الأربعاء
2026/08/12
آخر تحديث
الأربعاء 12 أغشت 2026

عندما تقول الأرقام إن لدينا المزيد من الأسماك… بينما يقول البحر شيئاً آخر

منذ 16 دقيقة
عندما تقول الأرقام إن لدينا المزيد من الأسماك… بينما (…)
الاتحادية العامة للصيد FGP
طباعة

هل من الحكمة زيادة جهد الصيد واستقدام سفن أجنبية في ظل المؤشرات المقلقة للمخزونات؟

هناك أرقام تتكرر منذ سنوات في الحديث عن الثروة السمكية الموريتانية، من بينها أن المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة تحتوي على إمكانات سمكية هائلة، وأن أكثر من 40% من هذه الإمكانات لم تستغل بعد.

هذا الرقم، إذا قرئ بطريقة مجردة، يبدو مطمئناً جداً.

وقد يقود إلى نتيجة تبدو منطقية للوهلة الأولى: إذا كان جزء كبير من الثروة لم يستغل بعد، فلماذا لا نزيد عدد السفن؟ ولماذا لا نستقدم مزيداً من الأساطيل الأجنبية لاستغلال ما تبقى؟

لكن المشكلة أن البحر لا يُدار بالأرقام المجردة.

البحر يُقرأ أيضاً من خلال ما يصطاده الصياد، ومكان وجود السمك، وحجم الأسماك، وتغير مواسمها، وتراجع بعض الأنواع، والجهد الذي أصبح الصياد يحتاجه للحصول على نفس الكمية التي كان يحصل عليها سابقاً.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عنده
بين “الإمكانات” و”ما يوجد فعلاً في البحر”

تقدر بعض الوثائق الرسمية والدولية الإمكانات الاستغلالية للموارد السمكية الموريتانية بأرقام تقترب من 1.7 إلى 1.8 مليون طن سنوياً.

لكن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن هناك 1.8 مليون طن من الأسماك موجودة أمامنا الآن، ويمكن ببساطة أن نرسل إليها السفن ونستخرجها.

هناك فرق كبير بين الإمكانات الاستغلالية المقدرة وبين الكتلة الحية الموجودة فعلياً في البحر في وقت معين، وبينهما أيضاً فرق آخر يتعلق بالكمية التي يمكن صيدها سنوياً دون الإضرار بقدرة المخزون على التجدد.

وهذا التفريق مهم جداً.

فحتى الوثائق المرتبطة بإدارة الأسماك السطحية الصغيرة تشير إلى أن رقم 1.353 مليون طن، الذي استُخدم كإمكان للصيد، لا يمثل بالضرورة إمكانية واقعية، بل وُصف في تقييم مرحلي بأنه إمكان “افتراضي”، مع الدعوة إلى تحديثه سنوياً وفق حالة المخزونات.

إذن لا ينبغي أن تتحول أرقام الإمكانات إلى شيك مفتوح لزيادة الصيد.

ماذا يقول البحر؟

بعيداً عن الجدل النظري حول النماذج والحسابات العلمية، هناك شيء آخر ينبغي ألا نتجاهله: المؤشرات القادمة من البحر نفسه.

الصيادون يلاحظون تغيراً في أماكن تجمع الأسماك، وتغيراً في مواسم ظهورها، وتراجعاً في بعض الأنواع، واختلافاً في أحجام المصيد، واضطراراً في بعض الحالات إلى البحث لمسافات أكبر عن تجمعات الأسماك.

قد لا تكون ملاحظات الصياد وحدها كافية لإصدار حكم علمي على حالة مخزون معين.

لكن من الخطأ أيضاً تجاهلها.

فالصياد الذي يقضي سنوات طويلة في البحر يملك سلسلة من الملاحظات اليومية التي لا يمكن اختزالها في رقم واحد في تقرير سنوي.

والأهم أن هذه الملاحظات لا تأتي وحدها.

فالبيانات الرسمية الحديثة نفسها لا تقدم صورة وردية تماماً.

فمن بين 23 مخزوناً تمت متابعتها في أحدث البيانات المنشورة، صُنّف 12 مخزوناً، أي حوالي 52%، في حالة استغلال مفرط.

كما أن بعض الأنواع المهمة، ومنها السردينيلة المستديرة، تظهر مؤشرات مقلقة، بينما توصف معظم الموارد القاعية بأنها مستغلة بالكامل أو بشكل مفرط.

فإذا كان أكثر من نصف المخزونات التي تمت متابعتها يعاني من الاستغلال المفرط، فهل من الحكمة أن يكون ردنا هو زيادة جهد الصيد؟

هذا هو السؤال الحقيقي

ليست المشكلة في المعهد… بل في كيفية استعمال الأرقام

من السهل أن نذهب مباشرة إلى اتهام المؤسسات العلمية بالخطأ أو المبالغة.

لكنني لا أرى أن هذا هو الطريق الصحيح.

المسوح العلمية وتقديرات المخزونات لها منهجياتها، وهي ليست مجرد أرقام مخترعة.

لكن العلم نفسه يقول إن تقديرات المخزونات تحمل هامشاً من عدم اليقين، وأن الكتلة الحية تتغير من سنة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، وأن الأسماك تتحرك، وأن الظروف البيئية تتغير، وأن المخزونات المشتركة قد تنتقل بين المياه الموريتانية والمياه المجاورة.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس:

هل المعهد على حق أم على خطأ؟

بل:

هل الأرقام التي كانت صالحة في فترة معينة ما زالت صالحة اليوم لاتخاذ قرار بزيادة جهد الصيد؟

وهذا سؤال مختلف تماماً.

الخطر في عبارة “ما زال أكثر من 40% غير مستغل”

القول إن أكثر من 40% من الإمكانات لم تستغل بعد قد يبدو مبرراً لزيادة الصيد.

لكن هذا الاستنتاج يمكن أن يكون خطيراً إذا لم نعرف بالضبط:

* كيف حُسبت هذه النسبة؟
* إلى أي سنة تعود؟
* هل تتحدث عن الكتلة الحية أم الإمكانات النظرية؟
* هل تشمل جميع الأنواع أم مجموعات معينة؟
* هل تراعي حالة كل مخزون على حدة؟
* هل تأخذ في الاعتبار تغير البيئة البحرية؟
* هل تأخذ في الاعتبار المخزونات المشتركة والهجرة؟
* وما هو هامش عدم اليقين في هذه التقديرات؟

فليس من المنطقي أن نقول:

“لدينا 40% لم نستغلها، إذن يمكننا زيادة الصيد.”

قبل أن نسأل:

“40% من ماذا؟”

الثروة السمكية ليست حساباً مصرفياً

هناك خطأ في التعامل مع البحر وكأنه حساب مصرفي.

إذا كان لدينا مليون طن، فهذا لا يعني أننا نستطيع سحب 100 ألف طن اليوم و100 ألف غداً، ثم نعود في العام القادم فنجد المليون كما هي.

الأسماك كائنات حية.

هناك تكاثر ونمو وهجرة ونفوق وتغير بيئي وصيد.

وإذا تجاوز الصيد قدرة المخزون على التجدد، فإن رأس المال نفسه يبدأ في التآكل.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

قد نرفع الإنتاج لفترة قصيرة، ثم نكتشف بعد سنوات أن ما كنا نسميه “ثروة غير مستغلة” لم يكن في الحقيقة فائضاً آمناً، وإنما كان جزءاً ضرورياً من النظام البيئي للحفاظ على المخزون.

استقدام السفن الأجنبية: لماذا يجب أن نكون أكثر حذراً؟

إذا كانت المؤشرات مطمئنة، وكانت المخزونات في حالة جيدة، وكانت لدينا بيانات حديثة وقوية تثبت وجود فائض قابل للاستغلال، فإن استقدام سفن إضافية يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش.

لكن إذا كانت المؤشرات القادمة من البحر مقلقة، وكانت بعض المخزونات مستغلة بالكامل أو بشكل مفرط، وكانت البيانات الرسمية نفسها تصنف أكثر من نصف المخزونات المتابعة في وضع غير مريح، فإن زيادة جهد الصيد تصبح قراراً يحتاج إلى حذر استثنائي.

لأن السفينة الأجنبية لا تأتي لتراقب السمك.

إنها تأتي لتصيد.

وكل طن إضافي يتم استخراجه اليوم يجب أن نعرف من أين جاء:

هل هو فائض حقيقي؟

أم أنه جزء من المخزون الذي يحتاجه البحر للتجدد؟

وهل تستطيع الدولة مراقبة هذا الصيد بشكل كامل؟

وهل كل المصيد يسجل بدقة؟

وهل يمكن معرفة تأثير زيادة الجهد على الأنواع غير المستهدفة؟

وهل نملك القدرة على إيقاف أو تخفيض الصيد بسرعة إذا ظهرت مؤشرات على انهيار أحد المخزونات؟

هذه الأسئلة يجب أن تسبق قرار زيادة الجهد، لا أن تأتي بعده.

عندما ينخفض المصيد… لا يكفي أن نقول إن السمك موجود في مكان آخر

قد يقول البعض إن انخفاض المصيد في منطقة معينة لا يعني انخفاض الثروة، لأن الأسماك تتحرك.

وهذا صحيح من الناحية العلمية.

لكن السؤال يصبح:

إذا انتقل السمك، فلماذا انتقل؟

هل بسبب تغير طبيعي في البيئة؟

هل بسبب تغير درجات حرارة المياه؟

هل بسبب الهجرة؟

هل بسبب توفر الغذاء؟

هل بسبب ضغط الصيد؟

وهل انتقل فعلاً إلى مناطق أخرى داخل المياه الموريتانية، أم إلى مياه دول أخرى؟

هذه الأسئلة مهمة جداً، خصوصاً بالنسبة للموارد المشتركة التي تتحرك بين عدة مناطق ودول

المناطق المحمية يجب ألا تكون دليلاً على وجود فائض خارجها

هناك ملاحظة ميدانية أخرى تستحق الدراسة: تركّز الأسماك في بعض المناطق المحمية أو بالقرب من الشاطئ.

لا ينبغي أن نستنتج من ذلك وحده أن الأسماك “هربت” إلى المناطق المحمية.

لكن ينبغي أيضاً ألا نتجاهل الظاهرة.

فالمناطق المحمية قد تكون مناطق تكاثر أو حضانة أو تغذية، وقد تكون أقل تعرضاً لضغط الصيد.

إذا كانت كثافة الأسماك داخل المناطق التي يقل فيها الصيد أعلى بكثير من المناطق المفتوحة، فإن ذلك يستحق دراسة جدية.

وقد يكون أحد المؤشرات على أهمية خفض الضغط على المخزون، وليس مبرراً لزيادته.

ماذا لو كانت تقديراتنا صحيحة؟

وهذه نقطة يجب أن نقولها بصراحة.

حتى لو افترضنا أن تقديرات الإمكانات السمكية صحيحة تماماً، فهذا لا يعني تلقائياً أن الحل هو استقدام مزيد من السفن.

لأن السؤال الاقتصادي والسيادي يجب أن يكون:

ما أفضل طريقة لاستغلال هذه الثروة لصالح موريتانيا؟

هل نريد فقط زيادة عدد الأطنان المصطادة؟

أم نريد:

* الحفاظ على المخزون؛
* زيادة القيمة المضافة؛
* تطوير التصنيع؛
* خلق فرص العمل؛
* تحسين دخل الصيادين؛
* تطوير أسطول وطني؛
* تقليل هدر الموارد؛
* تحسين الرقابة؛
* حماية حق الأجيال القادمة؟

قد يكون صيد 800 ألف طن بطريقة مستدامة ومربحة لموريتانيا أفضل بكثير من صيد مليون ونصف مليون طن خلال سنوات قليلة ثم دفع ثمن الانهيار لاحقاً.

الحذر لا يعني رفض الاستثمار

المطالبة بالحذر لا تعني رفض السفن الأجنبية بشكل مطلق.

ولا تعني رفض الاستفادة من الثروة السمكية.

بل تعني أن أي زيادة في جهد الصيد يجب أن تكون مشروطة بثلاثة أمور:

أولاً: دليل حديث وشفاف على وجود فائض حقيقي قابل للاستغلال.

ثانياً: تقييم مستقل لحالة كل مخزون، وليس الاكتفاء بالرقم الإجمالي.

ثالثاً: نظام رقابة قادر فعلاً على معرفة ما يصطاد، وأين يصطاد، وماذا يصطاد، وكم يصطاد.

وإذا لم تتوفر هذه الشروط، فإن زيادة الجهد تصبح مخاطرة.

لا نريد أن نكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان

أسوأ سيناريو ليس أن نكون حذرين أكثر مما ينبغي.

أسوأ سيناريو هو أن نرفع جهد الصيد اعتماداً على تقديرات متفائلة، ثم نكتشف بعد سنوات أن المخزون كان يتراجع.

لأن السمك الذي لم نصطده اليوم يمكن أن نصطاده غداً.

أما المخزون الذي انهار، فقد يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يتعافى، وربما لا يعود إلى مستواه السابق.

وهنا يجب أن نتذكر قاعدة بسيطة:

في إدارة الموارد الطبيعية، عندما تكون هناك حالة عدم يقين ومؤشرات خطر، فإن الحكمة ليست في زيادة الضغط، وإنما في تقليل المخاطر.

البحر ليس رقماً

ربما يكون من السهل أن نضع أمامنا رقماً مثل:

1.8 مليون طن.

ثم نقول:

هناك أكثر من 40% لم نستغلها.

لكن البحر لا يعرف هذه الأرقام.

البحر يعرف شيئاً واحداً:

كم سمكة تتكاثر، وكم سمكة تموت، وكم سمكة نصطاد، وكم تبقى لإعادة بناء المخزون.

ولهذا فإن القرار السليم لا ينبغي أن يبنى على سؤال:

“كم بقي لنا من النسبة غير المستغلة؟”

بل على سؤال أكثر أهمية:

“كم نستطيع أن نصطاد اليوم دون أن نسرق من البحر حقه في أن يعطينا السمك غداً؟”.

إن المؤشرات القادمة من البحر، وملاحظات الصيادين، وتراجع بعض المصيدات، وتغير مناطق تجمع الأسماك، وتدهور حالة بعض المخزونات، والتصنيفات الرسمية التي تشير إلى أن أكثر من نصف المخزونات التي تمت متابعتها تعاني من الاستغلال المفرط، كلها أسباب كافية للتعامل مع أي قرار بزيادة جهد الصيد بمنتهى الحذر.

ولا نحتاج، حتى نقول ذلك، إلى أن نكون علماء أحياء بحرية.

يكفي أن نطرح سؤالاً بسيطاً ومنطقياً:

إذا كانت المؤشرات مطمئنة، فلماذا تتراجع حالة عدد من المخزونات؟

وإذا كان لدينا فائض حقيقي قابل للاستغلال:

أين هو هذا الفائض؟ وما المخزون الذي ينتمي إليه؟ وكيف حسبناه؟ وما هامش الخطأ في تقديره؟

وإذا كان أكثر من 40% من الإمكانات لم يستغل بعد:

هل نتحدث عن سمك موجود فعلاً الآن، أم عن إمكانات نظرية أو تاريخية؟

وقبل أن نسمح لسفن إضافية بالدخول إلى مياهنا، يجب أن نكون قادرين على الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح وشفافية.

لأن الثروة السمكية ليست مجرد مورد يمكن استخراجه.

إنها رأس مال طبيعي يعيش ويتجدد، وإذا استهلكناه أسرع من قدرته على التجدد، فإننا لا نستغل الثروة… بل نستهلك رأس المال.

وموريتانيا لا تحتاج اليوم إلى المزيد من الأطنان بأي ثمن.

موريتانيا تحتاج إلى ضمان أن يبقى البحر قادراً على إنتاج الأطنان نفسها بعد عشر سنوات، وبعد عشرين سنة، وبعد أن يرثه أبناؤنا.

الاتحادية العامة للصيد
FGP