ماذا لو كنت وزيرًا أول؟ ( الحلقة الثالثة والأخيرة)
في هذا المقال، سوف أستحدث عنصرًا جديدًا للأمن الغذائي، هو التشغيل. قد لا يكون هذا العنصر واردًا ضمن الإطار الدولي التقليدي للأمن الغذائي، لكننا نعتبره جزءًا لا يتجزأ منه؛ لأن انتشار البطالة يعني زيادة الأعباء على الأسر، وتراجع قدرتها على توفير الغذاء، وما يترتب على ذلك من مشكلات إضافية تمس الأمن الاجتماعي والاستقرار الوطني.
من الواضح أن الدولة بحاجة إلى شريك اقتصادي، حتى لا تظل أعباء المشاريع التنموية واقعة على كاهلها وحدها، في حين يوجد فاعلون اقتصاديون خاملون تنمويًا، يحققون أرباحًا طائلة من الفرص المتاحة في البلد، من دون أن يتحملوا دورًا يتجاوز ضمان الربح والمتاجرة مع الدولة. وفي هذه الحالة، تصبح مشاركتهم في معركة التنمية واجبًا وطنيًا.فلم يعد من المقبول أن تتحمل الدولة وحدها كامل التكلفة.
لا يعني ذلك إعفاء الدولة من مسؤولياتها، بل أن تضطلع بدور أساسي في وضع الإطار القانوني والتنظيمي، وتحديد معايير الجودة، ومراقبة التنفيذ، وتوفير الضمانات المناسبة للمشاريع ذات الأولوية الوطنية، دون تحويل تلك الضمانات إلى التزام مفتوح على المال العام. كما يمكنها أن تشارك في تمويل المشاريع، مع توزيع الأعباء على البنوك والمستثمرين والقطاع الخاص، بحيث تتحمل الدولة، مثلًا، نصف تكلفة بعض المشاريع، وفق طبيعتها وجدواها، ويتولى الشركاء تمويل النصف الآخر.
ورغم أن لدينا عددًا معتبرًا من البنوك مُنحت تراخيصها أصلًا للعمل في مجالات محددة، كالزراعة والسكن والصيد وغيرها، قبل أن تتحول إلى بنوك عامة، فإن من الممكن، في إطار إعادة الأمور إلى نصابها، والاستجابة لمقتضيات التنمية، توزيع البرامج التمويلية على مجموعات من البنوك والمستثمرين، وفق تخصصات واضحة:
* مجموعة لتمويل مشاريع الصيد البحري، والقوارب، ومعدات الصيد، ومرافق التبريد والتسويق.
* مجموعة لتمويل الزراعة، وشبكات الري، والمعدات الزراعية، والتخزين، والصناعات التحويلية وقطاع التنمية الحيوانيّة .
* مجموعة لتمويل النقل والبناء والخدمات اللوجستية المرتبطة بالإنتاج.
* مجموعة لدعم المبادرات الفردية والمشاريع التطويرية التي يقودها الشباب، وفق معايير مهنية ومالية تضمن فرص نجاحها واستدامتها.
وتتمثل مهمة الدولة في البداية في تحديد الأهداف، والآليات، والسقف المالي، وحجم مساهمتها، ومساهمات البنوك والمستثمرين والشركات الأجنبية العاملة في البلد بموجب التراخيص والاتفاقيات. كما ينبغي وضع تصور واضح لطرق التمويل وآليات السداد، وللأطر التنظيمية التي ستُستغل من خلالها هذه المشاريع، سواء عبر الأفراد أو التعاونيات أو تأسيس شركات من طرف العاملين والمستفيدين، أو غير ذلك من الصيغ المناسبة.
فإذا كانت تآزر، مثلًا، تصرف لمئات آلاف الأسر مبلغ 30 ألف أوقية شهريًا للأسرة ، فما أثر ذلك في تغيير أوضاع هذه الأسر مستقبلًا؟ وهل سيستمر أي رئيس يأتي بعد غزواني في هذا البرنامج؟ وما مصير الأسرة إذا فقدت هذا الدعم؟
إن التفكير الناجح لا يقتصر على كيفية توزيع الدعم للأسر الاقل صلابة والأفراد غير القادرين على العمل ، بل يتجه إلى كيفية تحويل جزء من الموارد المخصصة لهذا الدعم الاجتماعي إلى وسيلة للحد من الفقر، وتكوين قطاع من العاملين والمنتجين بدل الاكتفاء بدعم العاطلين عن العمل. فإذا كانت ميزانية تآزر تبلغ نحو 60 مليار أوقية سنويًا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: كيف يمكن توجيه جزء من هذه الموارد إلى مشاريع إنتاجية مستدامة تخلق فرص العمل، وتحد من الحاجة إلى الدعم المباشر، دون التخلي عن مساعدة الأسر التي لا تستطيع الاعتماد على نفسها؟
فإذا كنا بحاجة، مثلًا، إلى إنشاء عشرين سوقًا للسمك موزعة على امتداد التراب الوطني، ومجهزة بالتبريد والكهرباء والطاقة الشمسية، فعلينا أن نحدد تكلفة هذه الأسواق، ومواقعها، وحجم الطلب المتوقع عليها، ومصادر تمويلها، والجهات التي ستتولى إدارتها وصيانتها.
وإذا كنا بحاجة إلى مائة زورق سنويًا، فعلينا أن نحدد نسبة ما يمكن إنتاجه محليًا، ونسبة ما سنضطر إلى استيراده، وما يتطلبه ذلك من استثمارات وتكوين ومواد أولية، وما يمكن أن يوفره المشروع من فرص للعمل.
وإذا كنا بحاجة إلى ثلاثة آلاف عامل في قطاع الصيد، بين صيادين ومتخصصين في فرز المنتجات السمكية وتسويقها ونقلها، فعلينا أن نضع خطة واضحة للتكوين والتشغيل، تربط بين حاجات السوق وبرامج التدريب والتمويل. فإنه يتعين علينا تحديد ما هي مساهمة تآزر ومفوضية الأمن الغذائي غي هذه المشاريع مثلا إلى جانب الدولة والبنوك ؟
كما علينا تحيين الاتفاقيات وشروط الولوج إلى الصيد في البلد، وإدراج بنود تدعم هذا التوجه، وربط الاستفادة من الموارد الوطنية بمساهمات ملموسة في التشغيل والتكوين ونقل الخبرة وتطوير الأنشطة المرتبطة بالإنتاج.
بهذه الطريقة، ننتقل من الحديث العام عن التنمية إلى مشاريع محددة، لها أهداف قابلة للقياس، وتكلفة معروفة، ومصادر تمويل واضحة، وجدول زمني للتنفيذ، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج.
لقد أصبح لدينا اليوم تصور أولي عما نحتاج إليه لتطوير قطاع الصيد، وعن الكيفية التي يمكن بها تعبئة الإمكانات الوطنية لتوفير السمك للمواطن، وخلق فرص العمل، وتحسين دخول العاملين في هذا المجال.
فلو كنت وزيرًا أول، لما اكتفيت بإدارة الأزمات بعد وقوعها، بل لعملت على منع أسبابها، وتحويل موارد البلد إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى دخل، والدخل إلى قدرة شرائية تحفظ كرامة المواطن واستقرار البلد.
ثانيًا: التوعية والتحول في نمط الغذاء
أقوم بمجهود استثنائي في الإعلام والفن والمسرح، من خلال خطة شاملة للتوعية والتكوين والتثقيف، تهدف إلى دعم التحول في نمط الغذاء، وتشجيع استهلاك أنواع متعددة من السمك، وزيادة استهلاك الخضروات، والحد من الاعتماد المفرط على اللحوم، بما يتناسب مع إمكانات البلد وموارده الغذائية.
فالأمن الغذائي لا يتحقق بالإنتاج وحده، بل يحتاج أيضًا إلى تغيير بعض العادات الاستهلاكية، وربط ما ننتجه بما نستهلكه.
ثالثًا: الأرض والتشغيل والانتماء الوطني
أعمل بقوة وصرامة على تنفيذ قرار رئيس الجمهورية وإعلانه القاطع بأن الأرض للدولة، وأضع حدًا لا رجعة فيه للملكية العرفية التلقائية للأرض ، ولحرمان المواطنين من استخدامها لمجرد أنهم لا ينتمون إلى القبيلة التي تدعي ملكيتها.
وبالتالي، تُمنح الأراضي وفق الحاجة، ولمن يستغلها فعليًا، لا لمن يحتكرها أو يجعلها إرثًا شخصيًا معطّلًا عن الإنتاج. كما لا تُمنح إقطاعات واسعة إلا لشركات التطوير، وفق شروط صريحة تضمن استغلالها الفعلي وتحقيق منفعة عامة. وأعمل كذلك على منع إقامة المحميات التي تستحوذ على مساحات واسعة من المراعي، وتحاصر المدن، من دون أن تحقق نفعًا عامًا يبرر ذلك.
إن تنظيم الانتفاع بالأرض على هذا النحو لن يرفع مستوى التشغيل فحسب، بل سيسهم في ربط الشباب بالأرض والأهل، وتعزيز صلتهم بمجتمعاتهم المحلية، وترسيخ شعورهم بالانتماء إلى الوطن؛ فحين يجد الشاب فرصة للعمل والإنتاج في أرضه، تقلل دوافع الهجرة الاضطرارية، وتتقوى علاقته بمحيطه وبالدولة وتنويع مصادر الدخل في البلد .
رابعًا: الغذاء مقابل العمل
أدعم فكرة الغذاء مقابل العمل، من خلال نقل المواطنين، في بداية الموسم الزراعي، إلى مناطقهم، وتشجيعهم على الزراعة.
إن أساس هذه الفكرة هو مساعدة الأهالي في مشاريعهم المحلية، ومحاربة الاتكالية في الوقت نفسه، وتثبيت السكان في مناطقهم. فقد أصبح كثيرون يهجرون أماكنهم، ولا يعودون إليها إلا في مواسم محددة من السنة، فلا يبقى فيها سوى الضعفاء الذين لا يستطيعون الانتقال، إلى جانب الأطفال والمراهقين الذين يجدون أنفسهم في أوضاع مزرية، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، وتكاد تسد أمامهم آفاق المستقبل.
إن دعم هؤلاء في مشاريع زراعية وحيوانية منتجة، وربط المساعدة بالعمل حيثما كان ذلك ممكنًا، يمكن أن يخلق دورة اقتصادية محلية، تحفظ للسكان مصادر عيشهم، وتحد من النزوح، وتعيد الحياة إلى مناطق ظلت تعاني من التهميش وضعف النشاط الاقتصادي. أما الأسر التي لا تستطيع العمل بسبب العجز أو ظروف قاهرة، فينبغي أن تظل مشمولة بالحماية الاجتماعية المناسبة.
خامسًا: موضوع التنمية الحيوانية
فتملك موريتانيا حسب بعض التقديرات الرسمية 34 مليون رأس في حين لا يتوفر لديها الاكتفاء الذاتي من الألبان ولا صناعات تتعلق بالألبان ومشتقاتها ولا باللحوم ولا بالجلود والاسوأ من ذلك أن سعر اللحم لم يعد في متناول المواطن البسيط .
إن هذه الوضعية تتطلب تغيير نمط ملكية الحيواتات ودعم فكرة تطويرها والاستثمار فيها وتبني الدولة لمشاريع في دعم القطاء النباتي وزراعة العلف وتربية الحيوانات والدواجن وتوجيه القطاع الخاص في الاستثمار في القطاع .
سادسا :إصلاح النقل العمومي وخلق فرص العمل
أحاول، في الأخير، إعادة الروح إلى مشروع الاتحاد الأوروبي لدعم النقل العمومي في نواكشوط، حين اقترح، خلال العقد الماضي، استبدال سيارات النقل المتهالكة بسيارات جديدة، يسدد أصحابها قيمتها بأقساط مريحة. لكن الخلاف وقع، حسب المصدر نفسه، مع الرئيس السابق بشأن آلية توزيع السيارات، إذ طالب بأن تُسلّم إلى الدولة لتتولى هي توزيعها وتوقف المشروع .
والمهم هنا ليس القصة أو مصداقية مصدرها بل المهم هو الفكرة في حد ذاتها: محاولة شراء خمسة آلاف سيارة نقل، بتمويل مشترك بين الدولة وصناديق التمويل والبنوك والشركاء الاقتصاديين، لاستبدال السيارات المتهالكة أولًا، ثم منح تراخيص تشغيل للعاطلين عن العمل، وفق معايير واضحة تراعي الكفاءة والسيرة المهنية والانسجام مع متطلبات النشاط، والمسؤوليات العائلية، بما يضمن عدالة الاستفادة وحسن استغلال هذه السيارات.
إن من شأن هذه الخطة أن تسهم في زيادة دخل الأسر، وخفض مستوى البطالة، خصوصًا بين الفئات الهشة والأقل حظًا في سوق العمل، فضلًا عن تحديث أسطول النقل وتحسين خدماته، وتقوية دور الدولة في الحماية الاجتماعية من خلال تمكين المواطنين من أدوات العمل، بدل الاكتفاء بتقديم المساعدات لهم.
أعتقد أن توجيه جزء من اهتمام الوزير الأول، المعروف بالجدية ودقة المتابعة والصرامة في تنفيذ الإجراءات، إلى هذه الملفات سيحول الوضع المعيشي للمواطنين إلى وضع أكثر رحمة، وأدعى إلى الاستقرار، وأكثر تعزيزًا للثقة في الدولة.
وسينتقل المواطن، عندئذ، من حالة القطيعة وانعدام الثقة في الحكومة وخطابها، إلى موقع الشريك المتعاون، القادر على استيعاب سياساتها والمساهمة في إنجاحها، بل وتحمل أعباء تطوير السياسة الضريبية التي تمثل جزءًا أساسيًا من توجهات الوزير الأول، متى شعر بأن ما يدفعه يعود عليه وعلى مجتمعه بخدمات وفرص حقيقية.
كما أعتقد جازمًا أن غزواني من أندر الرؤساء الذين يمكن العمل تحت قيادتهم من أجل المصلحة الوطنية، بالنظر إلى ما يمنحه لمعاونيه من صلاحيات، وما يبديه من حسن الإصغاء، وحسن النية في التعامل، والاحترام، والاستعداد للتبني والدعم كلما لزم الأمر. وقد كان التعديل الوزاري الأخير، إلى جانب أمثلة أخرى، قرائن ملموسة على ذلك.
والحقيقة أن نهج غزواني أتاح، منذ البداية، فرصة للعمل الوطني الجاد، لكنها ضاعت في أتون التوازنات السياسية والاختيارات غير الموفقة لبعض المعاونين الأساسيين.
وهناك مقالان آخران من سلسلة «لو كنت»: أحدهما بعنوان «لو كنت وزيرًا»، والآخر بعنوان «لو كنت مدير صوملك».
وبهذا ينتهي هذا الفصل من محاولة التفكير والتوجيه بشأن أوضاع المواطنين، وأهمية أن تكون التوجهات والسياسات فاعلة في كسب الرهانات ومواجهة التحديات الأكثر تأثيرًا في الاستقرار ومستوى العيش.
ولا أنطلق هنا من موقع الأستاذية، فأنا أقل تأهيلًا لذلك، وإنما من تجربة طويلة في أتون معاناة الشعب ومشكلاته، ومن متابعة مستقلة ومتبصرة لسياسات الدولة وإخفاقاتها، ومن شعور داخلي مؤلم بالمسؤولية الوطنية تجاه شعب لم يُكتب له، حتى الآن، أن يغيّر وضعه، رغم الفرص الكبيرة المتاحة لذلك.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




