عقدة النظام
لكل نظام عقدته الخفية، تلك التي يظن أنه يدور حولها، بينما هي في الحقيقة مشدودة حول عنقه، كلما تحرك قليلا ازداد اختناقا.
العقد التي نقصدها هنا -حسب العارفين- لا تفك بالخطابات، ولا تحل بالنيات الحسنة، بل بخسائر موجعة أو بتنازلات ثقيلة، ولا تاريخ للسلطة بلا أثمان.
النظام القائم في موريتانيا يدور منذ أعوام في فلك ما يمكن تسميته بـ "العقدة العشرية"؛ لا بوصفها مرحلة زمنية فحسب، بل باعتبارها بنية ذهنية وميراثا سياسيا ثقيلا لم يحسم بعد.
لقد تم إغلاق ملف الرجل الأول آنذاك، لكن السؤال الأخلاقي ظل مفتوحا: هل تحققت العدالة؟ وهل تمت محاربة الفساد؟
الفساد، كما يقول مونتسكيو، لا يقيم في الأشخاص بل في القوانين حين تفقد روحها، وفي المؤسسات حين تتحول من خدمة الصالح العام إلى حماية ذاتها.
في موريتانيا، لم يكن الفساد يوما خطأ فرديا معزولا، بل نظام علاقات متشابكة، يتغذى من الصمت، ويترعرع في المناطق الرمادية بين القانون وتطبيقه.
قد يرى بعضهم أن العدالة تحققت، لأن العقوبة وقعت، لكن العدالة ليست حدثا قضائيا فقط، بل أثر اجتماعي، ومناعة أخلاقية، وردع يتجاوز العناوين.
فهل ارتجفت مافيات الفساد؟ أم أعادت ترتيب مواقعها بهدوء؟
هل تغير السلوك العام؟ أم تغيرت الوجوه فقط؟
إن أخطر ما يواجه أي نظام ليس الفساد ذاته، بل التعايش معه، وتطبيعه بوصفه قدرا لا مناص منه ، أو حيلة إلهاء لتسكين الأوضاع ، وقضاء الوقت.
حين تصبح العدالة انتقائية، فإنها تفقد معناها، كما تفقد الدولة هيبتها، ويصبح القانون—كما قال ابن خلدون—سيفا في يد الغالب لا ميزانا للحق.
العدالة الحقيقية لا تقاس بعدد القضايا، بل بقدرتها على تفكيك البنية التي أنتجت الجريمة.
علينا أن ندرك جميعا أنه ما لم يتم استئصال بذرة الفساد من جذورها، سيظل هذا الوطن يدور حول عقدته المميتة، لا لأنها عصية على الحل، بل لأن كلفة فكها لم تدفع بعد.
محمد محمود إسلم عبد الله




