القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي(الحلقة: 15)
الإعجاز البياني في القرآن: حين تتجاوز الكلمة حدودها!!
ولنا أن نتساءل: إذا كانت اللغة البشرية ـ كما تبين ـ عاجزة عن الإحاطة بجميع المعاني والمشاعر، فكيف استطاع القرآن الكريم أن يتجاوز هذه الحدود، وهو إنما يعبر بألفاظ اللغة نفسها؟
الجواب أن القرآن لا يستخدم الكلمات استعمالًا عاديًا، بل ينتقي من الألفاظ أدقها دلالة، وأكملها تصويرًا، بحيث تبلغ الكلمة أقصى طاقتها التعبيرية. فإذا بقي من المعنى ما لا تسعه الدلالة المعجمية، استوعبته الكلمة القرآنية من خلال جرسها الصوتي، ووزنها الإيقاعي، وتآلف حروفها، فتؤدي معنى يتجاوز حدود اللغة إلى الإحساس المباشر.
فمثلًا قوله تعالى:
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 29]
كلمة «أغطش» تقابل في أصلها اللغوي «أظلم»، لكنها في السياق القرآني توحي بظلام كثيف ساكن، تغشاه رهبة وصمت ووحشة، وهي دلالة تتولد من وقع الكلمة نفسها، لا من معناها المعجمي فقط.
وكذلك قوله تعالى:
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96]
فكلمة «سكنًا» لا تعني مجرد الهدوء، بل تبعث في النفس إحساس الطمأنينة والاستقرار، بما تحمله من جرس هادئ وانسجام صوتي. وهذا الإحساس لا تنقله ألفاظ أخرى كـ«هدوء» أو «راحة» رغم تقاربها في المعنى.
ولو حاولنا استبدال أي كلمة في هذه الآية بمرادف لها، لاختلّ جمالها، وضعفت دلالتها، لأن كل لفظ فيها موضوع في مكانه بدقة متناهية. فـ«فالق» لا تؤديها كلمة أخرى بنفس قوة تصوير الانبثاق، و«الإصباح» لا تُغني عنها مفردة أخرى في تصوير الحركة والانتشار، و«حسبانًا» تجمع معاني الحساب والدقة والنظام في لفظ واحد موجز.
وهنا يظهر الفرق بين كلام البشر وكلام الله؛ إذ قد يضطر الإنسان إلى النزول عن مستوى خياله حين لا يجد في اللغة ما يفي بمعناه، بينما يرتقي القرآن باللغة نفسها لتبلغ مستوى المعنى المراد، دون نقص أو عجز.
ومن روائع هذا البيان أيضًا اختيار الألفاظ التي تحفظ جمال الصورة وتمنع تشويهها. ففي قصة امرأة العزيز، لم يعبر القرآن عن إعداد الطعام للنسوة بلفظ «الطعام»، لما قد يحمله من إيحاءات حسية مبتذلة، بل قال:
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: 31]
فكلمة «متكأ» توحي بجو من الترف والراحة والضيافة الراقية، حيث يُقبل على الطعام في حال استرخاء ونعيم، دون أن تنقل الذهن إلى تفاصيل المأكل والمطبخ.
ومن خصائص الكلمة القرآنية كذلك أنها تتسع لدلالات متعددة، تتناسب مع اختلاف العصور والثقافات، دون أن يقع بينها تعارض أو تناقض. فهي تحمل معاني متكاملة، يفهم كل عصر منها ما يناسبه، ضمن إطار لغوي سليم.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 73]
فكلمة «المقوين» تحمل معاني متعددة، منها:
النازلون في القفار (المسافرون)، الجائعون المحتاجون،
المنتفعون عمومًا بالنار.
وهكذا جمعت الكلمة الواحدة دلالات شتى، تغطي مختلف أوجه الانتفاع بالنار، في إيجاز بديع دون تكلف.
فهل يستطيع بشر ـ مهما بلغ من البلاغة ـ أن يحشد هذه المعاني المتباعدة في لفظ واحد، يأتي منسجمًا مع السياق، خاليًا من التعقيد، جامعًا بين الإيجاز والإعجاز؟
إن هذا النظم الفريد، الذي يجمع بين دقة اللفظ، وعمق المعنى، وجمال الإيقاع، واتساع الدلالة، هو وجه من وجوه الإعجاز القرآني، الذي يتجاوز حدود الطاقة البشرية، ويؤكد أن هذا الكتاب ليس من صنع البشر، بل هو تنزيل من حكيم عليم. .....
يتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.


