الأربعاء
2026/10/28
آخر تحديث
الأربعاء 28 أكتوبر 2026

من المركز الصحي بأشرم إلى المستشفى الوطني: الإصلاح الحقيقي يبدأ من الميدان

منذ 12 دقيقة
من المركز الصحي بأشرم إلى المستشفى الوطني: الإصلاح (…)
طباعة

خلال رحلة علمية خُصصت للبحث عن ضريح الأمير العادل أحمد ولد أمحمد، رحمه الله، الذي ذاعت مآثره في الآفاق، وعادت أخباره إلى الواجهة هذه الأيام في ضوء ما تكشفه الشواهد التاريخية عن اتساع نفوذ إمارة آدرار في عهده، حتى أبرمت اتفاقيات دولية تجاوزت ما قد يُتوقع من كيان بحجمها آنذاك، تعرّض أحد عمال الرجل الذي موّل الرحلة، وهو بالمناسبة مكتشف موقع القبر، لوعكة صحية طارئة أثناء رحلة العودة.
وقد اضطررنا، أمام هذا الظرف المفاجئ، إلى التوجه على وجه السرعة إلى أقرب نقطة صحية، في بلدية أشرم التابعة لولاية تكانت.
عند وصولنا، أثار انتباهنا حجم المبنى الخارجي الذي بدا كبيراً، لكن الصدمة كانت في الداخل؛ المركز أشبه بمنشأة مهجورة، تفتقر إلى أبسط مقومات العمل الصحي. وأفاد المرضى والمراجعون بأن الدولة لم تستلم المبنى لعدم مطابقته للمعايير الفنية، فيما توقفت الأشغال بعد تخلي الشركة المنفذة عن التزاماتها، وسط غياب تدخل حازم لاستكمال المشروع.
النتيجة ؛ غرفتان متهالكتان مسقوفتان بالزنك لا توفران حماية من الحر ولا من تقلبات الجو.
وقد بلغ الوضع من السوء درجةً دفعت الطاقم الطبي إلى إسعاف مريضنا في العراء بساحة المستوصف. ورغم هذه الظروف المأساوية وشح الإمكانات، لا يسعني إلا أن أُشيد بمهنية وتفاني الطاقم الطبي القليل الذي تعامل مع الحالة بكل مسؤولية.
وفي طريق العودة إلى نواكشوط، طالعتُ أخباراً تتحدث عن اجتماع وزاري برئاسة الوزير الأول للتحضير لإرسال بعثات حكومية إلى الداخل. إنها خطوة نرجو أن تساهم في معالجة هذه الاختلالات، شريطة أن تتشكل من كفاءات مهنية مستقلة عن الإدارة المحلية، لضمان الموضوعية والتجرد بعيداً عن المحاباة التي تضر بالدولة وتظلم المواطن.
لقد أعادت لي حادثة أشرم ذكريات موقف مشابه عشته سابقاً عند مرافقة مريضة إلى المستشفى الوطني، وكتبت حينها مقالاً (يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط: https://elalem.info/article24382.html) انتقدت فيه تردي الخدمات.
وقد تزامن ذلك المقال لاحقاً مع زيارة تفقدية قام بها الوزير الأول ووزيرة الصحة لعدد من المستشفيات.
إن هذه المشاهد المؤلمة تطرح تساؤلاً ملحاً: هل باتت الغاية من المشاريع العمومية مجرد التباهي بتشييد المباني والإعلانات الإعلامية، أم أن المسؤولية تقتضي إكمالها وتجهيزها لخدمة الناس؟
إن منشأة صحية معطلة لا تختلف عن انعدامها، بل إن ترك هذه المشاريع معلقة دون محاسبة للمقصرين يمثل استنزافاً صريحاً للمال العام وتجاهلاً لحق المواطن الأصيل في الرعاية الصحية.
من هذا المنطلق، نؤكد أن بناء الوطن مسؤولية تضامنية. وإذا كانت الدولة جادة في مسعى الإصلاح، فإن دورنا يكمن في الإشادة بالخطوات الإيجابية، وتسليط الضوء على مكامن الخلل، واقتراح الحلول، كل من موقعه، دفاعاً عن كرامة المواطنين وحقوقهم.
إن معيار النجاح لأي تحرك حكومي لا يُقاس بحجم التغطية الإعلامية أو كثرة التقارير، بل بما يتغير فعلياً في حياة المواطن، وما يتلقاه من خدمات لائقة، سواء في العاصمة نواكشوط أو في أقاصي أشرم. ما ننتظره اليوم هو قرارات ميدانية صارمة تنهي تعثر المشاريع وتُحاسب المقصرين، لا مجرد وعود تُضاف إلى أرشيف سابقاتها.
سنظل دائماً داعمين لكل جهد وطني مخلص، وفي الوقت نفسه عيناً ناقدة ترصد الأخطاء وتقترح البدائل، إيماناً منا بأن النقد البناء هو أسمى درجات المشاركة في تقويم مسار الدولة وإصلاحها. ولتبقَ مصلحة الوطن وصحة المواطن وكرامته هي البوصلة الوحيدة التي توجهنا جميعاً، بعيداً عن أي اصطفافات سياسية.
فالإصلاح الفعلي لا ينطلق أبداً من قاعات الاجتماعات المغلقة، بل من الميدان؛ ولا يُقاس بالمشاريع المعلنة، بل بالخدمات المنجزة التي تصون كرامة الإنسان.

لمرابط ولد لخديم