من مخاطر الرقمنة إلى فضاءات العطاء.. شباب موريتانيا في أمريكا يصنعون الفارق
بات الفضاء الرقمي اليوم واقعاً لا مناص منه، يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للكبير والصغير، في الحواضر والبوادي على حد سواء، فاتحاً أبواباً واسعة للتواصل، وتبادل الأفكار، ونسج العلاقات. بيد أن المعضلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب التربية الرقمية والوعي بمزالقها؛ فغياب الاستخدام المسؤول أفرز ظواهر سلبية تمثلت في المحتويات المضللة، والابتزاز، وانتهاك الخصوصيات، فضلاً عن قلب موازين الحياة الطبيعية بالسهر ليلاً والنوم نهاراً، وما ينجرّ عن ذلك من أثر سلبي على الإنتاجية، والعبادة، والتماسك الأسري.
وعلى الجانب الآخر، تتجلى الوجوه المشرقة لهذا العالم الرقمي من خلال مبادرات رائدة قادها شباب موريتانيون مغتربون في الولايات المتحدة الأمريكية.
فقد نجح هؤلاء في تطويع منصات التواصل الاجتماعي لتكون جسوراً للتضامن والعمل الخيري، ووسيلة فاعلة لجمع التبرعات لصالح الأسر المتعففة، والمرضى، والمثقفين الذين أثقلت كاهلهم الحاجة. ويبرز من بين هذه الوجوه الخيّرة الشاب "سيدي السادات" المعروف بـ«ابن أزويرات»، ومعه كوكبة من أبناء الوطن الذين فرضوا احترامهم واستحقوا الإشادة بجميل عطائهم ونبل مبادراتهم.
لقد تجسدت هذه الجهود في حملات تبرع مشهودة عبر المنصات الرقمية، لعل أبرزها جمع 25 مليون أوقية قديمة لعلاج الطفلة "توت" في الخارج، والوقفة الإنسانية النبيلة مع الفنان الكوميدي القدير "أعمر ولد كي" (المعروف بشخصية شيف، وحارس مستشفى الصداقة)، تقديراً لمسيرته طيلة سنوات في إسعاد الجمهور، ومواساة له في ظروفه المادية الصعبة، إلى جانب العديد من الحالات الإنسانية الأخرى. وفي تجلٍّ عظيم لروح التكافل والتنافس في الخير، تمكن هؤلاء الشباب يوم الأحد الماضي من جمع مبلغ 165 مليون أوقية قديمة في ظرف يوم واحد فقط.
أعادت هذه المبادرات البسمة إلى وجوه الكثير من المحتاجين والمرضى؛ فكم من أسرة انتشلوها من أكواخ الصفيح ووفروا لها مسكناً لائقاً، وكم من معسر يسروا له امتلاك سيارة تعينه على كسب قوت يومه، وكم من مريض تحملوا نفقات علاجه وعملياته الجراحية باهظة الثمن في الخارج. ومصداق ذلك أن النفع المتعدي يسمو دائماً على النفع القاصر، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي صححه الحاكم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
ورغم أنني لا أميل عادةً إلى تخصيص الكتابة لمدح الأشخاص، إلا أن نبل هذه الأعمال يفرض الإشادة بها وتشجيعها.
فهؤلاء الشباب الذين كابدوا مشاق الهجرة وعبروا الحدود وتسلقوا الجدران مخاطرين بأرواحهم بحثاً عن حياة كريمة في أمريكا، لم تُنسهم قسوة الغربة ولا تكاليف الرحلة الباهظة وطنهم وأهلهم. بل ظلوا أوفياء، يحملون هموم مجتمعهم، ويقتطعون من حر مالهم لتضميد جراح إخوتهم.
ولا يفوتنا في هذا السياق أن نُشيد بشهامة هذا الشعب الموريتاني الكريم، الذي يثبت في كل مناسبة أنه مجتمع متكافل، يتسابق أبناؤه في ميادين البذل والسخاء، رغم قساوة الظروف وضيق ذات اليد.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه التجربة هو أن التكنولوجيا مجرد أداة مرنة، والفيصل فيها هو القيم التي توجهها؛ فكما يمكن أن تكون معول هدم ومضيعة للوقت، يمكنها أن تتحول إلى شريان حياة، وأداة للتراحم، وصانعة للأمل.
كما أن هذه المبادرات الفردية كشفت بجلاء عن حجم الفراغ الذي تركته بعض الهيئات الخيرية، العامة والخاصة، ووضعتها أمام تساؤلات أخلاقية ملحة: ماذا قدمت هذه المؤسسات لهذا الشعب ببرامجها وميزانياتها؟
وكيف لشباب مغتربين بجهود تطوعية بحتة أن يصلوا إلى محتاجين عجزت مؤسسات قائمة بذاتها عن الوصول إليهم؟
ختاما، لا تعدو جهود هؤلاء الشباب كونها مجرد حملات لجمع الأموال، بل هي رسالة وطنية وإنسانية بليغة، تثبت أن الانتماء أعمق من أن تقطعه المسافات، وأن الغربة لا تمحو صلة الإنسان بجذوره، وأن صناعة الخير لا تشترط دائماً وجود مؤسسات ضخمة، بقدر ما تتطلب ضميراً حياً وإرادة صادقة.
لمرابط ولد لخديم




