المسألة لم تعد مجرد خلل فني عابر.. بل يجب أن يقف الرئيس في هذه الأحداث إلى جانب الحقيقة المكشوفة كاملة
هذا النوع من الأحداث لا يمكن أن يمرّ دون معرفة السبب الحقيقي، ولا أعتقد أنه يمكن القبول بمثل أجوبة وزير الطاقة المتعالية والفارغة من أي مضمون، ولا الاكتفاء بتصريح مدير شركة الكهرباء ووعده بنشر نتائج التحقيق.
كشف الحقيقة هو أول عمل يجب القيام به لجبر خاطر المواطن في أعقاب هذه الحادثة القاسية متعددة الأضرار.
فالمسألة لم تعد مجرد خلل فني عابر، وإنما أصبحت قضية رأي عام تمسّ ثقة المواطن في المرفق العمومي وفي قدرة الدولة على الرقابة والمحاسبة خاصة أن هذا القطاع يعرف اضطرابات كبيرة ووعود متزايدة بكسب رهاناته . وسيكون بالتالي لهذا الحدث، وطريقة تعامل الحكومة معه، تأثير عميق في تقييم أدائها السياسي، وخاصة في مجال الشفافية وإدارة قطاع الطاقة.
هذا وقد ظل قطاع الطاقة مثارا للجدل بعدما شهدته أسعاره تقلبات كبيرة اثرب بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين مع تبريرات ضعيفة ومستكينة،كما أثير في مجال الطاقة أيضا أن سيارات المواطنين وممتلكاتهم قد تضررت بسبب وقود فاسد أو غير مطابق للمواصفات، لذلك فإن الأمر يتجاوز مجرد الخطأ الإداري إلى مسؤولية تستوجب تحديد مصدر الخلل: من استورد؟ ومن فحص؟ ومن تسلّم؟ ومن أجاز التوزيع؟ وكيف وصلت مادة غير مطابقة، إن ثبت ذلك، إلى منشآت عمومية أو إلى المستهلكين؟ولماذا يبقى السعر معلقا في السماء وإلى متى سيعود لحالته الأولى ؟ من يعطي تفسيرا واقعيا ومقبولا لكل هذه الأمور ؟
ولذلك يجب أن يقف الرئيس في هذه الأحداث إلى جانب الحقيقة المكشوفة كاملة، ثم بعد ذلك تأتي المحاسبة الصارمة لكل من له دخل، من قريب أو بعيد، في هذا الحدث. وهنا تحديداً يجب أن تظهر صرامة الرئيس، حتى تظل صورته بعيدة عن هذه الأحداث المريبة، وحتى لا تتحول أخطاء الإدارات والقطاعات إلى عبء سياسي تتحمله الرئاسة نفسها.
لقد ظلت الكهرباء واحدة من أكبر بؤر الإنفاق والاختلال والفساد في البلد ، وفي زمن ولد عبد العزيز؛ استحوذ القطاع، وفق الأرقام المتداولة حينها، على نحو 1.4 مليار دولار من التمويلات والديون،أي نسبة 20% في وقت كان إجمالي دين البلد في حدود خمسة مليارات دولار وميزانيته 800 مليار أوقية . ولا تزال الاستثمارات كبيرة ومتعددة في هذا القطاع، ومع ذلك فإن طموح المواطن لم يعد حتى الوصول إلى دعم الصناعة والزراعة ولاعلى كهرباء تدعم رخيصة ومستقرة، وإنما أصبح، في كثير من الأحيان، مجرد الحفاظ على تيار كهربائي مستمر يحفظ المواد الاستهلاكية، ويؤمّن جزءاً من مقتضيات الحياة البسيطة في هذه العاصمة التي تتلظى تحت درجات الحرارة المرتفعة.
ونواكشوط مدينة شديدة الهشاشة أمام الحرارة، ومناخها قاسٍ ومتقلب، ولذلك أصبحت الكهرباء من أساسيات الحياة اليومية والأمن الحضري والصحي والاقتصادي. ومن ثمّ، ينبغي أن تكون قدرة الشبكة الكهربائية واستعدادها لفترات الذروة الحرارية جزءاً أساسياً من التخطيط، لا أن تتحول كل موجة حر إلى اختبار جديد لقدرة المدينة على الاستمرار.
إن القضية في النهاية ليست انقطاعاً للكهرباء فقط، ولا وقوداً فاسداً فقط، وإنما قضية ثقة: هل تستطيع الدولة أن تقول للمواطن، بوضوح وشفافية، ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما حجم الضرر؟ ومن سيدفع ثمنه؟ وما الإجراءات التي ستمنع تكراره؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها التحقيق، وأن تُنشر أجوبتها كاملة للرأي العام. فالحقيقة أولاً، ثم التعويض للمتضررين إن ثبت الضرر، وبعد ذلك المحاسبة؛ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث بعد حادثة كهذه ليس الخطأ نفسه، وإنما أن تبقى الحقيقة مجهولة والمسؤولية ضائعة.
من صفحة الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




