موريتانيا ومالي.. أبعاد النزاع وآفاق الاستقرار
تشهد العلاقات الموريتانية المالية فترة عصيبة ومعقدة، حيث تحولت الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 2200 كم من فضاء للتبادل الرعوي والتجاري إلى بؤرة توتر أمني واستقطاب جيوسياسي.
لم يكن التوتر الراهن وليد الصدفة، بل هو نتاج سنوات من انعدام الثقة المتزايد بين نواكشوط وباماكو. وتدور محاور الخلاف حول ثلاثة جوانب رئيسية:
1-الانتهاكات الحدودية: شهدت الحدود بين البلدين تكرار حوادث توغل الجيش المالي داخل الأراضي الموريتانية، مستنداً إلى دعم من عناصر مجموعة فاغنر الروسية. هذه العمليات، التي تثار تحت ذريعة ملاحقة الجماعات المسلحة، أدت إلى سقوط ضحايا بين المدنيين في القرى الحدودية الموريتانية.
2-الاتهامات المتبادلة: تتهم السلطات الانتقالية في مالي موريتانيا بتقديم ملاذ لعناصر معارضة أو "إرهابية"، وهو ما تنفيه نواكشوط بقوة، حيث ترى أنها تستضيف آلاف اللاجئين الماليين في مخيم "امبرة"، وتقوم بدور إنساني نظراً للأوضاع المتردية في مالي.
3-الاصطفاف الدولي: بينما تتجه مالي، بقيادة حکومتها الجديدة، نحو تعزيز تحالفها مع روسيا، تسعى موريتانيا للحفاظ على توازن دقيق من خلال تقوية تعاونها الأمني مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، هذه الديناميات الإستراتيجية تضع البلدين في مواقف متعارضة.
وقد شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في التوتر، تمثل في:
– إغلاق الحدود: حيث قامت السلطات المالية بإغلاق عدد من المعابر البرية، مما ألحق ضررًا كبيرا بالحركة التجارية والرعاة، وأثر سلبياً على حياتهم اليومية.
– الاستنفار العسكري: نفذ الجيش الموريتاني مناورات عسكرية غير مسبوقة على الحدود الشرقية، تعبيراً عن حزم الحكومة في حماية السيادة الوطنية، مع تعزيز الرقابة الجوية والبرية.
– موجات النزوح: استمر تدفق اللاجئين الماليين نحو الأراضي الموريتانية هربا من العمليات العسكرية التي تنفذها باماكو وشركاؤها الروس، مما يزيد من التحديات الإنسانية.
عوامل إضافية تعقد الوضع، مثل وجود عناصر فاغنر الذي يغير قواعد الاشتباك في المنطقة، حيث تتبنى هذه القوات تكتيكات هجومية دون مراعاة الحدود الدولية، مما يحرج الحكومة المالية ويؤثر على علاقاتها مع الجيران.
ويرتبط حكام مالي بشراكة أمنية وعسكرية مع مجموعة فاغنر (فيلق أفريقيا)، ويوجد في مالي حوالي 1000 مقاتل من قوات فاغنر يعملون مع الجيش المالي لمحاربة الجماعات المسلحة والحركات الانفصالية، وبعد انسحاب قوات بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) من مالي، أصبحت باماكو تعتمد على القوات الخاصة الروسية واستخدمتها لاستعادة مدينة “كيدال”معقلِ الفصيلِ الأزوادي.
وفي الوقت ذاته، تشهد مالي تزايدا في هجمات جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، مما يزيد الضغط على الجيش المالي ويدفعه لتنفيذ عمليات يائسة قرب الحدود.
وتتعامل الحكومة الموريتانية مع الادعاءات الصادرة عن الجانب المالي بمزيج من الحذر والحزم، سواء تعلق الأمر بملف فرار عسكريين من مخيم للاجئين على أراضيها، أو بالمزاعم المرتبطة بترسيم الحدود، مع الحرص في الوقت ذاته على احتواء الخطاب الداخلي وضبط ما قد يثار من إشاعات أو تحريض.
وفي هذا السياق، أعلن الجيش الموريتاني العثور على مواطنين موريتانيين قتيلين، عقب ساعات من توقيفهما من طرف وحدة تابعة للجيش المالي في قرية «ياكنا» داخل الأراضي المالية، على بعد 12 كيلومتراً من الحدود.
ونفى الجيش بشكل قاطع الروايات التي تحدثت عن توغل قوة مالية داخل الأراضي الموريتانية وتنفيذ عمليات تصفية، مؤكداً في بيان رسمي أن المعطيات المتداولة «غير دقيقة». وأوضح أن قوة مسلحة وصلت إلى قرية «ياكنا» صباح 20 مارس 2026، حيث قامت بتوقيف ثلاثة أشخاص موريتانيين اثنين ومالي، قبل أن يُعثر عليهم لاحقاً جثثاً هامدة، دون توضيح ملابسات الوفاة.
كما شدد البيان على أن الحادثة وقعت داخل الأراضي المالية، مؤكداً انتشار وحدات الجيش الموريتاني على طول الشريط الحدودي، وجاهزيتها التامة لحماية السيادة الوطنية والتصدي لأي تهديد.
وفي ختام البيان، دعت السلطات إلى تحري الدقة وتجنب التهويل، في مسعى واضح لاحتواء تداعيات الحادث داخلياً وتفادي الانزلاق نحو تصعيد ميداني.
ولا يغيب عن صناع القرار في باماكو أن مالي تعتمد بشكل كبير على ميناء نواكشوط كممر تجاري حيوي، وأي تصعيد إضافي في الاضطرابات الحدودية قد يؤدي إلى خنق اقتصاد مالي المتعثر.
من جهتها، تنتهج موريتانيا الصبر الإستيراتيجي، وتسعى لحماية سيادتها ومواطنيها، سواء كانوا تجارا في مالي أو رعاة يبحثون عن موارد الكلأ ونقاط الماء، وتحاول الحفاظ على علاقة ولو هشة مع جار مضطرب يمر بتحولات سياسية جذرية.
إن مستقبل العلاقات بين موريتانيا ومالي يعتمد بشكل أساسي على قدرة باماكو على ضبط تحركات شركائها الميدانيين، وتحاول نواكشوط إقناع جارتها بأن استقرار مالي هو مصلحة موريتانية عليا.
وتظل الأزمة مفتوحة على عدة احتمالات، تتراوح بين التهدئة الهشة والانزلاق نحو الأسوأ.
وعلى المرجفين وأصحاب الشائعات المغرضة ومن يدقون طبول الحرب ويحملون الحطب من مدوّنينا أن يتذكروا قول زهير قبل 14 قرنا:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم :: وما هو عنها بالحديث المُرَجَّمِ
كامل اتبهليل
سيدي محمد المعروف باكس ول اكريك




