السبت
2026/08/22
آخر تحديث
السبت 22 أغشت 2026

لماذا نرخص للمواطن التنقيب عن الذهب ونمنعه من بيعه ؟

منذ 8 ثانية
لماذا نرخص للمواطن التنقيب عن الذهب ونمنعه من بيعه ؟
طباعة

يصعب، في الواقع، تفهّم طريقة تعامل الدولة مع الذهب؛ فهي من جهة شرّعت نشاط التنقيب الأهلي وسمحت لآلاف المواطنين بالبحث عن الذهب واستثماره، ومن جهة أخرى تضع أمام المنتجين والمشترين عراقيل وإجراءات معقدة في تسويقه وتصديره.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الغاية من السماح باستخراج الذهب إذا لم تُنشأ في المقابل منظومة اقتصادية وقانونية واضحة لاستيعابه وشرائه وتصنيعه وتسويقه؟

إن المشكلة ليست في الذهب نفسه، وإنما في غياب الحلقة التي تربط الإنتاج بالسوق.

فموريتانيا لا تستفيد، بالقدر الذي ينبغي، من القيمة المضافة التي يمكن أن تنشأ حول الذهب: لا صناعة واسعة للسبائك، ولا صناعة مجوهرات وتثمين متقدمة، ولا سوق وطنية عميقة ومتخصصة، ولا بورصة للذهب، ولا منظومة متكاملة تجعل من الذهب الأهلي مادة أولية لصناعة وطنية واسعة.

وفي المقابل، توجد في البلاد تجربة صناعية كبرى هي تازيازت، لكنها تعمل وفق نموذج مختلف تمامًا عن التنقيب الأهلي، وتنتج وتسوّق الذهب ضمن منظومتها الصناعية والتجارية الخاصة وتحظى بامتيازات كاملة لبيعه في الخارج دون إلزامها بأي مشاركة في دعم الصناعات المحلية أو نقل الخبرة أو أب شكل من أشكال التثمين الداخلي ودعم التنمية الاقتصادية ولا تطوير الرؤية حوّل هذا القطاع . وتشير بيانات شركة كينروس إلى أن تازيازت أنتجت نحو خمسة ملايين أونصة منذ بدء الإنتاج التجاري إلى نهاية 2024، كما أن طاقتها المعالجة ارتفعت تدريجيًا حتى بلغت نحو 24 ألف طن من الخام يوميًا بعد توسعة 2023. فأين تباع هذه الكمية وماهو دورها في التنمية الاقتصادية للبلد وفي الصناعة التحويلية المتعلقة بالذهب لاشيء !

أما التنقيب الأهلي، فهو ليس نشاطًا هامشيًا يمكن التعامل معه وكأنه مجرد بحث فردي عن الثروة؛ بل أصبح قطاعًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسعًا، خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأكثر من 100 ألف شخص ،وجلب الحياة لمناطق ظلت على الأطراف لم توجد بها أي حياة على مر الزمن ، وطور فكر العمل الدؤوب والبحث الشاق عن الفرص ، وخلق نقلة في روح العمل والمبادرة عند الشباب بدل الكسل الذي ظل يخيم على المجتمع ، ونقل خبرات عملية كبيرة إلى المواطنين في مجال التنقيب ومعرفة خامات الذهب وتقييمها ومعالجتها وخلق ثراء كبيرا لعدد هائل من الاشخاص .

والأهم من ذلك أن هذا النشاط لم يخلق حياة اقتصادية في مناطق نائية فقط بل جعل منها مراكز حيوية وربطها بالدورة الاقتصادية للبلد ، وأنفق العاملون فيه أموالًا داخل الاقتصاد الوطني، وعرفت أنشطة جديدة مثل النقل والتجارة والخدمات والإيواء والتموين والمعدات.

وتؤكد البيانات الرسمية والدولية أن التعدين الأهلي للذهب أصبح جزءًا معتبرًا من القطاع المعدني الموريتاني؛ حيث يبلغ إنتاجه أكثر من 40 كلغ من الذهب يوميا ، فقد أشارت بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن التعدين الأهلي أصبح نشاطًا قانونيًا في موريتانيا منذ 2016، وأن المنتجين باعوا أكثر من طن من الذهب مباشرة إلى الحكومة في 2019. قبل أن يمنع عليها البنك الدولي شراء الذهب ،عكس ما يجري في كل بلدان العالم التي تشتري الذهب لدعم موثوقيتها ومصداقيتها المالية والاقتصادية . كما تُظهر بيانات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية لعام 2024 تطور إنتاج الذهب الأهلي المسجل، مع غياب جهود واقعية لإنشاء نقاط شراء حرة وتنظيم النشاط في مراكز المعالجة.

إذن، نحن أمام قطاع حقيقي له إنتاج وله عمال وله مستثمرون وله آثار واسعة على الاقتصاد المحلي.

لكن المشكلة تظهر عندما يُطلب من هذا القطاع أن ينتج، ثم لا يُوفَّر له في المقابل سوق كافية وشفافة وقانونية لبيع إنتاجه.

والأكثر إثارة للاستغراب أننا نسمع في الأخبار دائمًا وبشكل متكرر الحديث عن الذهب المصادَر، وعن التحقيق في تهريب الذهب إلى الخارج، وكأننا أمام جريمة اقتصادية مستقلة عن الظروف التي أنتجتها وأمام بطولة كبيرة !!!.

وهنا يجب أن نطرح السؤال بصراحة:

إذا كان تصدير الذهب أو تهريبه ممنوعًا أو شديد التعقيد، فأين البديل القانوني أمام المنتج؟

هل توجد صناعة وطنية ضخمة تحتاج إلى هذه الكميات؟

هل يوجد بنك مركزي يشتري الذهب بصورة كافية لبناء احتياطي وطني؟

هل توجد مصانع للسبائك تستوعب إنتاج التنقيب الأهلي؟

هل توجد صناعة وطنية للمجوهرات تستطيع استهلاك جزء معتبر من الإنتاج؟

هل توجد بورصة أو سوق وطنية عميقة وشفافة للذهب؟

إذا كانت الإجابة بالنفي أو أن هذه المؤسسات لا تزال محدودة جدًا، فكيف يمكن مطالبة المنتج باستخراج الذهب ثم منعه عمليًا من الوصول إلى السوق؟

الذهب ليس سلعة يمكن تخزينها إلى ما لا نهاية، ولا يستطيع المواطن أن يبني به منزلًا أو يسدد به أجور العمال أو يشتري به الغذاء والوقود. عندما يستخرج الذهب، فإنه يحتاج إلى تحويله إلى نقود، ومن ثم يحتاج إلى مشترٍ وسوق وقناة قانونية للتسويق.

بل إن بيانات التجارة الدولية تُظهر أن الذهب الموريتاني يجد أصلًا طريقه إلى الأسواق الخارجية؛ ففي عام 2022 سجلت موريتانيا صادرات من الذهب الخام وأشكاله شبه المصنعة تجاوزت 1.16 مليار دولار، وبكمية إجمالية بلغت أكثر من 21 طنًا، وكانت من أبرز الوجهات كندا وسويسرا والإمارات.

وهذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد تصدير الذهب أم لا؟

بل السؤال هو:

كيف نجعل تصدير الذهب يتم عبر قنوات قانونية وشفافة، بحيث تستفيد منه الدولة والمواطن والاقتصاد الوطني، بدل أن ندفع جزءًا من النشاط إلى قنوات غير رسمية؟

إن منع السوق لا يلغي الطلب على الذهب، ومنع التصدير لا يلغي وجود المشترين في الخارج. وإذا لم توفر الدولة قناة قانونية وفعالة، فإن الفارق بين السعر المحلي والسعر الخارجي، إلى جانب تعقيد الإجراءات، يمكن أن يخلق حوافز قوية للتهريب وفي نفس الوقت يضع الانتاج أمام مزيد من فرص التبديد والهدر امام المصادرة.

ولهذا فإن مكافحة تهريب الذهب لا ينبغي أن تبدأ فقط بالمصادرة والعقوبة، بل ينبغي أن تبدأ أيضًا بإزالة الأسباب الاقتصادية التي تجعل التهريب أكثر جاذبية من التجارة القانونية.

وبهذا يكون المطلوب هو إنشاء نظام واضح: نقاط شراء مرخصة، معايير معلنة للعيار والوزن والسعر، فحص وتوثيق للذهب، نظام تتبع، ضرائب ورسوم معقولة، تراخيص واضحة للتصدير، ومؤسسات قادرة على مراقبة حركة الذهب من المنجم إلى المشتري النهائي.

وبذلك تستطيع الدولة أن تعرف كمية الذهب المنتج، ومن أنتجه، ومن اشتراه، وإلى أين ذهب، وكم حصلت الخزينة من الرسوم والضرائب عليه.

وهذا أفضل بكثير من دفع النشاط إلى السوق السوداء.

ثم إن موريتانيا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك، فتحوّل الذهب من مجرد مادة تُستخرج وتُصدّر إلى سلسلة قيمة وطنية.

لماذا لا تُرخص مصانع صغيرة ومتوسطة لإنتاج السبائك؟

ولماذا لا نشجع صناعة المجوهرات والصياغة؟

ولماذا لا ننشئ سوقًا وطنية منظمة للذهب؟

ولماذا لا نطور خدمات التحليل والتكرير والتثمين؟

ولماذا لا نفتح المجال أمام شركات وطنية وأجنبية للاستثمار في هذه الصناعات؟

إن القيمة الاقتصادية للذهب لا تكمن فقط في لحظة استخراجه من الأرض؛ وإنما في كل ما يأتي بعد ذلك من نقل، ومعالجة، وتكرير، وتصنيع، وتمويل، وتجارة، وتصدير، وخدمات مالية ولوجستية.

وبهذا نكون أمام خيارات واضحة:

إما وقف نشاط التنقيب الأهلي نهائيًا، وتحمل النتائج الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك؛

وإما الاعتراف بأن هذا القطاع أصبح واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا، ثم بناء منظومة متكاملة لاستيعابه وتنظيمه.

وهذه المنظومة يجب أن تقوم على ثلاثة مسارات متوازية:

1. فتح سوق وطنية منظمة للذهب تضمن المنافسة والشفافية وتحمي المنتج والمشتري.
2. تشجيع الصناعات التحويلية، من التكرير وصناعة السبائك إلى الصياغة والمجوهرات والخدمات المرتبطة بالذهب.
3. تسهيل التصدير القانوني وفق إجراءات واضحة وسريعة ورسوم معقولة، مع تشديد الرقابة على التهريب وغسل الأموال بدل وضع العراقيل أمام التجارة القانونية نفسها.

إن الدولة لا تخسر عندما تسمح للمواطن بأن يبيع إنتاجه بصورة قانونية؛ بل تستطيع أن تربح من ذلك عبر الضرائب والرسوم، وتوثيق الإنتاج، وخلق فرص وتنشيط التجارة، وجذب الاستثمارات، والحد من التهريب.

لذلك، دعوا المواطنين يستخرجون الذهب، وأوجدوا لهم سوقًا قانونية تستوعب إنتاجهم، وافتحوا أمامهم باب التصدير المنظم عندما لا يستطيع السوق المحلي استيعابه.

إن التشريع الاقتصادي الرشيد لا ينبغي أن يكون مجرد قيود وعقوبات، بل يجب أن يكون أداة لدعم المبادرات الفردية، وتحفيز الإنتاج والاستثمار، وتطوير التجارة.

إذا كانت الدولة تريد ذهبًا رسميًا، فعليها أن توفر سوقًا رسمية. وإذا كانت تريد محاربة التهريب، فعليها أن تجعل التجارة القانونية أسهل وأكثر جاذبية من التهريب. وإذا كانت تريد قيمة مضافة وطنية، فعليها أن تفتح الباب أمام الصناعات والخدمات المرتبطة بالذهب.

فالسياسة الرشيدة ليست التي تمنع المواطن من الربح، وإنما التي تجعل من ربحه مصدرًا للنمو والتشغيل والضرائب وتعزيز الاقتصاد الوطني.

تنظيم الذهب لا يكون بخنقه، وإنما ببناء سوق وطنية له في الداخل أو تحرير بيعه للخارج .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار