السبت
2026/08/1
آخر تحديث
السبت 1 أغشت 2026

ولد بكار: تصريحات وزير الخارجية السنغالي الأسبق الديماغوجية لا تضيف جديدًا إلى النقاش التاريخي

منذ 2 دقيقة
ولد بكار: تصريحات وزير الخارجية السنغالي الأسبق (…)
طباعة

ليس وزير الخارجية السنغالي الأسبق، الشيخ التجان غاديو، من الشخصيات التي تُكتب شهادتها في التاريخ، ولا ممن يُرجع إليهم في حسم القضايا التاريخية الكبرى، لأن قيمة الرأي في مثل هذه المسائل تُقاس بما يسنده من وثائق ووقائع، لا بالموقع السياسي الذي شغله صاحبه.

وتاريخيًا، لا يعرف تاريخ العلاقات بين المغرب وموريتانيا قيام علاقة وصاية أو سيادة سياسية للمغرب على موريتانيا ،بل ولم تكن موريتانيا ضمن الفضاء المغربي . والاستثناء الذي يُستحضر عادة هو مرحلة دولة المرابطين، حين عهد الأمير أبو بكر بن عمر إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين بإدارة شؤون المغرب أثناء انشغاله بتدبير الدولة في الجنوب. وتذكر المصادر أن العملة ظلت تحمل اسم أبي بكر حتى بعد وفاته، كما استمر نفوذ أسرته في المجال الذي كانت تديره جنوبًا بعد وفاته، ولم تصبح تلك المرحلة أساسًا لسيادة مغربية لاحقة على موريتانيا.

ومنذ قيام الدول المغربية اللاحقة، كالموحدين والمرينيين والسعديين وغيرهم، لا توجد شواهد تاريخية تثبت امتداد سلطانها السياسي إلى موريتانيا ؛ فلا عُرفت فيها عملة تُضرب باسم سلاطين المغرب، ولا وُجد ولاة أو سفراء يمثلون سلطانهم، ولا دُعي لهم على منابر المساجد باعتبارهم أصحاب السيادة، ولا فُرضت ضرائب أو مكوس باسمهم، ولا رفعت لهم راية في أيّ شبر على طول هذه الأرض أو عرضها، ولا قامت إدارة سياسية تابعة لهم. أما الروابط التي ظلت قائمة، فقد كانت في معظمها روابط علمية ودينية وثقافية، عززها العلماء والفقهاء والأدباء، كما رسختها طرق الحج والتجارة والتواصل بين أقطار الغرب الإسلامي.

وعندما سعى شيخ المجاهدين، الشيخ ماء العينين سنة 1906، إلى الحصول على دعم من السلطان المغربي للمقاومة، واجهت تلك المساعي ضغوطًا وتحذيرات فرنسية قوية، فانحصر الدعم في حدود ضيقة، تمثلت في إرسال كمية محدودة من السلاح، ومرافقة أحد أقارب السلطان له، وهو دعم ضعيف لا يدل على أي علاقة فعلية بموريتانيا.

أما الدعوة التي تبناها علال الفاسي ، بشأن امتداد المملكة المغربية إلى أقصى جنوب موريتانيا، فهي لا تمثل أي قراءة تاريخية رصينة ، ولا تؤيدها الوقائع الميدانية التي عرفتها المنطقة عبر القرون. فلو كانت للمغرب سيادة فعلية على هذه البلاد، لظهرت آثارها في مؤسسات الحكم ومظاهر السلطة، كما هو شأن جميع الدول عبر التاريخ.

لقد حافظ أهل هذه الأرض على استقلال فضائهم السياسي، ودافعوا عنه في مواجهة القوى الخارجية تحت اسم أرض البيظان، كما دون ذلك النصارى منذ أول اكتشافهم لهذه الأرض منذ عهد البرتغاليين في القرن الرابع عشر، وحتى وصول الفرنسيين في القرن الثامن عشر، كما ظل مجال حركة القبائل والإمارات الموريتانية ممتدا إلى فضاءات واسعة تجاوزت حدود الدولة الحالية ثلاث مرات. وخاض المجاهدون معارك في على حدود الجزائر، وفي أعماق مالي، وفي الصحراء الغربية، باعتبارها جزءًا من مجالها الحيوي والدفاعي فترة مقاومة الاستعمار وقبل نشأة الحدود .وعندما تبنى الملك المغربي محمد الخامس دعوة علال الفاسي لم يستطع إثبات ذلك في الأمم المتحدة رغم أنه استعان بشخصيات موريتانية من عمق المجتمع لكنها لم تجد مايؤيد دعوى المغرب.

بهذا تكون تصريحات وزير الخارجية السنغالي الأسبق الديماغوجية تماما مثل دعوة علال الفاسي لا تضيف جديدًا إلى النقاش التاريخي، ولا تقوم على حجج أو وثائق معروفة، وإنما تبدو أقرب إلى موقف سياسي يعكس اعتبارات شخصية ونفعية أكثر مما يعكس قراءة علمية للتاريخ. أما التاريخ، فلا يُكتب بالمجاملات السياسية، وإنما بالوثائق، وبالوقائع الثابتة، وبما تصمد له الأدلة أمام البحث العلمي والنقد الأكاديمي.
لكن أمام الصمت الموريتاني المخجل والتنازل عن تاريخهم وثقافتهم التي توزعت بين دول الجوار من استولى على تاريخ المرابطين ومن استولى على قيم مجتمع البيظان وعاداتهم وزيهم وأدواتهم ، ومن استولى على ثقافتهم ورموز حضارتهم وبقيت دولة المركز بخفي حنين .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار