السبت
2026/10/3
آخر تحديث
السبت 3 أكتوبر 2026

أيقونة الإغاثة «عنفار» بين الأسطورة والحقيقة؟!

منذ 4 ساعة
أيقونة الإغاثة «عنفار» بين الأسطورة والحقيقة؟!
طباعة

خلال زيارتي الأخيرة لمدينة شنقيط، اغتنمت فرصة وجودي هناك لمحاولة الإجابة عن بعض الأسئلة التي راودتني طويلًا حول شخصيات ارتبطت بالذاكرة الجماعية لمدينة شنقيط خاصة ولموريتانيا عامة، وفي مقدمتها الشاب الشاطر، أو الشريف الشاب، أو الشريف التلمساني، ثم شخصية عنفار التي تحولت إلى رمز للكرم والإغاثة، حتى أصبح اسمها حاضرًا في المثل الشعبي:
«أَصِلْ مَاهُ امْجِ عَنْفَارْ لأهل شِنْگِيطِ».
وضمن سلسلة أبحاثي «جئتكم من شنقيط بمفاهيم ووقائع تُنشر لأول مرة؟!»، سعيت للبحث عن الأصول الموثقة التي تسند هذه الرواية الشفهية وتُخرجها من دائرة الأسطورة إلى رحاب الحقيقة التاريخية.
وبعد البحث تمكنت من الاطلاع على وثائق ومصادر تسند جانبًا مهمًا من الرواية الشفهية..سأنشرها مستقبلا بحول الله.

واليوم أتوقف عند عنفار، أيقونة الإغاثة والكرم.
هو أبوبكر بن لعبيد بن سيد سال، المعروف بعنفار (اسويلي)، المتوفى سنة 1253هـ، التركزي نسبًا، والعلوي الشنقيطي عصبةً وسكنًا، من فرع أبناء سيد أحمد التركزيين، المدفون في مقبرة شنقيط.
وترتبط شهرته بقصة إغاثة أهل شنقيط خلال مجاعة قاسية.
فقد كان من عادة أهل المدينة أن يبعثوا قوافلهم، كل شهرين، إلى بلاد السودان لجلب المؤن. وفي إحدى المرات خرجت قافلتان متتاليتان ولم تعودا، بسبب انتشار الحمى والجدري في تلك البلاد، فاشتدت المجاعة في شنقيط.
وفي تلك الأثناء كانت قافلة عنفار، المكونة من 80 جملاً، تسير بين تيشيت ووادان. وعندما بلغه خبر المجاعة في شنقيط، واصل طريقه إليها بدلًا من العودة، رغم ما كان يعنيه ذلك من مخاطرة.
وصل عنفار إلى المدينة بقافلته المحملة بالحنطة، فوزعها على السكان مجانًا، وتروي الرواية أنه لم يكتف بذلك، بل جاء أيضًا بقدور من الطعام الجاهز، كان قد أعدها تحسبًا لشدة المجاعة.
وبعد نحو أسبوع وصل خبر هلاك القافلتين المفقودتين.
ثم جاء الفرج من الله؛ إذ هطلت أمطار غزيرة امتلأت بها الأودية والبطاح والتلال، فزرع أهل شنقيط بذور الحنطة التي جاءت بها قافلة عنفار، وفاضت المحاصيل، وتمكنوا من سداد قيمة القافلة له.
ومن هنا ارتبط اسمه بذاكرة تلك السنة، فقيل «عام إغاثة عنفار»، كما ارتبط المطر الذي جاء بعد المحنة باسم «عام عنفار».
وتؤكد بعض الوثائق الشنقيطية أن المنطقة عرفت في تلك الفترات سنوات شديدة من الجفاف وانقطاع المؤن. ومن بينها وثيقة تشير إلى أن سنة 1214هـ كانت سنة شدة بالغة، حتى صرح القاضي أحمد بن المختار بن أحمد المختار بن الطالب محمد بن المختار بن الأعمش بأنه أُبيح فيها للناس أكل الميتة والجيف بسبب ضرورة الجوع.
ولم تقف الوثائق عند شخص «عنفار»، بل أضاءت على أسرته التي استمرت في صناعة المشهد المحلي؛ فظهرت وثيقة هبة لزوجته «فاطمة بنت جد بن عبد» تعود لسنة 1266هـ، وبَرَز أبناؤه: محمد رمظان، والسالك، واسويد صاحب حديقة النخل الشهيرة بشنقيط.
ومن أبرز الوجوه في هذا النسل السيدة «مريم عنفار»، التاجرة التي نسجت شبكة تجارية واسعة؛ تنقل الملح من «سبخة أهل شماد» بتيرس والتمور من آدرار إلى بلاد السودان، وتعود بالبضائع، حتى غدت موردة رئيسية لأحمد ولد البشير، متخذة من منزلها الكبير في «أشريريك» (بين أطار وكدية جل) مركزًا لنشاطها.
واليوم، بينما لا يزال أحفاد هذا الرجل يمشون بيننا ويحمل بعضهم اسمه، يبرز تساؤل مشروع: إذا كان «عنفار» قد حُفر في الذاكرة الشنقيطية كأعظم رمز للإغاثة، فلماذا لا نعيد استنطاق هذا الرمز ليتحول إلى مشروع وطني؟
لماذا لا يحمل مشروع تابع لـ«تآزر» أو «الهلال الأحمر الموريتاني» اسم «عنفار» تخليدًا لهذه الذاكرة؟
فالأمر لا يتعلق بمجرد قصة شعبية، وإنما بذاكرة اجتماعية تستحق التوثيق والتحقيق، وتحمل قيمة إنسانية تتمثل في إغاثة الملهوف والتكافل وقت الشدة.
وقد تكون الخطوة الأولى هي جمع الوثائق والمخطوطات المتعلقة بالقصة، ومقارنتها بالروايات الشفهية، حتى نعرف بدقة أين تنتهي الأسطورة وأين تبدأ الحقيقة التاريخية.
فهل آن الأوان لكي نعيد اكتشاف «عنفار»؟

المصادر:
وثائق ومخطوطات مكتبة العربي ولد يب ولد مولاي الزين، رئيس جهة آدرار، (بالتصرف).
إفادة الدكتور الطالب بن المجتبى بن عنگر، الكويت: 27 جمادى الأولى 1446هـ / 29 نوفمبر 2024م، (بالتصرف).

لمرابط ولد لخديم