دعوة الى إنشاء وزارة خاصة بحماية المستهلك والمواصفات القياسية.. بعض حقائق تجارنا..(ح: 2)
قبل أكثر عشر سنوات أجرنا منزلا في توجنين، كان المنزل قبلنا مهجورا لفترة طويلة، فاضطررنا إلى تنظيفه جيدا قبل دخوله، ولكن ما إن دخلناه وأخذنا في استعماله حتى خرجت إلينا تزحف من الحمام ملايين من دود أبيض صغير كان يعيش في "افوص" وأنعشته حركة الماء في الحمام.. لم يكن أمامنا إلا القضاء عليه أو الرحيل من المنزل، واقترح لنا أحد الأصدقاء ماء جافيل للقضاء عليه، فاشترينا قنينات من جافيل "الوطني" وصببناها عليه صبا دون جدوى، فلجأنا إلى جافيل أجنبي اشتريناه من بقالة "موري سانتر"، فقضى عليه جميعا، فلم نعد نستعمل منذ ذلك التاريخ جافيل الوطني في أي شيء من أعمالنا.
وفي تلك الفترة نشط الاستيراد من الجزائر، وكان من بين المستوردات معكرونة جزائرية ممتازة الصنع رخيصة الثمن كان الكلغ منها ب200 أوقية، وتحول إليها كثير من الناس، وبعد فترة بدأ سعرها يرتفع ثم انقرضت، وكان السبب أن رجال أعمالنا "الوطنيين" تدخلوا لدى الدولة لمضاعفة الضرائب على المعكرونة الجزائرية حتى تتوقف عن مضايقتهم، حيث كان ملاك مصانع المعكرونة "الوطنية" يريدون حماية منتجهم الوطني ليتسنى لهم بيع معكرونتهم ذات السمعة السيئة مقارنة بمعكرونة الخارج بالسعر الذي يحلو لهم.
كانت القاعدة العامة أن كل ما يصنعه التجار تضاعف الدولة للتجار الضرائب على استراده لحماية "المنتج الوطني"، فينتهز التجار الفرصة فيرفعون سعره، وآخر مثال على ذلك البيض، والأنابيب، وحديد ًالبناء الذي مع الأسف أخبرني أحد البنائين أن بناء المنازل به يشكل خطرا حقيقيا، إذ أن "ابوتوهات" المبنية به لا تستطيع تحمل الأوزان الثقيلة مع الوقت، والسقوف المبنية به لا يمكنها الصمود كثيرا لضعفه وليونته، ومع ذلك فالمواطنون يشترونه بكثرة غير عالمين بخطره. وقد سبق لي أن طالبت الدولة بالتدخل لفحص هذا الحديد وإخضاعه للمواصفات العالمية لأن خطورة البناء به أشد من خطورة الإسمنت المغشوش.
وأعرف شخصا كان يفكر في استيراد الشاي (الورگه المعلومة) واختيار اسم وعلامة تجارية (ماركة) خاصة بها، فتواصل مع موردين صينيين فأخبروه أنه لا يستطيع بيع "الورگه المعلومة" في موريتانيا لأن سعر كلغ أدنى عينة منها يزيد على 10 دولارات، وأكثر ما يشتري الموريتانيون عينات بدولار أو دولارين للكلغ، مضيفين أن بإمكانهم أن يضيفوا له مواد للنكهة واللون والرغوة ليساعده ذلك على إنجاح ماركته من "الورگه". وأعتقد أن بعض النشطاء فحص عينات من "الورگه" التي تستعمل في موريتانيا فوجدها جميعا ملوثة، ومع ذلك ما زالت هذه العينات تباع في السوق وكأن شيئا لم يقع.
كان في موريتانيا في السبعينات مختبر لفحص الأدوية والأغذية، وبعد انقلاب 1978 ظلت الرقابة على الأغذية والأدوية تتراجع حتى انعدمت تماما.. وفي سنة 2006 كنا نعد تحقيقا صحفيا عن الأغذية والأدوية وسألنا عن مصير هذا المختبر، فأخبرنا أن بعض الأوربيين المقيمين لما لاحظوا أنه لم يعد مهما لدى الموريتانيين طلبوه منهم وأصبحوا يستخدمونه لفحص متعلقات كلابهم.
وفي سنة 2020 إبان استفحال أزمة كورونا كنت أقوم ببعض البناء الخاص بي فاحتجت إلى بعض "كرو" لتبليطه، فجئت إلى صاحب دكان أعرفه، فأخبرني أن هناك أزمة في "كرو" تسببت في ارتفاع أسعار المستورد منه لانقطاع الإمدادات بسبب إغلاق بعض المصانع التي كانت تزود موريتانيا، لكنه يقترح علي شراء "كرو" لا يقل جودة إن لم يكن أجود مستورد من دولة مجاورة، وما زال سعره معقولا، فاشتريته، وفعلا أخبرني "الكارالير" الذي ركبه أنه غليظ وقوي، وأنه أفضل من جميع العينات التي في السوق.. لكن الكارثة أني لما عدت بعد ثلاثة أسابيع أو أربعة إلى الدكان واشتريت من عنده دفعة جديدة لتكملة العمل أخبرني "الكارلير" أن هذه الدفعة الجديدة تختلف عن سابقتها من حيث الغلظ والقوة، فرجعت إلى صاحب الدكان أستفسره، فأخبرني أن التاجر المستورد له لما نجح في بيع شحنته الأولى رجع إلى المصنع وطلب منهم شحنة جديدة تكون أرق وأضعف مقابل سعر أرخص، فأخبره المصنع أنه لا بد له من رخصة من وزارة التجارة لتصنيع "كرو" ناقص الجودة بهدف تصديره إلى موريتانيا، فردت عليه الوزارة بالموافقة شريطة ضمان إخراجه جميعا من البلاد، ودفع تكاليف فرقة من الوزارة تراقب تصنيعه وفرقة من الجمارك ترافقه من المصنع إلى الحدود الموريتانية للتأكد من دخوله موريتانيا.
وأخيرا حتى لا أطيل عليكم، فالأمثلة كثيرة، والهدف هو توعية المواطنين وتبصير السلطات كي تتصرف، اختم بموضوع اللحوم إذ أذكر أننا مرة خلال تحقيق صحفي 2006 وجدنا لحم الحمير يباع مطبوخا قرب اكلينيك، وأخبرنا عن حالات اشتباه في بيع لحوم الكلاب ولحوم الجيف، وقد وقف رجال في توجنين آنذاك قرب مصنع الجبس على أشخاص سلخوا ناقة ميتة هناك وام يتركوا الا جلدها وامعاءها، وقبل سنوات قليلة انتشر مرض في الغنم لم أعد أذكر هل هو الحمى القلاعية أو حمى الوادي المتصدع، وفرضت السلطات عدم بيع لحم لم يضع عليه الطبيب البيطري المختص الطابع الأخضر الذي يظهر سلامته، وكان قربنا في توجنين محل يبيع لنا لحم الغنم وكنا مرتاحين له لأننا كنا ترى الطابع على اللحوم التي يبيع، حتى علمنا من بعض الجيران أن الطابع مزور، صنعه صاحب المحل وأصبح يضعه على شياهه دون المرور بأي طبيب بيطري.
وكان مرة معي قبل سنوات هنا في انواكشوط ضيف سعودي كان مقيما في إحدى الشقق، فأراد أن يشتري لحما ليطبخه، فأخبرته البقالة أنه لا يوجد إلا اللحم القديم لأن اليوم يوم الثلاثاء ويمنع فيه بيع اللحم الجديد للمستهلكين، فتعجب كثيرا، ولما التقيته قال لي كيف تمنع الدولة بيع اللحم الجديد لمواطنيها، المفروض العكس وهو أن تمنع بيع اللحم القديم لأنه يكون ملوثا بالبكتيريا والجراثيم، فلم أجبه حياء لبلدي... مع أن الجواب واضح وهو أن تحكم التجار واتحادياتهم المختلفة في البلد وقراراته هو السبب..
يتواصل
من صفحة الإعلامي الحسين بن محنض




