الأحد
2026/11/8
آخر تحديث
الأحد 8 نوفمبر 2026

خطاب الترحيل إلى المجهول.. وتآكل الشرعية الدستورية

منذ 12 ثانية
خطاب الترحيل إلى المجهول.. وتآكل الشرعية الدستورية
يعقوب لمرابط
طباعة

لم يكن مثول الوزير الأول المختار ولد اجاي أمام البرلمان لعرض حصيلة عمل حكومته الثانية وبرنامجها مناسبة لاستعراض الأرقام والوعود بقدر ما كان مناسبة لكشف الهوة السحيقة بين الخطاب الرسمي وواقع الموريتانيين؛ فبينما تتحدث الحكومة عن الإنجازات والنمو والمشاريع المستقبلية، يواجه المواطن غلاءً خانقاً، وخدمات متردية، وبطالة متفاقمة، وانسداداً متزايداً في الآفاق.
لكن الأخطر في الخطاب لم يكن ما تضمنه من أرقام وتوقعات اقتصادية، ولا ما استعرضه من مشاريع معلنة وخطط مؤجلة، بل ما حمله من إشارات سياسية تعيد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الخطورة: هل نحن أمام مشروع إصلاح حقيقي للدولة، أم أمام محاولة جديدة للالتفاف على القيود الدستورية وإعادة فتح ملف المأموريات الرئاسية؟
إن ما يجري لم يعد مجرد خلاف حول حصيلة حكومية متواضعة، بل يتعلق بأولويات سلطة تبدو أكثر انشغالاً بمستقبل بقائها منها بمستقبل البلاد.
الدستور ليس غنيمة في يد السلطة
لا يمكن فصل الحديث عن الحوار الوطني وإعادة النظر في المنظومة المؤسسية عن سياقه السياسي، ولا عن المحاولات المتكررة لإبقاء مسألة المأموريات الرئاسية ضمن دائرة المناورة والاحتمالات السياسية.
فالدستور ليس وثيقة تُفصّل على مقاس الحكام، ولا عقداً مؤقتاً ينتهي مفعوله عندما تصطدم طموحات السلطة بقيوده، بل هو المرجعية العليا التي تضبط ممارسة الحكم وتحمي الدولة من تغول الأشخاص ومراكز النفوذ.
وقد نصت المادة 28 من الدستور الموريتاني على عدم جواز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من مرة واحدة، فيما تحصن المادة 99 مبدأ التناوب الديمقراطي والأحكام المتعلقة بمدة المأمورية ونظام تجديدها من المراجعة الدستورية، ويعزز القسم الرئاسي الوارد في المادة 29 هذا الالتزام.
وعليه، فإن محاولة إدراج المأموريات ضمن مساومات الحوار الوطني ليست مجرد تفصيل سياسي، بل مساس بجوهر الضمانات الدستورية التي تحكم تداول السلطة.
فما الذي يدعو إلى إعادة فتح ملف حُسم دستورياً؟ وما المصلحة الوطنية في تحويل الحوار من فرصة لمعالجة أزمات الدولة إلى ساحة لاختبار حدود البقاء في الحكم؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه البلاد هو تحويل الدستور من قيد على السلطة إلى أداة في يدها، ومن مرجعية تحمي التداول إلى نص قابل للتأويل والمساومة كلما اقتربت السلطة من حدودها الدستورية.
لا شرعية لأي حوار يضع المبادئ الدستورية المحصنة موضع المساومة، ولا إصلاح في دولة تصبح فيها القيود على الحاكم موضوعاً للتفاوض بدلاً من أن تكون أساساً للحكم.
أرقام الحكومة لا تدخل جيوب المواطنين
اقتصادياً، حاول الوزير الأول تقديم صورة وردية تستند إلى مؤشرات النمو والتوقعات المالية والبرامج الحكومية، لكن السؤال الذي عجزت الأرقام عن الإجابة عنه هو: أين أثر هذا النمو في حياة المواطنين؟
فالحكومة تتحدث عن تحسن المؤشرات، بينما تتآكل القدرة الشرائية، وتتسع دائرة الفقر والهشاشة، وتزداد كلفة المعيشة. وكأن الاقتصاد الذي يتحدث عنه رئيس الحكومة يوجد في التقارير الرسمية وحدها، ولا طريق له إلى جيوب المواطنين.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم المفارقة؛ إذ بلغ التضخم السنوي 9.3% خلال سبتمبر 2026، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 12.5% خلال الفترة نفسها.
هذه ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل أعباء إضافية تتحملها أسر أنهكها الغلاء، ودخول محدودة لم تعد قادرة على مواكبة أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية.
فأي قيمة لنمو اقتصادي لا ينعكس على حياة الناس؟ وما جدوى الفوائض والتوقعات المالية إذا كان المواطن عاجزاً عن توفير ضروريات أسرته؟
أما التحويلات النقدية المحدودة، التي تقدمها الحكومة باعتبارها وجهاً من وجوه الحماية الاجتماعية، فلا يمكن أن تكون بديلاً عن سياسة اقتصادية منتجة، ولا ستاراً يحجب فشل السياسات في مكافحة الفقر والبطالة وخلق فرص العمل.
الاقتصاد لا يُقاس بما تعرضه الحكومة من أرقام على البرلمان، بل بما يتبقى في جيب المواطن بعد تأمين قوت يومه.
كهرباء ومياه وخدمات.. دولة غائبة ووعود حاضرة
في قطاع الخدمات، لا يحتاج المواطن إلى تقارير حكومية مطولة ليكتشف حجم الاختلال؛ يكفيه أن يعيش انقطاعات الكهرباء والمياه، وتردي البنية التحتية، وضعف المرافق الصحية والتعليمية، ليدرك أن الفجوة بين الوعود والواقع لم تعد قابلة للتجميل.
إن تكرار الأزمات، والحوادث التي تكشف هشاشة المنشآت، لا يعكسان مجرد أعطاب تقنية عابرة، بل يطرحان أسئلة جدية حول كفاءة التسيير، وغياب الرقابة، وسوء ترتيب الأولويات، ومصير الأموال التي أُنفقت دون أن تنهي معاناة المواطنين.
فلا معنى لإعلان مشاريع جديدة قبل مساءلة المسؤولين عن تعثر المشاريع السابقة، ولا قيمة للوعود ما لم تتحول إلى خدمات مستدامة يشعر بها الناس.
المشكلة ليست في غياب الخطط والإعلانات، بل في غياب النتائج والمحاسبة. والدولة التي تعجز عن ضمان الكهرباء والماء والخدمات الأساسية لا تستطيع إقناع مواطنيها بملاحم التنمية الممتدة إلى عقود مقبلة.
موريتانيا 2060.. حين يُرحّل الفشل إلى المستقبل
ومن أكثر مفارقات الخطاب الحكومي إثارة للاستغراب أن يتحدث الوزير الأول عن موريتانيا 2060، بينما لا تزال الدولة عاجزة عن حسم أزمات الحاضر، وكأن المطلوب من المواطنين أن ينتظروا عقوداً أخرى حتى تتحقق الوعود التي تتكرر منذ سنوات.
لا أحد يعترض على التخطيط الاستراتيجي أو بناء رؤية طويلة المدى، لكن الدول لا تُبنى بالشعارات المستقبلية، ولا تُقاس جديتها بمدى اتساع الأفق الزمني لخططها، بل بقدرتها على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة.
فما قيمة الحديث عن موريتانيا 2060 في ظل استمرار الفساد، وتعثر الخدمات، وضعف التعليم والصحة، وغياب الصرف الصحي، واختلال البنية التحتية، وتراجع فرص العمل؟
إن حماية الثروة الوطنية، ومحاربة الفساد، وتحسين التعليم والصحة، وتوفير المياه والكهرباء والطرق، وخلق فرص العمل، ليست أهدافاً مؤجلة إلى عام 2060، بل التزامات حكومية واجبة الآن.
لا يجوز أن تتحول سنة 2060 إلى موعد افتراضي لتبرير عجز 2026، ولا أن يصبح المستقبل البعيد ملاذاً سياسياً للهروب من استحقاقات الحاضر.
المشكلة في النظام وأولوياته لا في نقص الوعود
إن جوهر الأزمة التي يكشفها الخطاب الحكومي لا يتعلق فقط بتواضع الحصيلة أو ضعف الأداء، بل بمنظومة أولويات مختلة تضع الاعتبارات السياسية ومصالح السلطة فوق متطلبات الإصلاح الحقيقي.
فبدلاً من تقديم إجابات مقنعة عن الفقر والبطالة والفساد وانهيار الخدمات، تستمر الحكومة في إعادة إنتاج خطاب الإنجازات والوعود، بينما تتراكم الأزمات وتتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ولا يمكن بناء تنمية حقيقية في ظل الفساد، أو تحقيق استقرار مستدام دون مؤسسات قوية، أو اكتساب شرعية سياسية عبر الأرقام والوعود مع تجاهل الواقع المعيشي للمواطنين وعدم احترام الدستور.
وإذا كانت حكومة ولد اجاي تطلب من المواطنين الصبر على برامجها الممتدة إلى عقود مقبلة، فمن حقهم أن يسألوها عن حصيلة السنوات الماضية، وعن مصير الموارد العامة، وعن أسباب استمرار الأزمات، وعن المسؤولية السياسية والإدارية لمن أوصلوا البلاد إلى هذا المستوى من الاختلال.
كما أن من حقهم رفض تحويل الحوار الوطني إلى غطاء سياسي لإعادة ترتيب قواعد البقاء في السلطة، أو الالتفاف على الضمانات الدستورية التي تحكم التداول السلمي عليها.
إن موريتانيا لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات المنمقة، ولا إلى مشاريع ورقية وخطط مؤجلة، ولا إلى سياسيين يدورون في فلك السلطة ويبررون إخفاقاتها، بل تحتاج إلى تغيير حقيقي في نهج الحكم، ومحاسبة جادة، ومؤسسات مستقلة، وعدالة في توزيع الثروة، واقتصاد يخدم المواطنين، وتنعكس ثماره على حياتهم، بدل أن تظل إنجازاته حبيسة التقارير الرسمية.
فالمأمورية ليست أفق الدولة، والسلطة ليست غاية التنمية، والدستور ليس ملكاً للحكام، والحوار الوطني ليس تفويضاً بالعبث بثوابت الجمهورية.
إن موريتانيا لا تحتاج إلى ترحيل أزماتها إلى المجهول، بل إلى تغيير النهج الذي ينتجها ويعيد تدويرها.
يعقوب لمرابط