كيف نحارب الفساد وهو واحد منا؟
من هو الفساد؟ وهل لدينا فساد خاص بنا، أم أن فسادنا يلتقي، في جوهره ومظاهره، مع الفساد الموجود في مختلف دول العالم؟
هنا سنتحدث انطلاقًا من واقعنا، وليس استنادًا إلى مرجعية نظرية.
الفساد واحد منا، بل ومن عليتنا. قليلون فينا من لا يحملون شيئًا من جيناته. إن فسادنا جزء من طبع بدوي يقوم على الفردانية والذاتية والأنانية، وعلى التباهي وتعلق الفقير بمظهر الغني وعلى البحث عن الغني السريع . ثم هو ثقافة تقوم على اعتبار الملكية العامة مشاعًا، تؤيدها مصطلحات راسخة تمجّد الفساد وتجعله سلوكًا مقبولًا أو مفهومًا، من قبيل: «إل أتوال ش ظاگ» و«اتفگريش»واسويرتي"..
ويدعم ذلك نظام عام يرتبط فيه التعيين، في كثير من الأحيان، بالمزايا السياسية والخلفيات الانتخابية والقبلية، ويكثر فيه تزوير الشهادات؛ فيتحول الولاء إلى وسيلة للصعود، وتصبح الكفاءة أحيانًا آخر ما يُنظر إليه.
والفساد، فوق ذلك، سلوك ونمط حياة.
تظهر تجلياته الاجتماعية في الاستهلاك غير المنظم، وفي عجز الأسرة عن مقاومة حاجات تتزايد باستمرار، وفي مجاراة ثقافة «الطمي» الثقافي والاجتماعي، وفي بذخ الأعراس والأفراح بصفة عامة، بل وحتى الأحزان، وفي سباق المظاهر واللباس والزينة والسيارات والرحلات إلى الخارج، وفي تزايد غلواء الحياة الاجتماعية واتساع الفجوة بين ما نملك وما نريد أن نظهر به أمام الآخرين.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال الموظف الذي يأخذ رشوة، أو المسؤول الذي يختلس المال أو ذلك الذي يتغاضى عن التنفيذ السليم : كيف نحارب سلوكًا أصبح جزءًا من الثقافة الاجتماعية، وأصبح المجتمع نفسه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يفرض على أفراده أن يسايروه؟
الفساد شجرة كبيرة
الفساد شجرة كبيرة في مجتمعنا؛ تزهر وتبدّل ثوبها كل يوم وكل ساعة. تُربتها هي المجتمع، وجذورها قيمُه وعاداتُه، وأغصانها موظفوه ومؤسساته وممارساته، وثمرتها كل تلك المسلكيات التي تجعل الفساد قابلًا للحياة والاستمرار.
وكلما كانت العادات المرتبطة بالحياة الاجتماعية وبالمظاهر والاستهلاك أكثر رسوخًا، أصبح الفساد أكثر قدرة على التغلغل في المجتمع.
أما تجلياته السياسية، فتظهر في الحفاظ على المفسدين في الوظائف والمراكز الأساسية والتسييرية في الدولة، وفي معاقبتهم أحيانًا بإعفائهم مرحليًا من الوظيفة ثم إعادتهم إليها بقوة، وفي عدم تفعيل استقلالية القضاء بشأنه، وعدم محاربته في العلن وفضح ممارساته في المجتمع، وعدم تبني خطة وطنية صارمة لاستئصال جذوره الاجتماعية والمؤسسية.
فالفساد عندنا ليس حالة طارئة ولا انحرافًا فرديًا محدودًا؛ إنه شبكة تتداخل فيها المصالح والعادات والسلطة والمال، ويصبح فيها الفاسد احيانًا من صلب النظام الذي يحكمنا والذي يُفترض فيه أن يحاربه.
أما المظاهر السياسية للفساد، فتارة تتجسد في إرادة سياسة الحاكم لأجل تثبيت حكمه (وهي الحالة الأطول)، وتارة يكون رئيسنا ، وهو من يسير الفساد، وهي الافظع ،وتارة يتمثل في قيادات عليا ومسؤولين وزاريين، وتارة في قادة المؤسسات العسكرية والأمنية. وكثيرًا ما يشغل المفسدون مناصب سيادية وتنفيذية وإدارة لقطاعات ومؤسسات مستقلة ومشاريع حيوية في إطار امتداد نفوذ الكبار والقبلية والمحسوبية ودعم سلطان الفرد، وتغييب معايير المهنية والأحقية. وفي المقابل، يكون كبار رجال الأعمال وملاّك البنوك ومحيط الأنظمة أعضاء نشطين في هذه المنظومة، لا سيما في كسب الصفقات والمشاريع عند الإبرام والرقابة والتنفيذ.
أما الجوانب الأخرى في الاقتصاد والتجارة وتزوير الفواتير والتحايل على الكهرباء والجمارك والضرائب واستغلال التزوير، فيشغلها بعض التجار ورجال الأعمال.
وهكذا يصبح الفساد حاضرًا في السياسة والاقتصاد والإدارة، لا بوصفه استثناءً، وإنما بوصفه قدرة على التكيّف مع كل مرحلة وكل موقع.
الفساد أربع طبقات
الفساد لدينا يقوم على أربع قوائم، أو يتجسد في أربع طبقات رئيسية:
1. فساد في التعيينات والنظام السياسي: وهو الفساد المولد للفساد الأكبر.
2. فساد في المال العام: أي فساد التسيير والصفقات والرقابة والمتابعة.
3. فساد في الموارد: في طريقة منح الرخص بأنواعها وتسييرها ومتابعتها.
4. فساد في الاتفاقيات: سواء كانت استخراجية أو في مجالات أخرى مثل الصيد والطاقة.
وهذا الأخير من أكبر أنواع الفساد؛ لأنه لا يبدد المال العام فحسب، بل يبدد موارد البلد بأضعاف أضعاف الميزانية، ويضيّع فرصًا تفوق ما تنفقه الدولة، ويحرمها من أرباح محتملة وقيمة مضافة ونقل للخبرة والتكنولوجيا كان يمكن أن يغيّر مستوى الاقتصاد وحياة الناس.
إن خسارة مورد من موارد البلد أو إبرام اتفاقية سيئة (مثل اتفاقية "هندونغ" أو اتفاق الصيد مع الاتحاد الأوروبي أو "تازيازت" أو شركة النحاس أو اتفاقيات استخراج الغاز) لا تُقاس فقط بما تخسره الخزينة في صفقة واحدة عند نقاش النسب حتى بشكل جيد ، وإنما بما كان يمكن أن تحققه البلاد لو أُديرت مواردها بكفاءة ونزاهة من مزايا تفوق عشرات المرات ما تخسره الخزينة على مدى سنين عديدة.
1. فساد التعيينات والترقيات
فساد التعيينات وا لترقيات والترشيحات والامتحانات مع عدم إغفال التحسينات الرائعة الجديدة هو ما ظل يتحكم في موقف المواطن من تشكيك في شعارات ومسارات الإصلاح وجعله يمتنع عن مواكبته ، ويدفعه إلى اتخاذ موقف سلبي من الدولة. ومن جهة أخرى، هو الذي يجعل الدولة تتوقف عن التطور والتقدم ويعطل فاعلية المؤسسات.
إنها مثل ماكينة تشتغل بأعلى طاقتها بزيت قديم لا يتم تغييره.
عدم الكفاءة، وغياب الوطنية، وضعف المسؤولية، هي النموذج الأول للفساد في البلد؛ لأنها تعني إبعاد الطاقات وقوة الدفع عن المحرك.
ولهذا، كلما اعتقدنا أن البلد تطور، اكتشفنا أنه تأخر في العمق؛ لأن كل ما يظهر للعلن ليس سوى شكل ظاهري، بينما المضمون يتآكل من الداخل. وكلما كثر التشكيك في قدرة الدولة على الحركة والاستمرار، لجأنا لترقيعات سياسية كالحوارات الشكيلية لإعادة الثقة، تمامًا كسيارة تعطلت بسبب فقدان الطاقة يسعى صاحبها لمن يدفعه، بينما هو في الحقيقة بحاجة لتغيير البطارية أو القطعة التي توصل الطاقة للمحرك.
كما أن فساد السياسة يعني فساد النخبة، ويعني أن الدماء والأفكار التي تُحرّك الدواليب والأجهزة قديمة وفاسدة؛ وبالتالي تظل الدولة بلا روح تقدم ولا طموح حقيقي للتغيير، لأن القوة التي تدفع إلى ذلك ضعيفة وتفتقر لإرادة التغيير والمبادرة والابتكار والطاقة والمشروعية .
كل شيء يتحرك بفعل المآرب الشخصية، وكل طاقة يمكن أن تدفع الدولة إلى الأمام يجري تعطيلها أو إبعادها تلقائيا بسبب المناخ المسيطر أو إخضاعها لمنطق الولاء . وهنا يظهر أصل المشكلة: عندما تصبح الكفاءة خارج القرار والولاء داخل القرار، فإن الدولة قد تستمر في الحركة، لكنها لا تتقدم بالضرورة.
2. فساد التسيير: الفساد الذي يراه المواطن
أما فساد التسيير فهو الفساد الشائع الذي يُقضّ مضاجع المواطن ويثير غضبه، ويدفعه لاعتباره العائق الأول أمام كل صلاح، مع أنه — رغم خطورته — ليس سوى الجزء الظاهر من منظومة أوسع. ويتحقق ذلك عبر مظاهر رئيسية:
غياب المرجعية الواضحة لشغل المناصب التي تتطلب العلم والابتكار والكفاءة، وتهميش أصحاب المعارف والخبرات عن بناء وطنهم.
تدوير المفسدين والفاشلين.
صحيح أن الاختلال الكبير في الفرص وفي الوضع الاجتماعي في المجتمع ليس سوى ثمرة للفساد كما أن الثراء السريع والبنيان المتعاظم في الغالب ونمو شركات السطح هي في أغلبها ثمرة للفساد، وسببٌ في أن أغلب المشاريع والخدمات لا تُطبّق إلا بنسبة ضئيلة من أهدافها وتذهب قيمتها الحقيقة لمقدمي الخدمات أو المنفذين. وهكذا نمت طبقة من رجال الأعمال من دون جذور . كما أن طريقة التنفيذ تكون غالبًا بأدوات ضعيفة وخارج النظم والآجال المحددة، وتتخللها الرشوة والزبونية، وتتحول أحيانًا إلى عملية استنزاف لميزانية المشروع نفسها بدل تحقيق أهدافه.
فعلى سبيل المثال، نرى أن بعض المبادرات الراقية والموجهة لدعم الفقراء والطبقات الهشة، مثل تآزر، لم تغير من واقع الفقر ولا حتى حصاره عند حدود معينة ، رغم حمايتها للطبقات الهشة ودورها في مواجهة الصدمات ،لكنها من جهة أخرى دعمت ثراء مجموعة من السماسرة والوجهاء من خلال تنفيذ مشاريع بأموال طائلة خارج المواصفات ومنح الصفقات بالمحاباة، إن الفساد هو الذي يمنعها من الجدية والقضاء على جيوب الفقر أو خلق مجتمع منتج من داخل الفقراء كما خلقت هامشًا كبيرًا من الخدمات الجانبية التي تدعم الفساد.
وهكذا ينسحب الأمر على مختلف المشاريع التي لم تنفذ طيلة عقود ؛ وكذلك تنفيذ الأعمال، فمعظم الطرق تُستنزَف وتفسد قبل نصف عمرها الافتراضي، والعديد من المباني والمدارس تأتي بعيدة عن المواصفات الفنية والجمالية.
إن فساد التسيير الذي يراه المواطن كل يوم ليس إلا النتيجة الأخيرة لسلسلة تبدأ من فساد الاختيار والتعيين، مرورًا بفساد القرار، وصولًا إلى فساد التنفيذ.
كيف نحارب الفساد؟
أولًا، نبدأ بالإرادة السياسية.
لكن حتى مع وجود إرادة سياسية عليا لمحاربة الفساد ، فإن الأمر يتطلب روية واستراتيجية وخطة وأدوات ومتابعة، وحملة سياسية وإعلامية ودينية وأخلاقية؛ لأن كل طبقة من طبقات الفساد مرتبطة بالسلوك اليومي وبقيم المجتمع ومظاهر أفراحه، وتعيش عليه فئات أصبحت مسموعة الكلمة ولها دور في توجيه المجتمع.
إن الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفساد يجب أن يقوم على:
1. المواجهة الصارمة في الإدارة والاقتصاد: كشف مظاهر الفساد ومحاسبة مرتكبيه وفق القانون بقوة وصرامة .
2. الرقابة المجتمعية والمؤسسية: فرض رقابة قوية، وإنشاء هيئة لرصد ومتابعة الثراء المفاجئ والسلوكيات الضارة، ومراقبة تضارب المصالح ومصادر الثروة.
3. ضوابط الوظيفة العامة: وضع قواعد واضحة تمنع استغلال الوظيفة العامة في صناعة البذخ أو تحويل الموقع الإداري إلى وسيلة للنفوذ الشخصي .
إصلاح الدولة يبدأ من التعيين
والقضاء بصفة نهائية على التوظيف على أساس سياسي أو جهوي أو قبلي، وتحديد معايير واضحة للترقية وشغل المناصب الفنية والمالية في الدولة. ويكون التعيين من داخل القطاع حسب الكفاءة والأقدمية، أو من خارجه من خلال مسابقات شفافة، مع مواءمة الأجور مع ظروف الحياة والأسعار.
فمحاربة الفساد لا تبدأ فقط من مراقبة المال بعد إنفاقه، وإنما تبدأ من الشخص الذي نضعه في المكان الذي يقرر فيه كيف يُنفق المال، وكيف تُدار المؤسسة. ويعرف أين يضع توقيعه وكيف يحافظ على مصداقيته ، وإذا وضعنا الشخص الخطأ في المكان الخطأ ثم أنشأنا عشرات أجهزة الرقابة، فسنظل نعالج النتائج ونترك السبب الأصلي.
إصلاح المجتمع
ينبغي أن تتبنى الدولة برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا يركز على تقوية المحتويات المحلية والسيادة الغذائية بما يدعم القوة الشرائية للمواطن.
كما ينبغي بناء مشروع ثقافي وحضاري يقوم على التربية، ومشاركة الأسرة في ضبط سلوك الأبناء بالتعاون مع المدارس، وفرض نظام تربوي ورقابي صارم، مع تطوير منظومة المتابعة والتوجيه. ويتعين كذلك إصلاح الحياة العامة بما يتلاءم مع الموروث الديني والأخلاقي، وفرض شروط على السلوك العام للموظفين وتنظيم المناسبات بما يتوافق مع خطط الإصلاح.
فالمجتمع الذي يريد محاربة الفساد لا يمكنه الاكتفاء بمعاقبة الفاسد وهو يواصل تمجيد الثراء غير المبرر ويتسابق في الاستهلاك. فالعدوى تبادلية: الدولة تفسد المجتمع حين تكافئ الفاسدين، والمجتمع يعيد إنتاج الفساد حين يتكيف معه ويحمي المفسدين.
معركة وطنية ممتدة
لا يمكن محاربة الفساد بدون عملية وطنية ممتدة عبر الزمن، يُقودها رجال صارمون ومقتنعون بها في العمق، ومن خلال تبني سياسة إعلامية واجتماعية تدعم توجهات الدولة.
ولا بد من تفعيل دور القدوات الدينية، والمصلحين الاجتماعيين، والإعلام الهادف ، والمسرح والفن، ووسائل التواصل الاجتماعي كرافعة إعلامية لتغيير العادات السيئة وتشجيع المبادرات الإيجابية، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
فالفساد لا يعيش في المكاتب وحدها؛ إنه يعيش في الثقافة والممارسة اليومية ونظرة المجتمع إلى المال والسلطة. ولهذا فإن محاربته تحتاج إلى إعلام يفضحه، وتعليم يواجه جذوره، وثقافة تعيد تعريف النجاح، وأسرة تربي على المسؤولية، ودولة تطبق القانون.
هل نحتاج إلى هزة كبيرة؟
لا بد من قيادة وطنية تتبنى سياسة «إعادة الضبط» أو إحداث هزة كبيرة داخل المجتمع تضعنا أمام صفحة جديدة.
لا يعني ذلك هدم الدولة ومؤسساتها، وإنما اتخاذ قرارات شجاعة ومؤسسية في مجال الإدارة، والتعيينات، والصرامة في العقاب، والدقة في المتابعة.
فالفساد ليس شخصًا واحدًا لنقضي عليه بإزاحته، وليس موظفًا لننهيه بمعاقبته؛ الفساد منظومة تبدأ من فكرة تقول إن المال العام بلا حارس، وتنتهي بمشروع لا يعيش نصف عمره، أو وظيفة تُمنح لمن لا يستحقها، أو مورد يذهب بغير قيمته.
ومحاربة الفساد لا تعني في النهاية صرخة يطلقها المثقف ولا خطابا يلقيه الرئيس ويكرره ولا نقد صريح لحكومته بعدم الفاعلية، بل أن نعيد تعريف علاقتنا بالدولة، وبالمال العام، وبالوظيفة والمصلحة العامة. وإذا كان الفساد جزءاً من واقعنا اليومي، فإن معركتنا معه يجب كيف نحارب الفساد وهو واحد منا؟
من هو الفساد؟ وهل لدينا فساد خاص بنا، أم أن فسادنا يلتقي، في جوهره ومظاهره، مع الفساد الموجود في مختلف دول العالم؟
هنا سنتحدث انطلاقًا من واقعنا، وليس استنادًا إلى مرجعية نظرية.
الفساد واحد منا، بل ومن عليتنا. قليلون فينا من لا يحملون شيئًا من جيناته. إن فسادنا جزء من طبع بدوي يقوم على الفردانية والذاتية والأنانية، وعلى التباهي وتعلق الفقير بمظهر الغني وعلى البحث عن الغني السريع . ثم هو ثقافة تقوم على اعتبار الملكية العامة مشاعًا، تؤيدها مصطلحات راسخة تمجّد الفساد وتجعله سلوكًا مقبولًا أو مفهومًا، من قبيل: «إل أتوال ش ظاگ» و«اتفگريش»واسويرتي"..
ويدعم ذلك نظام عام يرتبط فيه التعيين، في كثير من الأحيان، بالمزايا السياسية والخلفيات الانتخابية والقبلية، ويكثر فيه تزوير الشهادات؛ فيتحول الولاء إلى وسيلة للصعود، وتصبح الكفاءة أحيانًا آخر ما يُنظر إليه.
والفساد، فوق ذلك، سلوك ونمط حياة.
تظهر تجلياته الاجتماعية في الاستهلاك غير المنظم، وفي عجز الأسرة عن مقاومة حاجات تتزايد باستمرار، وفي مجاراة ثقافة «الطمي» الثقافي والاجتماعي، وفي بذخ الأعراس والأفراح بصفة عامة، بل وحتى الأحزان، وفي سباق المظاهر واللباس والزينة والسيارات والرحلات إلى الخارج، وفي تزايد غلواء الحياة الاجتماعية واتساع الفجوة بين ما نملك وما نريد أن نظهر به أمام الآخرين.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال الموظف الذي يأخذ رشوة، أو المسؤول الذي يختلس المال أو ذلك الذي يتغاضى عن التنفيذ السليم : كيف نحارب سلوكًا أصبح جزءًا من الثقافة الاجتماعية، وأصبح المجتمع نفسه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يفرض على أفراده أن يسايروه؟
الفساد شجرة كبيرة
الفساد شجرة كبيرة في مجتمعنا؛ تزهر وتبدّل ثوبها كل يوم وكل ساعة. تُربتها هي المجتمع، وجذورها قيمُه وعاداتُه، وأغصانها موظفوه ومؤسساته وممارساته، وثمرتها كل تلك المسلكيات التي تجعل الفساد قابلًا للحياة والاستمرار.
وكلما كانت العادات المرتبطة بالحياة الاجتماعية وبالمظاهر والاستهلاك أكثر رسوخًا، أصبح الفساد أكثر قدرة على التغلغل في المجتمع.
أما تجلياته السياسية، فتظهر في الحفاظ على المفسدين في الوظائف والمراكز الأساسية والتسييرية في الدولة، وفي معاقبتهم أحيانًا بإعفائهم مرحليًا من الوظيفة ثم إعادتهم إليها بقوة، وفي عدم تفعيل استقلالية القضاء بشأنه، وعدم محاربته في العلن وفضح ممارساته في المجتمع، وعدم تبني خطة وطنية صارمة لاستئصال جذوره الاجتماعية والمؤسسية.
فالفساد عندنا ليس حالة طارئة ولا انحرافًا فرديًا محدودًا؛ إنه شبكة تتداخل فيها المصالح والعادات والسلطة والمال، ويصبح فيها الفاسد احينًا من صلب النظام الذي يحكمنا والذي يُفترض فيه أن يحاربه.
أما المظاهر السياسية للفساد، فتارة تتجسد في إرادة سياسية الحاكم لأجل تثبيت حكمه (وهي الحالة الأطول)، وتارة يكون رئيسنا وهو من يسير الفساد وهي الافظع ،وتارة يتمثل في قيادات عليا ومسؤولين وزاريين، وتارة في قادة المؤسسات العسكرية والأمنية وكثيرًا ما يشغل المفسدين مناصب سيادية والتنفيذية إدارة لقطاعات ومؤسسات مستقلة ومشاريع حيوية في إطار امتداد نفوذ الكبار والقبلية والمحسوبية ودعم سلطان الفرد، وتغييب معايير المهنية والأحقية. وفي المقابل، يكون كبار رجال الأعمال وملاّك البنوك ومحيط الأنظمة أعضاء نشطين في هذه المنظومة، لا سيما في كسب الصفقات والمشاريع عند الإبرام والرقابة والتنفيذ.
أما الجوانب الأخرى في الاقتصاد والتجارة وتزوير الفواتير والتحايل على الكهرباء والجمارك والضرائب واستغلال التزوير، فيشغلها بعض التجار ورجال الأعمال.
وهكذا يصبح الفساد حاضرًا في السياسة والاقتصاد والإدارة، لا بوصفه استثناءً، وإنما بوصفه قدرة على التكيّف مع كل مرحلة وكل موقع.
الفساد أربع طبقات
الفساد لدينا يقوم على أربع قوائم، أو يتجسد في أربع طبقات رئيسية:
1. فساد في التعيينات والنظام السياسي: وهو الفساد المولد للفساد الأكبر.
2. فساد في المال العام: أي فساد التسيير والصفقات والرقابة والمتابعة.
3. فساد في الموارد: في طريقة منح الرخص بأنواعها وتسييرها ومتابعتها.
4. فساد في الاتفاقيات: سواء كانت استخراجية أو في مجالات أخرى مثل الصيد والطاقة.
وهذا الأخير من أكبر أنواع الفساد؛ لأنه لا يبدد المال العام فحسب، بل يبدد موارد البلد بأضعاف أضعاف الميزانية، ويضيّع فرصًا تفوق ما تنفقه الدولة، ويحرمها من أرباح محتملة وقيمة مضافة ونقل للخبرة والتكنولوجيا كان يمكن أن يغيّر مستوى الاقتصاد وحياة الناس.
إن خسارة مورد من موارد البلد أو إبرام اتفاقية سيئة (مثل اتفاقية "هندونغ" أو اتفاق الصيد مع الاتحاد الأوروبي أو "تازيازت" أو شركة النحاس أو اتفاقيات استخراج الغاز) لا تُقاس فقط بما تخسره الخزينة في صفقة واحدة عند نقاش النسب حتى بشكل جيد ، وإنما بما كان يمكن أن تحققه البلاد لو أُديرت مواردها بكفاءة ونزاهة من مزايا تفوق عشرات المرات ما تخسره الخزينة على مدى سنين عديدة.
1. فساد التعيينات والترقيات
فساد التعيينات وا لترقيات والترشيحات والامتحانات مع عدم إغفال التحسينات الرائعة الجديدة هو ما ظل يتحكم في موقف المواطن تشكيك في شعارات ومسارات الإصلاح ويجعله يمتنع عن مواكبته ، ويدفعه إلى اتخاذ موقف سلبي من الدولة. ومن جهة أخرى، هو الذي يجعل الدولة تتوقف عن التطور والتقدم ويعطل فاعلية المؤسسات.
إنها مثل ماكينة تشتغل بأعلى طاقتها بزيت قديم لا يتم تغييره.
عدم الكفاءة، وغياب الوطنية، وضعف المسؤولية، هي النموذج الأول للفساد في البلد؛ لأنها تعني إبعاد الطاقات وقوة الدفع عن المحرك.
ولهذا، كلما اعتقدنا أن البلد تطور، اكتشفنا أنه تأخر في العمق؛ لأن كل ما يظهر للعلن ليس سوى شكل ظاهري، بينما المضمون يتآكل من الداخل. وكلما كثر التشكيك في قدرة الدولة على الحركة والاستمرار، لجأنا لترقيعات سياسية كالحوارات الشكيلية لإعادة الثقة، تمامًا كسيارة تعطلت بسبب فقدان الطاقة يسعى صاحبها لمن يدفعه، بينما هو في الحقيقة بحاجة لتغيير البطارية أو القطعة التي توصل الطاقة للمحرك.
كما أن فساد السياسة يعني فساد النخبة، ويعني أن الدماء والأفكار التي تُحرّك الدواليب والأجهزة قديمة وفاسدة؛ وبالتالي تظل الدولة بلا روح تقدم ولا طموح حقيقي للتغيير، لأن القوة التي تدفع إلى ذلك ضعيفة وتفتقر لإرادة التغيير والمبادرة والابتكار والطاقة والمشروعية .
كل شيء يتحرك بفعل المآرب الشخصية، وكل طاقة يمكن أن تدفع الدولة إلى الأمام يجري تعطيلها أو إبعادها تلقائيا بسبب المناخ المسيطر أو إخضاعها لمنطق الولاء . وهنا يظهر أصل المشكلة: عندما تصبح الكفاءة خارج القرار والولاء داخل القرار، فإن الدولة قد تستمر في الحركة، لكنها لا تتقدم بالضرورة.
2. فساد التسيير: الفساد الذي يراه المواطن
أما فساد التسيير فهو الفساد الشائع الذي يُقضّ مضاجع المواطن ويثير غضبه، ويدفعه لاعتباره العائق الأول أمام كل صلاح، مع أنه — رغم خطورته — ليس سوى الجزء الظاهر من منظومة أوسع. ويتحقق ذلك عبر مظاهر رئيسية:
غياج المرجعية الواضحة لشغل المناصب التي تتطلب العلم والابتكار والكفاءة، وتهميش أصحاب المعارف والخبرات عن بناء وطنهم.
تدوير المفسدين والفاشلين.
صحيح أن الاختلال الكبير في الفرص وفي الوضع الاجتماعي في المجتمع ليس سوى ثمرة للفساد كما أن الثراء السريع والبنيان المتعاظم في الغالب ونمو شركات السطح هي في أغلبها ثمرة للفساد، وسببٌ في أن أغلب المشاريع والخدمات لا تُطبّق إلا بنسبة ضئيلة من أهدافها وتذهب قيمتها الحقيقة لمقدمي الخدمات أو المنفذين وهكذا نمت طبقة من رجال الأعمال من دون جذور . كما أن طريقة التنفيذ تكون غالبًا بأدوات ضعيفة وخارج النظم والآجال المحددة، وتتخللها الرشوة والزبونية، وتتحول أحيانًا إلى عملية استنزاف لميزانية المشروع نفسها بدل تحقيق أهدافه.
فعلى سبيل المثال، نرى أن بعض المبادرات الراقية والموجهة لدعم الفقراء والطبقات الهشة مثل تآزر لم تغير من واقع الفقر ولا حتى حصاره عند حدود معينة ، رغم حمايتها للطبقات الهشة ودورها في مواجهة الصدمات لطبقات هشة ،لكنها من جهة أخرى دعمت ثراء مجموعة من السماسرة والوجهاء من خلال تنفيذ مشاريع بأموال طائلة خارج المواصفات ومنح الصفقات بالمحاباة، إن الفساد هو الذي يمنعها من الجدية والقضاء على جيوب الفقر أو خلق مجتمع منتج من داخل الفقراء كما خلقت هامشًا كبيرًا من الخدمات الجانبية التي تدعم الفساد.
وهكذا ينسحب الأمر على مختلف المشاريع التي لم تنفذ طيلة عقود ؛ وكذلك تنفيذ الأعمال فمعظم الطرق تُستنزَف وتفسد قبل نصف عمرها الافتراضي، والعديد من المباني والمدارس تأتي بعيدة عن المواصفات الفنية والجمالية.
إن فساد التسيير الذي يراه المواطن كل يوم ليس إلا النتيجة الأخيرة لسلسلة تبدأ من فساد الاختيار والتعيين، مرورًا بفساد القرار، وصولًا إلى فساد التنفيذ.
كيف نحارب الفساد؟
أولًا، نبدأ بالإرادة السياسية.
لكن حتى مع وجود إرادة سياسية عليا لمحاربة الفساد ، فإن الأمر يتطلب روية واستراتيجية وخطة وأدوات ومتابعة، وحملة سياسية وإعلامية ودينية وأخلاقية؛ لأن كل طبقة من طبقات الفساد مرتبطة بالسلوك اليومي وبقيم المجتمع ومظاهر أفراحه، وتعيش عليه فئات أصبحت مسموعة الكلمة ولها دور في توجيه المجتمع.
إن الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفساد يجب أن يقوم على:
1. المواجهة الصارمة في الإدارة والاقتصاد: كشف مظاهر الفساد ومحاسبة مرتكبيه وفق القانون بقوة وصرامة .
2. الرقابة المجتمعية والمؤسسية: فرض رقابة قوية، وإنشاء هيئة لرصد ومتابعة الثراء المفاجئ والسلوكيات الضارة، ومراقبة تضارب المصالح ومصادر الثروة.
3. ضوابط الوظيفة العامة: وضع قواعد واضحة تمنع استغلال الوظيفة العامة في صناعة البذخ أو تحويل الموقع الإداري إلى وسيلة للنفوذ الشخصي .
إصلاح الدولة يبدأ من التعيين
القضاء بصفة نهائية على التوظيف على أساس سياسي أو جهوي أو قبلي، وتحديد معايير واضحة للترقية وشغل المناصب الفنية والمالية في الدولة. ويكون التعيين من داخل القطاع حسب الكفاءة والأقدمية، أو من خارجه من خلال مسابقات شفافة، مع مواءمة الأجور مع ظروف الحياة والأسعار.
فمحاربة الفساد لا تبدأ فقط من مراقبة المال بعد إنفاقه، وإنما تبدأ من الشخص الذي نضعه في المكان الذي يقرر فيه كيف يُنفق المال، وكيف تُدار المؤسسة. ويعرف أين يضع توقيعه وكيف يحافظ على مصداقيته ، وإذا وضعنا الشخص الخطأ في المكان الخطأ ثم أنشأنا عشرات أجهزة الرقابة، فسنظل نعالج النتائج ونترك السبب الأصلي.
إصلاح المجتمع
ينبغي أن تتبنى الدولة برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا يركز على تقوية المحتويات المحلية والسيادة الغذائية بما يدعم القوة الشرائية للمواطن.
كما ينبغي بناء مشروع ثقافي وحضاري يقوم على التربية، ومشاركة الأسرة في ضبط سلوك الأبناء بالتعاون مع المدارس، وفرض نظام تربوي ورقابي صارم، مع تطوير منظومة المتابعة والتوجيه. ويتعين كذلك إصلاح الحياة العامة بما يتلاءم مع الموروث الديني والأخلاقي، وفرض شروط على السلوك العام للموظفين وتنظيم المناسبات بما يتوافق مع خطط الإصلاح.
فالمجتمع الذي يريد محاربة الفساد لا يمكنه الاكتفاء بمعاقبة الفاسد وهو يواصل تمجيد الثراء غير المبرر ويتسابق في الاستهلاك. فالعدوى تبادلية: الدولة تفسد المجتمع حين تكافئ الفاسدين، والمجتمع يعيد إنتاج الفساد حين يتكيف معه ويحمي المفسدين.
معركة وطنية ممتدة
لا يمكن محاربة الفساد بدون عملية وطنية ممتدة عبر الزمن، يُقودها رجال صارمون ومقتنعون بها في العمق، ومن خلال تبني سياسة إعلامية واجتماعية تدعم توجهات الدولة.
ولا بد من تفعيل دور القدوات الدينية، والمصلحين الاجتماعيين، والإعلام الهادف ، والمسرح والفن، ووسائل التواصل الاجتماعي كرافعة إعلامية لتغيير العادات السيئة وتشجيع المبادرات الإيجابية، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
فالفساد لا يعيش في المكاتب وحدها؛ إنه يعيش في الثقافة والممارسة اليومية ونظرة المجتمع إلى المال والسلطة. ولهذا فإن محاربته تحتاج إلى إعلام يفضحه، وتعليم يواجه جذوره، وثقافة تعيد تعريف النجاح، وأسرة تربي على المسؤولية، ودولة تطبق القانون.
هل نحتاج إلى هزة كبيرة؟
لا بد من قيادة وطنية تتبنى سياسة «إعادة الضبط» أو إحداث هزة كبيرة داخل المجتمع تضعنا أمام صفحة جديدة.
لا يعني ذلك هدم الدولة ومؤسساتها، وإنما اتخاذ قرارات شجاعة ومؤسسية في مجال الإدارة، والتعيينات، والصرامة في العقاب، والدقة في المتابعة.
فالفساد ليس شخصًا واحدًا لنقضي عليه بإزاحته، وليس موظفًا لننهيه بمعاقبته؛ الفساد منظومة تبدأ من فكرة تقول إن المال العام بلا حارس، وتنتهي بمشروع لا يعيش نصف عمره، أو وظيفة تُمنح لمن لا يستحقها، أو مورد يذهب بغير قيمته.
ومحاربة الفساد تعني في النهاية ليست صرخة يطلقها المثقف ولا خطابا يلغيه الرئيس ويكرره إلا و نقد صريح لحكومته بعدم الفاعلية بل أن نعيد تعريف علاقتنا بالدولة، وبالمال العام، وبالوظيفة والمصلحة العامة. وإذا كان الفساد جزءاً من واقعنا اليوم، فإن معركتنا معه يجب أن تبدأ من أنفسنا، لتصل إلى مؤسسات الدولة وقواعدها وطريقة اختيار قياداتها.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




