ظامة... لعبة صناعة المآلات..!
ظامة ليست مجرد لعبة تقوم على تحريك القطع وقتلها، بل هي في بنيتها تمرين مكثف على التفكير الاستراتيجي: كيف ترى مآل الحركة قبل وقوعها، وتدير المساحة والوقت والخيارات، وتجعل قرار الخصم نفسه جزءا من خطتك.
تبدأ اللعبة بأقصى درجات الازدحام: 81 نقطة تشغل القطع منها 80، بأربعين قطعة لكل طرف، ولا تبقى سوى نقطة واحدة خالية تسمح بالحركة الأولى. ومنذ تلك اللحظة، لا تنقل كل حركة قطعة فحسب، بل تعيد تشكيل الرقعة، فهي تفتح طريقا، وتغلق آخر، وتخلق فرصة، أو تصنع تهديدا مؤجلا.
بينما تكون إجبارية القتل ووجوب استكمال سلسلته أحد أعمق أبعادها الاستراتيجية، فاللاعب الماهر لا يبحث فقط عن القطعة التي يستطيع قتلها، بل قد يقدم قطعة من قطعه ليجبر خصمه على قتلها، فيقوده عبر سلسلة إلزامية إلى الموضع الذي خطط له. وهنا يرتقي التفكير من اختيار أفضل حركة إلى هندسة حركة الخصم نفسه.
لذلك ليست قيمة القطعة في ظامة ثابتة، وليست كثرة القتل دليلا دائما على التفوق، فقد يكون قتل قطعة مكسبا فوريا لكنه خسارة في الوضع، وقد تكون التضحية بعدة قطع ثمنا محسوبا لفتح خط، أو إحكام حصار، أو إيصال قطعة إلى السلطنة.
والسلطان يضيف بعدا آخر للتفكير، فاللاعب لا يقيم القطعة بما هي عليه فقط، بل بما يمكن أن تصبح عليه. كما أن اتساع حركة السلطان يجعل الفراغ والخطوط المفتوحة موارد استراتيجية، فتتحول الرقعة تدريجيا من صراع على القطع إلى صراع على المساحة وحرية الحركة.
ومن هنا يمكن اختزال منطق ظامة في ثلاثة مستويات: إدارة القطع، وإدارة المساحة، وإدارة خيارات الخصم. والأخير هو الأعمق، لأن السيطرة الحقيقية تبدأ حين تستطيع صنع وضع تضيق فيه بدائل خصمك، أو يصبح ما يفعله مجبرا جزءا مما خططت له أصلا.
ومن هذه الزاوية تحديدا أفضل ظامة على لعب الورق (مرياص) ففي لعب الورق يكون جانب مهم من القرار الذي ستتخذه محكوم بما يوزعه الحظ بين اللاعبين من أوراق، وستكون بعض المعلومات محجوبة عنك، أما في ظامة فالرقعة كلها مكشوفة، والقطع معلومة، ولا قرعة تمنح أحدا يدا أقوى من الآخر. يبدأ الطرفان من الوضع نفسه، ثم تتباعد مراكزهما بقدر ما تتباين قراراتهما، ولذلك تبدو ظامة أقرب إلى اختبار خالص للقدرة على التخطيط وصناعة الموقف واستباق العواقب.
فاللاعب المبتدئ يرى الحركة، والجيد يرى ما بعدها، أما الاستراتيجي فيرى الوضع الذي يريد الوصول إليه، ثم يرتب الحركات ـ بما فيها حركات خصمه ـ حتى يصل.
ففي ظامة ليست الاستراتيجية أن تحسن اللعب داخل الخيارات المتاحة، بل أن تحسن صناعة الخيارات نفسها.
ثم إنني في كل الأحوال مان نزال "تونة".
المحامي محمد المامي مولاي أعلي




