البرلمان بين الشكل والوظيفة: لماذا نحتاج إصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا؟
فحين تتحول القاعة التشريعية إلى فضاء لتبادل المواقف لا لمساءلة السياسات ويغيب العمق ويعلو الضجيج نكون بحاجة لتغيير حقيقي .
لقد كشفت النقاشات البرلمانية التي أعقبت عرض خطاب الوزير الأول المختار ولد اجاي عن إشكال أعمق من مجرد تباين في المواقف السياسية؛ فقد عرّت، مرة أخرى، محدودية الأداء البرلماني، وأظهرت الحاجة الملحّة إلى إصلاحات مؤسسية جذرية تطال بنية البرلمان، وأدوات عمله، ومعايير الولوج إليه.
لقد اتسمت غالبية المداخلات البرلمانية بطابع انطباعي وشخصي، انقسمت بين التأييد المطلق أو الرفض المسبق، دون مقاربة خطاب الوزير الأول بوصفه برنامجًا حكوميًا قابلًا للتقييم، يُقاس بمدى ما تحقق من تعهداته وما تعثر منها. وهو ما يكشف غياب ثقافة المساءلة البرلمانية، واستبدالها بخطاب سياسي أقرب إلى الاستعراض وتسجيل المواقف لأجل الشهرة منه إلى ممارسة الدور الرقابي والتشريعي.
ويُحيل هذا الواقع إلى إشكالية أعمق تتعلق بمعايير الترشح والتمثيل البرلماني؛ إذ لم يعد مقبولًا الاكتفاء ببطاقة تبريز بوصفها شرطًا وحيدًا لعضوية البرلمان، في ظل غياب اشتراط حد أدنى من السيرة الذاتية، أو الخبرة، أو النزاهة الأخلاقية. فالعمل البرلماني ليس امتيازًا سياسيًا، بل وظيفة عامة تتطلب كفاءة، واطلاعًا، وقدرة على النقاش والتشريع .
لقد اتضح أن المؤسسة البرلمانية تفتقر إلى برامج تكوين مستمر لأعضائها، من شأنها تطوير مهاراتهم في قراءة النصوص القانونية، وفهم السياسات العمومية، وأدوات الرقابة البرلمانية. ويزداد هذا الخلل حدة حين تُمنح رئاسة البرلمان باعتبارها مكافأة سياسية، لا استحقاقًا مؤسسيًا قائمًا على التكوين السياسي ، فرئاسة البرلمان ليست فقط توزيع الكلام ومحاولة فرض النظام على مجموعات ترى في الخروج عن النظام شجاعة .
إن تدني مستوى النقاش البرلماني يعيد إلى الواجهة ضرورة التفكير في إنشاء غرفة عليا للبرلمان الموريتاني، تكون مهمتها تعزيز العمق الفكري والمعرفي للعمل التشريعي، وإثراء النقاش العام، وضمان قراءة ثانية للقوانين قبل إقرارها. على أن تتمتع هذه الغرفة بصلاحيات فعلية، من بينها حق التعطيل والمراجعة، وهو الدور الذي كان مجلس الشيوخ يضطلع بجانب مهم منه قبل إلغائه في سياق سياسي انفعالي، لا في إطار تقييم مؤسسي هادئ.
ولا يمكن تحقيق مثل هذا الإصلاح دون فتح نقاش جدي حول تعديلات دستورية مدروسة، لا تهدف إلى إعادة إنتاج الأزمة، بل إلى ترقية التجربة الديمقراطية الوطنية، ودعم التراكم المؤسسي، ومواءمة النظام السياسي مع وعي المجتمع وسلوكه الديمقراطي. فالديمقراطية ليست مجرد استنساخ لنماذج جاهزة، بل مسار تاريخي يتشكل داخل كل مجتمع وفق خصوصياته.
برلمان بلا كفاءة… وديمقراطيتنا تُدار بالحدّ الأدنى
إن استمرار البرلمان في أداءٍ شكلي، منزوع الفاعلية، لا يضر بالمؤسسة التشريعية وحدها، بل يفرغ العملية الديمقراطية برمّتها من مضمونها. فبرلمان ضعيف يعني حكومة أقل مساءلة، وتشريعًا أقل جودة، وثقةً شعبيةً أكثر هشاشة. وعليه، فإن إصلاح البرلمان لم يعد خيارًا مؤجلًا ولا ترفًا نخبويًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، تتطلب شجاعة سياسية، وإرادة إصلاحية حقيقية، واستعدادًا لمراجعة المسلمات. فإما برلمانٌ يعكس وعي المجتمع ويقود إصلاح الدولة، أو مؤسسة تُدار بالولاءات وتُستهلك في الخطابات، وتُترك الديمقراطية عند حدود الشكل، لا الجوهر
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




