من سيخلف غزواني؟ (الحلقة الأخيرة)
ثانياً: الخيار الاستراتيجي
فما هو هذا الخيار؟
يقوم هذا الخيار على مقاربة مختلفة تماماً أكثر نفعا وأعمق اثراً بدلاً من الاستثمار في البحث عن وريث قادر على حماية المرحلة، يقوم على بناء مرحلة تكون هي نفسها الضامن الحقيقي للإرث السياسي، من خلال القيام بإصلاحات جوهرية، ووضع خطة استراتيجية طموحة تُحدث تحولاً اقتصادياً حقيقياً، وتطلق مشاريع كبرى قادرة على توظيف آلاف الشباب، ورفع مداخيل الدولة، وتعزيز القوة الشرائية للمواطنين .
إن التوجه مباشرة إلى الشعب من خلال التنمية، وإلى النخبة الوطنية الصالحة، هو الطريق الأقصر إلى الخروج الآمن. فالشعوب، عندما تلمس توجهاً صادقاً وحاسماً نحو الإصلاح، لا تحتاج إلى وسطاء كي تلتف حوله.
ولعل تجربة ولد عبد العزيز تقدم مثالاً واضحاً على أهمية وجود فكرة سياسية محركة للرأي العام. فقد استطاع أن يحشد قطاعات واسعة من الشعب تحت شعار «رئيس الفقراء»، رغم أن هذا الشعار لم يتحول إلى سياسات تعكس مضمونه الحقيقي، بينما كانت سياسات غزواني الاجتماعية أكثر قربا من ذلك الشعار (التأمين والرعاية الصحية، التوزيعات النقدية والغذائية المباشرة، محاربة الفقر والهشاشة، ودعم الصمود في وجه الأزمات...)، دون أن تملك فكرة محركة .. وخلال السنوات الأولى من حكم ولد عبد العزيز ، جرى الترويج لإنجازات، مثل المستشفيات والمطار والطرقات وغيرها، فشكّلت، في حينها، رافعة سياسية وإعلامية مؤثرة. ومع أن هذه الإنجازات لا تقارن، من حيث الحجم أو الأثر والتنوع والانتشار حسب الأرقام والشواهد، بما تحقق في عهد غزواني، فإنها امتلكت فكرة جامعة استطاعت أن تستحوذ على اهتمام الرأي العام، تماماً كما فعل خطاب مكافحة الفساد الذي استحوذ على عقول الناس سنوات طويلة، حتى خُيِّل إلى كثيرين أن النظام جاء لإنقاذهم من البؤس، وليطرد المفسدين من الدولة. وظل هذا الشعار طيلة سنوات حكمه يشكل العدسة التي نظر بها كثير من المواطنين إلى السلطة، قبل أن تكشف التجربة لاحقاً حجم النهب والاختلالات التي كانت تحجبها تلك الدعاية.
أما النخبة الحاكمة، فإنها ـ مع استثناء ضئيل ـ تنشغل بالصراع على النفوذ، وتقاسم المواقع والمكاسب، أكثر مما تنشغل ببناء الدولة. كما أن التجربة السياسية الموريتانية أظهرت، في أكثر من محطة، أن أغلبها يفتقد للوفاء السياسي؛ إذ سرعان ما ينفض أغلبهم من المنتفعين من حول الرئيس عندما يشعرون بتراجع نفوذه أو اقتراب نهاية مأموريته، فقد أصبح ذلك تقليدا، لا عارا.
ولذلك، فإن التعويل على هذه النخبة لضمان المستقبل الشخصي أو السياسي يظل رهاناً غير مضمون إن لم يكن خاسرا، لأنها تتحرك ـ في معظم الأحيان ـ وفق موازين القوة والمصلحة أكثر مما تتحرك وفق الاعتبارات السياسية أو الوطنية أو الاخلاقية. وبهذا يبقى الانتصار للمواطنين هو الانجاز الحقيقي، وهو وحده الذي يعوّل عليه بعد تغير موازين القوى.
ومن هنا، فإن الاستخلاف الأكثر ضماناً، بالنسبة لرئيس مثل غزواني، ليس إفراغ مجهوده في اختيار شخص بعينه، وإنما في تأسيس موريتانيا أكثر قوة. وذلك عبر إصلاحات جوهرية تبدأ بتقويض منابع الفساد داخل الدولة، واستعادة النخبة الوطنية التي أعلنت، منذ بداية المأمورية، استعدادها لدعم مشروعه الإصلاحي، وأخذت تتراجع تحت ضربات الإقصاء والتهميش، وإبعاد مراكز القوى التي تستنزف رصيده السياسي، وتبدد شعاراته، وتضعف ثقة المواطنين في القرارات الكبرى.
كما يقتضي ذلك مراجعات ونقاشات مع الشركات العاملة في البلد وبناء الشراكات الدولية الجديدة على رؤية أكثر دعما للتنمية، لا تقتصر على استغلال الموارد الخام، بل تركز على نقل الخبرة، وتطوير المحتوى المحلي، وتثمين الثروات الوطنية، وإقامة مشاريع إنتاجية كبرى تستوعب البطالة، وتخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وبالقدر نفسه، فإن نجاح الحوار الوطني ينبغي أن يتحول إلى أولوية استراتيجية، لا إلى مجرد محطة سياسية عابرة. فالحوار، إذا توافرت له الإرادة والشروط، يمكن أن ينتج مخرجات توافقية كبرى، تشكل مرجعية وطنية للإصلاحات، وترفع سقف الطموح للوطن، وتمنحها الشرعية السياسية والمجتمعية اللازمة، وتؤسس لرؤية استراتيجية مشتركة لبناء الدولة. ويمكن أن يخلق الإجماع الوطني فكرة محركة للإصلاحات الكبرى.
إن الاستثمار في هذه الخيارات سيكون، في تقديري، أكثر أمناً وأقل مخاطرة من استنزاف ما تبقى من المأمورية في معركة استخلاف غير مضمونة النتائج في الظروف الحالية، إذا لم يدعمها نهج إصلاحي وتنموي حقيقي، قد تنتهي، كما انتهت تجارب كثيرة قبلها، بخدمة النخبة المحيطة بالرئيس أكثر مما تخدم الرئيس نفسه وتخدم البلد.
ورغم أن المأمورية اقتربت من نصفها، فإن فرص الانعطاف لا تزال قائمة. فما زال بالإمكان تحقيق نجاحات كبيرة إذا اتجهت الإرادة السياسية نحو قرارات عميقة وشجاعة، تضيف إلى الحصيلة السياسية والاجتماعية للرئيس، فستعيد إليه البريق السياسي ووهج الدعم الشعبي ،وبالتالي تمنحه المكانة التي يختار معها بنفسه الطريقة التي يغادر بها السلطة .
ولتحقيق ذلك، تبدو الأولويات الأكثر إلحاحاً واضحة:
• الارتقاء فوق الاصطفافات السياسية ليقلل ذلك من صرف الوقت في تسيير التوازنات السياسية، والتركيز على أهداف اقتصادية قابلة للإنجاز في وقت وجيز وبالغة الأثر ، من خلال حشد و٠توجيه فائض الميزانية، وبعض القروض، ونسبة من ميزانية الاستثمار، إلى دعم مشاريع إنتاجية واقعية في مجالات الزراعة، والصيد، والتنمية الحيوانية، بما يخلق قيمة مضافة، ويعزز التصنيع، ويوفر فرص العمل، ويزيد دخول الأسر، ويخفض الأسعار، ويحول المواطنين من مجرد مستهلكين إلى شركاء في تثمين الموارد الوطنية، أي خلق ديناميكية إنتاجية وطنية متسارعة هدفها المواطن والرفع من أداء الاقتصاد المحلي،
• فتح نقاشات ومراجعات جادة مع الشركات العاملة في البلاد، بهدف نقل المعرفة، وتكوين خبراء وطنيين، وتخصيص جزء من هوامش الأرباح لتطوير المحتوى المحلي ودعم المجهود العلني، بما يضمن أن تتحول الثروات الطبيعية إلى خبرات وطنية دائمة، لا إلى عوائد مالية مؤقتة.
• دعم الحوار الوطني، باستشاريين وخبراء في مجال الاقتصاد والقانون حتى يفضي إلى مخرجات قابلة للتنفيذ، تكون المرجعية السياسية والأخلاقية للإصلاحات الكبرى خلال ما تبقى من المأمورية.
• تخصيص المواقع الفنية ومنافذ المال والمراكز الحساسة في الدولة للخبرات الوطنية المشهود لهم بالنزاهة والوطنية والخبرة وتغيير آلية التعيين من المحسوبية -خاصة في هذه الجزئية - إلى الكفاءة والاختيار على أساس السيرة الذاتية .
• استدعاء أهل الخبرة من أبناء البلد وتكليفهم بمهام وإشراكهم في الرأي حول المستقبل .
وعندما تصبح هذه الإصلاحات -التي قد يخيل إلى البعض أنها تتطلب وقتا أو جهدا خارقا بينما قد لا تتطلب أكثر من أشهر قليلة، فقد كانت المرحلة الانتقالية 19 شهرا رغم الديناميكية والحراك الهائل والإصلاحات الضخمة التي تمت خلالها - إذن، عندما تصبح هذه الاصلاحات هي محور العمل الرئاسي، سيكسب الرئيس أمرين في آن واحد: الوقت فلن يأخذ سنة ونيفا من مأموريته في ترتيبات الانتخابات، ويحصل على ثقة المواطنين. كما سيتحرر من دوامة التسيير اليومي التي تستهلك معظم جهده السياسي والعمل الحكومي ، لأن الدولة ستصبح محكومة بخطط واضحة، لا بسلسلة متواصلة من التعليمات اليومية.
وحينئذ يكون قد حقق هدفين في وقت واحد: أن يترك لبلده مساراً أكثر قوة، وأن يترك لنفسه إرثاً سياسياً يجعل طريقة خروجه من السلطة جزءاً من نجاح تجربته، لا مجرد نهاية لها.
كما أنه سيكون في وضع مريح، وبمجهود بسيط يمكنه الوصول إلى الطريقة التي يريدها الخروج الآمن .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار



