الثلاثاء
2026/10/27
آخر تحديث
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026

الرد على الريسوني: السيادة الموريتانية في ميزان التاريخ والوثائق

منذ 4 دقيقة
الرد على الريسوني: السيادة الموريتانية في ميزان التاريخ (…)
لمرابط ولد لخديم
طباعة

لم يعد مجديًا الاكتفاء بالتنديد والاستنكار ردًا على الإساءات المتكررة التي وجهها أحمد الريسوني إلى موريتانيا ورئيسها المؤسس المختار ولد داداه، رحمه الله؛ بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مواجهة علمية رصينة، تستند إلى الوثائق والحقائق التاريخية دفاعًا عن ذاكرة الوطن وسيادته ومكانته.
كما أن الاعتذار الشخصي، إن صدر، لا يكفي وحده لجبر الضرر المعنوي الذي تسببه هذه التصريحات المتكررة؛ إذ تقتضي المسؤولية موقفًا رسميًا مغربيًا يعزز الاحترام المتبادل، ويصون العلاقات الأخوية بين البلدين.
وانطلاقًا من ذلك، أقترح مسارين عمليين:
أولا: أؤيد الدعوة لتنظيم ندوة علمية متخصصة تدرس تاريخ وحضارة دولة المرابطين، وتتضمن بحثاً معمقاً في المعاهدات الدولية لإمارة آدرار خلال القرن التاسع عشر لفهم طبيعة علاقاتها مع القوى الأوروبية.
ثانيا:إبراز المكانة التاريخية لإمارة آدرار واتفاقياتها الدولية؛
من أبرز الوثائق التي تستحق البحث والتدقيق اتفاقية إمارة آدرار مع فرنسا، التي تميزت، وفق المعطيات التاريخية المتداولة، بمستوى التمثيل الذي شارك في إبرامها واعتمادها.
فقد وُقّعت الاتفاقية من الجانب الآدراري من طرف الأمير أحمد بن سيدي أحمد بن أحمد بن عيده، بتاريخ 20 أكتوبر 1891، بينما ارتبط اعتمادها الفرنسي بمستويات عليا من الدولة الفرنسية، من بينها الرئيس سادي كارنو (Sadi Carnot)، ووزير الخارجية جول دوفيل (Jules Develle)، ووزير التجارة والصناعة والمستعمرات لويس تيرييه (Louis Terrier)، وفق الرواية التاريخية المرفقة.
وتتكون الاتفاقية من خمس مواد، تبرز من بينها مسألتان أساسيتان: التزام الأمير بعدم إبرام اتفاقيات مع قوى أجنبية أخرى، وتحديد مدة سريان الاتفاقية بثلاثين سنة، إلى جانب أحكام تتعلق بالتبادل التجاري والإكراميات.
وهنا يبرز سؤال تاريخي مهم: لماذا حظيت اتفاقية إمارة آدرار بهذا المستوى من الاهتمام الفرنسي، بينما أُبرمت اتفاقيات أخرى مع إمارات موريتانية وقوى محلية بتمثيل فرنسي أدنى؟
يبدو أن لهذا التميّز صلة بالتنافس الاستعماري الأوروبي على المنطقة، وبالأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي اكتسبها الشمال الموريتاني في حسابات فرنسا.
فقد كانت فرنسا تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة، في ظل تنافسها مع إسبانيا على الصحراء الغربية ومجالات النفوذ المجاورة. وكانت المعلومات المتوافرة لديها عن الثروات الطبيعية في آدرار، وما أشارت إليه بعض رحلات الاستكشاف الفرنسية من إمكانات معدنية، عوامل يُحتمل أنها عززت اهتمامها بالمنطقة.
كما أن الاتفاق الذي أبرمته إسبانيا مع الأمير أحمد بن امحمد سنة 1886، وفق الرواية التاريخية المشار إليها، يضيف بُعدًا آخر إلى فهم التنافس الفرنسي الإسباني، ويستدعي دراسة دقيقة لطبيعة الالتزامات التي تضمنها، وحدود المجال الذي شملته، وعلاقته بالاتفاقية الفرنسية اللاحقة.
وفي هذا السياق، تكتسب اتفاقية إمارة آدرار أهمية خاصة في دراسة تطور النفوذ الاستعماري، ولا سيما عند مقارنتها بمعاهدة باريس الفرنسية الإسبانية الموقعة في 27 يونيو 1900، التي أسهمت في ترسيم الحدود بين مناطق النفوذ الفرنسي والإسباني.
إن دراسة هذه الوثائق ومقارنتها، بالاستناد إلى النصوص الأصلية والمراسلات الدبلوماسية والخرائط، يمكن أن تساعد على فهم دوافع فرنسا، وطبيعة الاتفاقيات التي أبرمتها مع القوى المحلية، ومدى توظيفها في تثبيت نفوذها الإقليمي.
ثالثًا: استحضار أهمية التوثيق في الدفاع عن الحقوق التاريخية
سبق أن تناولنا، في مقال سابق، ما رواه الدكتور حماه الله السالم عن المؤرخ الشنافي محمد مولود ولد داداه، رحمه الله، خلال إعداد المرافعة الموريتانية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي للدفاع عن تراب " أهل لخيام"
فقد طلب المؤرخ من اعلي ولد علاف، رحمه الله، تحديد المواضع التي بلغ إليها نفوذ خيل إمارة يحيى بن عثمان، بقوله:، “نعّتْ لِ اعل الخريطة بل امْنينْ تلْحگ خيلْ احْيَ بنْ عثمان وابْرَ امْن اعگابْ لخْبارْ”؛
ليستند إلى تلك المعلومات في بناء مرافعته. مستعينًا بالمعرفة المحلية والذاكرة التاريخية في تحديد المجال الجغرافي لذلك النفوذ.
وتكشف هذه الواقعة أهمية الجمع بين الرواية الشفوية والوثائق والخرائط والمعرفة الميدانية في بناء الحجج التاريخية والقانونية، كما تؤكد ضرورة مواصلة البحث في تاريخ إمارة آدرار، ومراجعة المصادر الاستعمارية وغيرها، لاستكمال جوانب هذا التاريخ وتصحيح ما قد يكون علق به من صور غير دقيقة.
إن الرد على تصريحات الريسوني المتكررة وأمثالها لا ينبغي أن يقتصر على الغضب أو التنديد، بل يجب أن يتحول إلى مشروع علمي وتاريخي موثق، تُستخرج فيه الوثائق، وتُنشر فيه الدراسات، وتُعرض فيه الحقائق أمام الرأي العام.
فموريتانيا تملك تاريخًا عريقًا، وتجربة سياسية وحضارية تستحق البحث والإنصاف، ولا يجوز أن تُختزل في أحكام متسرعة أو ادعاءات تفتقر إلى المعرفة الدقيقة.
إن أفضل رد على الجهل بتاريخنا ليس تبادل الإساءات، بل تقديم الأدلة، وإحياء الذاكرة الوطنية، وتعريف الأجيال بتاريخ بلادهم ومكانتها.
ان تاريخ موريتانيا لا يحتاج إلى المبالغة في تمجيده، بقدر ما يحتاج إلى البحث العلمي الذي يكشف حقائقه، ويوثق منجزاته، ويحفظ حقوق أبنائه. فالأمم التي تحسن قراءة ماضيها وتوثيقه، تكون أقدر على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها لأن التاريخ الموثق أقوى من الادعاء، والوثيقة أبلغ من الضجيج.
لمرابط ولد لخديم