جهة أخرى، فإن موجتي المساندة الكبيرتين عند إعلان الترشح وبعد الفوز من النخبة اللتين التحقتا غزواني في بداية عهده من خارج هذا الروّاق ، خاصة من الشخصيات الوطنية المستقلة، تعرضتا للابعاد مع مرور الوقت بسوء سوء تقدير قيمتهم . ويبدو أن جزءاً مهماً من هذا الرصيد استنزفته ممارسات المحيطين بالرئيس أكثر مما استنزفته سياساته الشخصية. وربما يدرك غزواني نفسه أن كثيراً من لقاءاته الخاصة أصبحت تذهب إلى جبر الخواطر، بينما يصعب إصلاح ما أفسدته سنوات من أداء البطانة، خصوصاً أنه أمضى الجزء الأول من عهده في سياسة الانفتاح على المجتمع، وهو ما يجعل العودة إلى نقطة البداية أكثر صعوبة.

أما النزيف الثاني، فيتمثل في التحولات الديموغرافية والاجتماعية؛ إذ أصبح الشباب يشكلون نحو ثلاثة أرباع المجتمع، ويمثلون أغلبية الكتلة الناخبة، كما أصبحوا أقل خضوعاً لتوجيهات الزعامات التقليدية، وأكثر تأثراً بوسائل التواصل الاجتماعي، وهي فضاءات لا تخضع لسلطة الدولة، ولا لسلطة القبيلة، ولا لسلطة النخب التقليدية، الأمر الذي يجعل السلوك الانتخابي أكثر استقلالاً وأقل قابلية للتوجيه.

إن هذه المعطيات تجعل خيار الاستخلاف، وفق الشروط السابقة، أكثر صعوبة، وتتطلب له ظروفاً استثنائية، مع بقاء نتائجِه غير مضمونة.

ويزداد الأمر تعقيداً إذا أخذنا في الاعتبار أن القوى السياسية والإعلامية الداعمة للرئيس ظلت دائما في موقع زمام المبادرة للرد وأقل حماساً، وأكثر انقساماً، وأضعف انسجاماً مما كانت عليه في بداية المأمورية. كما أن الوريث المحتمل، في أغلب الظن، لا يملك رصيداً سياسياً مستقلاً، وهو ما يجعل نجاحه معتمداً، إلى حد بعيد، على قدرة الرئيس نفسه على حشد ما يكفي من الأصوات لصالحه.

وبذلك يصبح هذا الخيار، على الرغم من أنه الأكثر تداولاً، هو الأصعب من الناحية العملية، لأنه سيستهلك الجزء الأكبر من الجهد السياسي للرئيس في معركة الخلافة، على حساب التركيز على إدارة الدولة وإنجاز الإصلاحات، وهو ما يقودنا إلى الخيار الثاني وفق أكثر الافتراضات عقلانية وموضوعية .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار