وداع العلماء في الشعر الموريتاني - قصيدة محنض اشفغ ورد الشيخ سيدي باب نموذجا
الوداع في الشعر العربي لحظة عميقة تتجسد فيها مشاعر الحزن والفراق وهو ذروة المشاعر الشعرية صدقا والوداع يثير المشاعر ويحركها بما لا يثيرها أو يحركها اللقاء كما في قول
جميل بثينة:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها
ويحيا إذا ودعتها فيعود
لذا تتفوق دلاليا لحظة الوداع على اللقاء.
يا حادي العيس عرج كي أودعهم يا حادي العيس في ترحالك الأجل
يقول المنفلوطي: " وما تفجرتْ ينابيعُ الخيالاتِ الشعرية، والتصوراتِ الفنية، إلا من صدوعِ القلوب الكسيرة، والأفئدة الحزينة ".
وفي فترة مبكرة من قيام الدولة الاسلامية وازدهار العلم ظهر غرض جديد هو وداع العلماء والفقهاء عند ارتحالهم، تعبيرا عن الوحشة وأثر فراقهم، كقول الشاعر:
أَسْتَوْدِعُ اللهَ شَيْخاً زَانَهُ أَدَبٌ ...
وَالعِلْم مِنْ فِيهِ كَاليَنْبُوعِ يَنْبَجِسُ
فَارَقْتَنَا وَقُلُوبُ النَّاسِ وَاهِنَةٌ ...
وَمَجْلِسُ العِلْمِ بَعْدَ النُّورِ يَنْعَمِسُ
وقد حظي وداع العلماء خاصة بمكانة استثنائية في الشعر الموريتاني،
ومنه قول القائل:
تودع من مرابعنا البهاء
وغاض ببعيد فرقتك الصفاء
فيا خلا وداعك كان مرا
وتحت لوائه بكت السماء
وقول المختار ولد حامدن:
راح الذين بهم كانت مجالسنا
تزهو وغاب عن الآفاق سيماء
ودعتهم وحنين النفس يقذفني
إلى عهود لهم فيها أعزاء_
*ومن أجمل ما جرى في بلادنا من شعر الوداع قول محنض اشفغ الديماني - من أولاد بارك الله فيهم - مودعا الشيخ سيدي باب، ورد الشيخ سيدي باب عليه.*
يقول محنض أشفغ:
> لا الروحُ تَظْعنُ إنْ جُثمانُها ظَعَنا
> كلاّ ولا القلبُ يسْلو مَنْ هنا قطنا
> ولا أراني إذا يممت أرض بني
> ديمان ترتاح نفسي عنكمُ زمنا
> إني بحبلكمُ مُسْتَمسِكٌ فَعَسَى
> يجلو به الله عني الرَّيْنَ والدَّرَنا
> لا زلتمُ ملْجأَ الوُرَّادِ أجمعِهم
> لا زال سيّدكم ذا يصطفي السُّنَنا
> يُبْدي غوامضَها يَحْوي أدلَّتَها
> يَقفو الصراطَ السوِيَّ الواضحَ الحَسَنا
> هذا وتاللهِ لا أبغي بكمْ بَدَلاً
> من سائر الناس لا أهلاً ولا وطَنَا
> أنشدْتُ والحالُ قبلَ اليوم مُنْشِدَةٌ
> بيتًا أحقُّ به من مُنْشديه أنا
> أستودعُ اللهَ قومًا ما ذكرْتُهُمُ
> إلا تحدَّرَ مِنْ عينيَّ ما سَكَنا
وهي قطعة شعرية من السهل الممتنع، محشوة بدائعا ، ونظمها على بحر *البسيط*.
ففي البيت الأول
*طباق معنوي* بين الروح والجثمان، وبين الظعن والسلو. وافتتح بـ *النفي والاستدراك بكلا* وهو أسلوب يسمى *نفي الشيء بدليله*، كأنه يقول فراق الجسد لا يلزم منه فراق الروح.
وفيه *استعارة مكنية*: بجعل القلب لا يسلو، أي جعله شخصا عاشقا لا ينسى.
وفي البيت الثالث
*اقتباس قرآني:* وذكر *الرين والدرن* وهما قريبان في المعنى، فهذا *ترادف وتأكيد*، وفيه *جناس ناقص*
واستعارة حبلهم: لجعل مودتهم حبلا يعتصم به من الذنوب، وهذه *استعارة تصريحية* جميلة.
وفي الرابع والخامس الدعاء بصيغة الخبر* "لا زلتم" وهو من أساليب الدعاء عند العرب أبلغ من اللهم اجعلهم.
وفي قوله "يبدي غوامضها يحوي أدلتها" *طباق ومقابلة*: يبدي عكس يحوي، غوامض عكس أدلة، فهو يكشف المشكل ويجمع الدليل. ويسمى *اللف والنشر*.
وقوله "يصطفي السننا" فيه *تورية*: السنن جمع سنة، وتحتمل الطرق، لكن المراد السنة النبوية.
وفي السادس
*القسم للتوكيد* "وتالله" و *الحصر بالنفي* "لا أبغي" ثم عمم النفي بـ *الطباق الشامل*: لا أهلا ولا وطنا، أي أنتم الأهل والوطن. وهو *كناية عن شدة التعلق*، وفيه ما يسمى *المبالغة المحمودة*.
وفي الأبيات الأخيرة الخاتمة والتضمين:
> أنشدْتُ والحالُ قبلَ اليوم مُنْشِدَةٌ
> بيتًا أحقُّ به من مُنْشديه أنا
> أستودعُ اللهَ قومًا ما ذكرْتُهُمُ
> إلا تحدَّرَ مِنْ عينيَّ ما سَكَنا
وهنا قمة البديع:
بحسن التخلص:* حيث مهد للتضمين ببيت كامل وضمن بيتا مشهورا وهذا يسمى *التضمين المذيل*.
وكذلك الطباق الخفي في البيت المضمن:* بين *ما ذكرتهم* وهو فعل معنوي قلبي، و *تحدر من عيني* وهو فعل حسي، فالذكرى في القلب والدمع في العين، مقابلة بين الباطن والظاهر.
والجناس اللفظي:* في "ما سكنا" تحتمل سكن الدمع في العين، وسكن القلب، فهي *تورية* بمعنيين.
والخلاصة البديعية أن القصيدة كلها:*
القصيدة مبنية على *المقابلة الكبرى*: جسد يظعن وروح تقيم، تيمم لديمان ونفس لا ترتاح عن آل الشيخ سيديا، ذكر قلبي ودمع جاري. كلها تدور على معنى واحد هو *انفصال الجثمان واتصال الجنان*، وهذا هو ما يسميه البلاغيون *حسن التعليل واتحاد الموضوع مع تنوع الصور*.
رد الشيخ سِيدِيَّ بَابَ :
نَسْتَوْدِعُ اللهَ إِلْفًا نَاوِيًا ظَعَنَا.....كَانَتْ تَطِيبُ بِهِ أَوْقَاتُنَا زَمَنَا
كَانَتْ خَلَائِقُهُ صَفْوًا بِلَا كَدَرٍ.....عَلَى الْخَلِيطِ مِنَ الْأَقْصينَ وَالْقُرَنَا
كَأَنَّهَا نَسَمَاتُ الرَّوْضِ بَاكَرَهَا.....مَرُّ الْجَنُوبِ تُزَجِّي عَارِضًا هَتِنَا
لَا يَعْتَرِي طَبْعَهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُهُ.......سِيَّانِ أَحْسَنَ مَنْ يَعْرُوهُ أَوْ خَشُنَا
سَمْحَ الْجِوَارِ فَلَا يُؤْذِي لِصَاحِبِهِ......عَيْنًا بِسُوءٍ وَلَا يُؤْذِي لَهُ أُذُنَا
طَابَتْ أَرُومَتُهُ قِدْمًا وَمَحْتِدُهُ.......فَطَابَ مَا كَانَ سِرًّا مِنْهُ أَوْعَلَنَا
لَا يُنكِرُ السَّامِرُ الْأَخْيَارُ حضْرَتَهُ......فِيهِمْ إِذَا ذَكَرُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَا
أَوْ بَاحَثُوا فِي صَحِيحِ الْفِقْهِ فَالْتَمَسُوا......حُكْمَ الْمَرَاجِيعِ وَالْإِيدَاعِ وَالْأُمَنَا
أَوْ فِي مَذَاهِبِ أَهْلِ النَّحْوِ كَانَ لَهُمْ......بَحْثٌ وَمَنْ وَافَقَ الْإِعْرَابَ أَوْ لَحَنَا
وَالْعَدْلَ فِي عُمَرٍ فِيهِ وَفِي سَحَرٍ.....وَالْوَزْنَ فِي يَرْفَإٍ فِيهِ وَفِي يَزِنَا
أَوْ بَيَّنُوا فِي عَرُوضِ الشِّعْرِ مُنكَسِرًا......مِنْهُ وَمَا وَافَقَ الْمِيزَانَ فَاتَّزَنَا
وَالْجَمْعَ وَالْفَرْقَ فِيمَا كَانَ مِنْ وَتِدٍ.......وَمَا طَوَوْهُ مِنَ الْأَسْبَابِ أَوْ خُبِنَا
أَوْ حَدَّثُوا عَن بَنِي سَاسَانَ أَوْذَكَرُوا ......مَن كَانَ يَمْلِكُ أَرْضَ الشَّامِ وَالْيَمَنَا
وَالْهَاشِمِيِّينَ أَهْلَ الْمُلْكِ إِن ذَكَرُوا......مِنْهُمْ أَمِينًا وَمَأْمُونًا وَمُؤْتَمَنَا
حَلَّى الْقَرَاطِيسَ بِالْخَطِّ الذِي رَسَمَتْ......يُمْنَاهُ فِيهِنَّ حَلْيًا رَائِقًا حَسَنَا
كَأَنَّهُ الرَّوْضُ مَطْلُولًا أَزَاهِرُهُ.......أَوِ الْمَطَارِفُ مِن صَنْعَاءَ أَوْ عَدَنَا
مَا زَالَ لِلْعِلْمِ وَالْآدَابِ مُتَّبِعًا......لَمْ يَتْبَعِ اللَّهْوَ فِي اللَّاهِينَ وَالدَّدَنَا
فَبَارَكَ اللهُ فِي أَحْوَالِهِ وَنَفَي.....عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَالْأَسْوَاءَ وَالْمِحَنَا
بَلْ فِي مُفَارَقَةِ الْأَحْبَابِ شَائِبَةٌ.......مِن فُرْقَةِ الرُّوحِ مَهْمَا تُسْلَبِ الْبَدَنَا
لَوْلَا الذِي كَانَ مِنْ حَقٍّ لِوَالِدَةٍ......قَدْ جَاءَ فِي الذِّكْرِ بِالتَّوْحِيدِ مُقْتَرِنَا
فَالْحَالُ تُنشِدُ مِنَّا فِي تَرَحُّلِهِ.......حَيَّا الْإِلَهُ زَمَانًا كَانَ يَجْمَعُنَا .
ونرى أن رد الشيخ سيديّ باب هذا قد جاء بنفس الوزن ونفس القافية ونفس معنى المطلع والمختم وهذا من حسن المقابلة وبديعها فقال:
> نَسْتَوْدِعُ اللهَ إِلْفًا نَاوِيًا ظَعَنَا.....كَانَتْ تَطِيبُ بِهِ أَوْقَاتُنَا زَمَنَا
وكذلك نرى التضمين في القصيدتين وكأنه هو سر الربط بينهما، وهو على نوعين:
1- التضمين عند محنض اشفغ - وهو تضمين صريح منصوص عليه:
قال:
> أنشدْتُ والحالُ قبلَ اليوم مُنْشِدَةٌ
> بيتًا أحقُّ به من مُنْشديه أنا
> أستودعُ اللهَ قومًا ما ذكرْتُهُمُ
> إلا تحدَّرَ مِنْ عينيَّ ما سَكَنا
هذا يسمى في البلاغة *التضمين المصرّح به*. الشاعر نفسه يقول: أنا سأضمن بيتا ليس لي.
والبيت المضمن:
> أستودع الله قوما ما ذكرتهم إلا تحدر من عيني ما سكنا
وهو بيت قديم مشهور قال الشاعر أنا أحق به من كل أحد ، لأنه يصف حالته تماما.
ووظيفة التضمين هنا: *تقوية المعنى بالشاهد*. كأنه يقول: حالي ليس جديدا، هذا حال كل مفارق، وقد قيل قبلي فأنا أتمثله.
أما التضمين عند الشيخ سيديّ باب - فهو تضمين بالمعارضة: حيث لم يصرح أنه يضمن، لكنه ضمن:
وكذلك من بدائع قصيدة الشيخ سيدي
أ*- تضمين المطلع:*
محنض ختم بـ *أستودع الله قوما...*
سيديّ باب بدأ بـ *نستودع الله إلفا ناويا ظعنا*
وهذا تضمين معنوي ولفظي، يسمى المعارضة والاقتباس*. فحول الجمع في قصيدة محنض إلى إفراد، والقوم إلى إلف، ليرد التحية بمثلها وأحسن. كأن قصيدته جواب مباشر على خاتمة صاحبه.
*ب- تضمين القرآن:*
> لَوْلَا الذِي كَانَ مِنْ حَقٍّ لِوَالِدَةٍ......قَدْ جَاءَ فِي الذِّكْرِ بِالتَّوْحِيدِ مُقْتَرِنَا
ضمن معنى قوله تعالى: *{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}* و *{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}* فجعل حق الوالدة مقرونا بالتوحيد. وهذا يسمى *تضمين الاقتباس*.
*ج- تضمين المصطلحات العلمية:*
وهذا أخفى أنواع التضمين، أن يضمن القصيدة كلها كتبا:
ضمن كتاب النحو كله في بيت:والعدل في عمر...وضمن كتاب العروض كله في بيت:والجمع والفرق فيما كان من وتد...`
وضمن كتاب الفرائض والوديعة في بيت.
فكأن القصيدة مكتبة مضمنة.
*الفرق بين تضمين الشاعرين :*
تضمين محنض اشفغ تضمين *حنين ودموع*، أراد أن يبكي ببيت غيره.
وتضمين سيديّ باب تضمين *وفاء وجواب*، أراد أن يرد ببيت صاحبه نفسه، ويضمن قصيدته علوم صاحبه ليشهد له أنه ليس مجرد صديق، بل عالم يستحق أن يذكر في الفراق بمثل هذا.
ولهذا صار البيت المضمن *أستودع الله* هو القاسم المشترك الذي يربط القصيدتين ويجعلهما موضوعا واحدا كما قلت.
فانظر إلى الأدب في قصيدة الشيخ سيدي باب ردا على محنض الذي قال *أستودع الله* بالإفراد، وسيديّ باب رد قائلا*نستودع الله* بالجمع، كأن كل أهل البيت يودعونه معه.
ثم واصل يصفه:
> كَانَتْ خَلَائِقُهُ صَفْوًا بِلَا كَدَرٍ.....عَلَى الْخَلِيطِ مِنَ الْأَقْصينَ وَالْقُرَنَا
> كَأَنَّهَا نَسَمَاتُ الرَّوْضِ بَاكَرَهَا.....مَرُّ الْجَنُوبِ تُزَجِّي عَارِضًا هَتِنَا
وقوله *مر الجنوب* تورية مقصودة هنا، لأن محنض إذا يمم أرض بني ديمان فإنه يمم الجنوب حيث بني ديمان وأخلاقهم التي يضرب بها المثل ، فكأن أخلاقه من نسمات أرضه.
ثم عدد علومه ليبين أن فراقه ليس فراق شخص عادي:
> لَا يُنكِرُ السَّامِرُ الْأَخْيَارُ حضْرَتَهُ......فِيهِمْ إِذَا ذَكَرُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَا
> أَوْ بَاحَثُوا فِي صَحِيحِ الْفِقْهِ...
> أَوْ فِي مَذَاهِبِ أَهْلِ النَّحْوِ...
> أَوْ بَيَّنُوا فِي عَرُوضِ الشِّعْرِ...
فأثبت له الفقه والنحو والعروض والتاريخ والخط.
حتى إذا وصل إلى الدعاء،
> فَبَارَكَ اللهُ فِي أَحْوَالِهِ وَنَفَى.....عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَالْأَسْوَاءَ وَالْمِحَنَا
جاء بتورية أخرى تخص بني ديمان ظاهرها دعاء، وباطنها نسب، فالممدوح *محنض اشفغ من أولاد بارك الله من أولاد ديمان*، فكأنه يقول: بارك الله في أحوال ابن بارك الله. وهذا يسمى عند البلاغيين *التوجيه*، يأتي بلفظ يحتمل الدعاء واسم القبيلة.
ثم ختم بالعذر الذي يبين أن محنض ما ارتحل إلا برا بوالدته:
> لَوْلَا الذِي كَانَ مِنْ حَقٍّ لِوَالِدَةٍ......قَدْ جَاءَ فِي الذِّكْرِ بِالتَّوْحِيدِ مُقْتَرِنَا
> فَالْحَالُ تُنشِدُ مِنَّا فِي تَرَحُّلِهِ.......حَيَّا الْإِلَهُ زَمَانًا كَانَ يَجْمَعُنَا
فصارت القصيدتان لوحة واحدة: واحدة تودع بالدموع: *إلا تحدر من عيني ما سكنا*، والأخرى ترد بالوفاء: *حيا الإله زمانا كان يجمعنا*.
فهذه القصيدة من بدائع شيخنا *سيديّ باب جمع فيها بين وصف الخلق والعلم، وهي منسوجة على البديع وخاصة التورية والتلميح. ومن أمثلة ذلك:
> نَسْتَوْدِعُ اللهَ إِلْفًا نَاوِيًا ظَعَنَا.....كَانَتْ تَطِيبُ بِهِ أَوْقَاتُنَا زَمَنَا
براعة استهلال:
> كَانَتْ خَلَائِقُهُ صَفْوًا بِلَا كَدَرٍ.....عَلَى الْخَلِيطِ مِنَ الْأَقْصينَ وَالْقُرَنَا
*طباق* بين الأقصين والقرنا، أي كان صافيا مع البعيد والقريب.
> كَأَنَّهَا نَسَمَاتُ الرَّوْضِ بَاكَرَهَا.....مَرُّ الْجَنُوبِ تُزَجِّي عَارِضًا هَتِنَا
*تشبيه* أخلاقه بنسيم الروض، وفيه *تورية لطيفة* هي مفتاح القصيدة: الظاهر ريح الجنوب، والمراد الخفي أن الممدوح من أهل الجنوب، من أهل القبلة، فكأن رقة أخلاقه من رقة قومه.
> لَا يَعْتَرِي طَبْعَهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُهُ.......سِيَّانِ أَحْسَنَ مَنْ يَعْرُوهُ أَوْ خَشُنَا
*طباق* بين أحسن وخشنا، ومعناه ثبات الطبع لا تغيره معاملة الناس.
> سَمْحَ الْجِوَارِ فَلَا يُؤْذِي لِصَاحِبِهِ......عَيْنًا بِسُوءٍ وَلَا يُؤْذِي لَهُ أُذُنَا
> طَابَتْ أَرُومَتُهُ قِدْمًا وَمَحْتِدُهُ.......فَطَابَ مَا كَانَ سِرًّا مِنْهُ أَوْ عَلَنَا
*كناية* عن شرف النسب، وطباق بين سرا وعلنا.
> أَوْ بَاحَثُوا فِي صَحِيحِ الْفِقْهِ فَالْتَمَسُوا......حُكْمَ الْمَرَاجِيعِ وَالْإِيدَاعِ وَالْأُمَنَا
*تلميح فقهي* لأبواب الرجعة والوديعة.
> أَوْ فِي مَذَاهِبِ أَهْلِ النَّحْوِ كَانَ لَهُمْ......بَحْثٌ وَمَنْ وَافَقَ الْإِعْرَابَ أَوْ لَحَنَا
*طباق* بين وافق الإعراب أو لحن.
> وَالْعَدْلَ فِي عُمَرٍ فِيهِ وَفِي سَحَرٍ.....وَالْوَزْنَ فِي يَرْفَإٍ فِيهِ وَفِي يَزِنَا
هذا من أبدع *الألغاز النحوية*: عمر ممنوع للعدل، وسحر إذا أريد به يوم بعينه ممنوع للعدل والتعريف، ويرفأ ويزن ممنوعان للوزن. فكأنه يقول الممدوح يعرف علل المنع من الصرف كلها.
> أَوْ بَيَّنُوا فِي عَرُوضِ الشِّعْرِ مُنكَسِرًا......مِنْهُ وَمَا وَافَقَ الْمِيزَانَ فَاتَّزَنَا
طباق بين منكسر واتزنا.
> وَالْجَمْعَ وَالْفَرْقَ فِيمَا كَانَ مِنْ وَتِدٍ.......وَمَا طَوَوْهُ مِنَ الْأَسْبَابِ أَوْ خُبِنَا
*تلميح عروضي* كامل: الوتد مجموع ومفروق، والسبب، والطي والخبن من الزحافات.
> أَوْ حَدَّثُوا عَن بَنِي سَاسَانَ أَوْ ذَكَرُوا......مَن كَانَ يَمْلِكُ أَرْضَ الشَّامِ وَالْيَمَنَا
> وَالْهَاشِمِيِّينَ أَهْلَ الْمُلْكِ إِن ذَكَرُوا......مِنْهُمْ أَمِينًا وَمَأْمُونًا وَمُؤْتَمَنَا
*تلميح تاريخي* للفرس والغساسنة، ثم للعباسيين. وقوله أمينا ومأمونا ومؤتمنا فيه *جناس اشتقاق وتورية* بالأسماء: الأمين والمأمون والمؤتمن ألقاب خلفاء بني العباس، وهو يصفه بالأمانة ويلمح لأسمائهم.
> حَلَّى الْقَرَاطِيسَ بِالْخَطِّ الذِي رَسَمَتْ......يُمْنَاهُ فِيهِنَّ حَلْيًا رَائِقًا حَسَنَا
> كَأَنَّهُ الرَّوْضُ مَطْلُولًا أَزَاهِرُهُ.......أَوِ الْمَطَارِفُ مِن صَنْعَاءَ أَوْ عَدَنَا
*تشبيهان مركبان* لخطه: كالروض المندي، وكالثياب اليمنية الفاخرة.
> مَا زَالَ لِلْعِلْمِ وَالْآدَابِ مُتَّبِعًا......لَمْ يَتْبَعِ اللَّهْوَ فِي اللَّاهِينَ وَالدَّدَنَا
الددن: اللهو.
> فَبَارَكَ اللهُ فِي أَحْوَالِهِ وَنَفَي.....عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَالْأَسْوَاءَ وَالْمِحَنَا
فيه *التورية الكبرى الثانية* التي سألت عنها: الظاهر دعاء، والباطن نسب. الممدوح من *أولاد بارك الله*، فجاء بالدعاء على لفظ اسم قبيلته، وهذا يسمى التوجيه.
> بَلْ فِي مُفَارَقَةِ الْأَحْبَابِ شَائِبَةٌ.......مِن فُرْقَةِ الرُّوحِ مَهْمَا تُسْلَبِ الْبَدَنَا
تشبيه فراق الأحباب بخروج الروح.
> لَوْلَا الذِي كَانَ مِنْ حَقٍّ لِوَالِدَةٍ......قَدْ جَاءَ فِي الذِّكْرِ بِالتَّوْحِيدِ مُقْتَرِنَا
*اقتباس قرآني* يعلل به سبب سفر صاحبه برا بأمه.
> فَالْحَالُ تُنشِدُ مِنَّا فِي تَرَحُّلِهِ.......حَيَّا الْإِلَهُ زَمَانًا كَانَ يَجْمَعُنَا
براعة اختتام
والقصيدة شهادة أن الممدوح كان جامعة تمشي: فقيها، نحويا، عروضيا، مؤرخا، خطاطا، من بيت علم مبارك وهي شهادة بمثابة الإجازة من طالب يودع أستاذه ومريد يودع شيخه .
الحسن ولد الشيخ ولد محنض



