الأربعاء
2024/07/24
آخر تحديث
الأربعاء 24 يوليو 2024

هل ستفرض القضايا الاجتماعية انسجاما خاصا بمعزل عن القضايا الأخرى؟ وهل ستفرض مرشحا مستقلا؟

27 فبراير 2023 الساعة 21 و41 دقيقة
هل ستفرض القضايا الاجتماعية انسجاما خاصا بمعزل عن (…)
طباعة

الحلقة الثانية -
إننا في ساحة تعرف الكثير من التحولات والتحديات الوطنية والإقليمية المتسارعة و التي تتطلب مواجهتها شرعية وطنية وجسما سياسيا عريضا ومنسجما وشخصية كاريزمية تحمل كل عناصر الزعامة لاتخاذ قرارات تأهيلية وإصلاحية للقطاعات الاساسية بالنسبة للدولة الوطنية ودولة المؤسسات .إن رفع هذه التحديات مرتبط بشخص الرئيس وقدرته على خلق فاعلية وظيفية جديدة للدولة، لا لكي يأخذ شكل الزعيم الوطني أو الألقاب التي يجري لها الترويج وسط المبتذلين ، بل لكي يأخذ على الأقل لقب الرئيس الوطني، وذلك أن الدولة الموريتانية على حالتها الحالية بحاجة لرئيس وطني مسؤول يزن التحديات التغيرات الجيوبولتيكية وانتقال البلد لنادي الغاز والطاقة العالمي وانفراط عقد منظمة الساحل والحزب بين الجزائر والمغرب على السوق الافريقية عبر موريتانيا والتوترات الداخلية العميقة ،إننا إن حاز التعبير على كف عفريت . لكننا على درجة عالية من اليقين أن غزواني لا يريد الترشح لأجل الأبهة. إننا تلاحظ أنه دائما كما هو: ليس مزهوا بالكرسي الذي لم يحمل له أي شعور بالخروج عن ذاته أثناء رئاسته للبلد وتحكمه في زمامه . وهكذا يكون بحاجة ماسة أكثر من غيره لبناء دولة وطنية وهو ما يضعه في أمَسّ الحاجة للاصلاحات الهيكلية بناء على وعيه لمسؤوليته ولكي يترك البلد في وضع دولة مستقرة. ومن هنا يتعين عليه أن يبدأ كسب رهان التحديات الأربعة الأولى ليقطع بالبلد صحراء التحديات الواسعة .
إن أول هذه التحديات هو طريقة تسيير الانتخابات المحلية القادمة على خلفية ترشيحات الحزب وموجات الارتدادات العكسية لتلك الاختيارات في مساحة زمنية صغيرة بالنسبة للتحضير لانتخابات رئاسية في ضوء خيار حسمها في الشوط الأول الذي لم يعد "تِسدارْ إجمالْ إعگاب إنهّار".
فمن الواضح أن درجة التعبير عن الطموح غير "المشروع " عند الكثيرين، أي الذي لا تؤيده ولا تبرره المعطيات السياسية، أضحى وبالا ينذر بتشرذم واسع لدرجة تجزئة المجزّء وتقسيم المقسم داخل حزب الانصاف ،ومرد ذلك انعدام المرجعيات السياسية وإبطال مفعولها رغم أن الاستراتيجية المعتمدة للحفاظ على شعبية الكرسي التقليدية و الثابتة كانت تقوم على تقوية دعائم تلك المرجعيات أو الناخبين الكبار . لقد تم تقليص وظيفيتهم كوسطاء النظام في غير خطة بديلة وأضفى ذلك إلى انفلات النظام التقليدي للسيطرة على الأجسام السياسية المحلية التي كانت في الغالب في شكل كتل منسجمة من الأصوات تقف في صف السلطة و كشعبية ثابتة للكرسي.
لم يكن الرئيس في الغالب يحتاج معها في أصعب الحالات لأكثر من 22% من الأصوات رغم المفارقة الانتخابية الدائمة حيث يحصل الحزب الحاكم دائما على الأغلبية المفرطة في الانتخابات المحلية (البلدية والنيابية ) ، وتظل نتيجة الرئيس أقل من ذلك بكثير ،وفي نفس الوقت ظلت هناك دائما حسابات لتسوية أخطاء الحملة رغم أن الأنظمة كانت قوية ومتجذرة في المجتمع عبر شخصيات وازنة وتتحمل المسؤولية بصفة جماعية وفي مقاربة نظام الجسم الواحد .
كان البديل الوحيد المحتمل للتخلي عن هذه المقاربة هو الانجازات على الأرض وتسويقها سياسيا وإعلاميا. وقد اهتم غزواني بالتوازنات الكبيرة الاجتماعية والمالية للدولة، كان جزء من هذا التركيز حول الاجراءات والاصلاحات الهيكلية للمديونية وآلية التسيير والرقابة، والجزء الثاني يتعلق بحياة الضعفاء ودعم قدرتهم على البقاء على قيد الحياة .ورغم أنه تم تحقيق الكثير في هذا الشأن فقد تراجع الدين لمستوى 40% فقط بدل 104% من الدخل السنوي الخام وتضاعفت الميزانية 100% خلال سنتين كما يتم تسديد الرواتب يوم 25 من كل شهر، وبالنسبة للجانب الاجتماعي يتلقى ربع الشعب تقريبا تأمينا صحيا مجانيا ويتلقى أغلب الفقراء من الشعب رواتب شهرية كمساعدة، وتمت زيادة رواتب الموظفين مرات كما تمت العناية بالمتقاعدين والأرامل بالنسبة للزيادات والتأمين الصحي …النخبة السياسية و الإعلامية ليست لها مصالح مباشرة في هذا النهج بل تشارك في تقزيمه، والذراع الاعلامي للرئيس وللحكومة والأغلبية يقع تحت تأثير التسمم الوبائي لفكرة عدم أهمية الانجازات غير المرئية ..إننا نشهد حالة من عدم الفاعلية العميقة في الخصوص، وهكذا لم نتمكن من تثمين البديل الذي هو الانجازات محل الاستراتيجية التي ابطلنا مفعولها لحد النصف تقريبا، وقد تكفل التواصل الاجتماعي وحجم زيادة الشباب ونسب الوعي بتقليص النصف الآخر إلى أقل درجاته. إننا أمام تضاؤل شعبية الكرسي، لكن لا يمكن أبدا المزح مع أخطاء كبيرة للحزب. إنها ستكون قاتلة وهكذا لا يجد غزواني أي بُد من وضع اليد على عمل الحزب قبل أن يصل لمرحلة المخرجات، خاصة أننا نلاحظ المشاركة الفعالة في صناعة قراراته من طرف شخصيات لها ماض قريب في الفشل السياسي وأخرى لها طموح زائد وفاقد للشرعية ولها رأي وأصابع في الاصطفافات الوطنية ومحاولة التأثير في قرار الحزب دعما لذلك الطموح العريض الفرداني .إن كسب هذا التحدي هو المفتاح الرئيسي لكل التحديات الأخرى .
أما التحدي الثاني -وهو في الحقيقة الأول لكننا أخرناه لأن عملية الحزب وشيكة- فيتعلق بوجود شخصيات زائدة في قمرة القيادة تصنع الكثير من الضجيج وتجلس في كراسي ضخمة على غير مقاسها. إنها توازي دور الوزير الأول ،فلأول مرة في تاريخ البلد نجد حكومة بأربعة وزراء أول، إنها حكومة ثقيلة وغير منسجمة يكثر فيها توكيد المركز والتنافس على لقب الرجل القوى أو "المقرب " ، ويخلق ذلك طقطقة كبيرة توشك أن تنزع المسامير التي تربط الهيكل ببعضه داخل الجسم الواحد للحكومة. إنها تدفع الحكومة للفشل ، وفي نفس الوقت لا يملك أي واحد من هذه الشخصيات القدرة على دعم عمدة ريفي للفوز حتى مع استخدام وسائل الدولة. إنهم يواجهون تقييما صارما بضعف المصداقية من لدن الرأي العام خاصة الدولة العميقة والنظام العام، كما في نفس السياق تقف مجموعات واسعة من أصحاب الخبرات والمهنيين النظفاء عند النقطة التي تقابلها محطة العودة ادراجهم بسبب النسق العام الذي يفرضه هولاء ويتعارض مع المبادئ والاعلانات التي اطلقها غزواني . إنهم على يقين أنه لايمكنه أن يسيّر لوحده طموحات وعلاقات كل الأفراد بالنظام، وأنه كثيرا ما يخوّل أفراده الخّلص العاجزين بتسيير تلك العلاقات والوعود التي يقطعها على نفسه والتي غالبا ما تبقى عند نقطة البداية بالنسبة للوعود وعند الضجر في النهاية من التسويف وأغلب الأحيان في وقف التعاطي مع أصحابها وكانهم يدفعونهم للحنق على النظام .إن هؤلاء الرجال لايملكون عقل الدولة و لا البعد المهني ولا السياسي لتسيير ذلك. إنهم مشغولون، على العكس من ذلك، بتسير الحرب البينية في الفضاءات الداخلية والخارجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فلكل منهم مدونوه وجماعته القبلية والجهوية الضيقة التي تمنعهم من لعب دور رجالات النظام رغم أوزانهم المبالغ فيها داخله وباسمه .
إن الكثيرون صاروا يشيحون النظر عن متابعة الشأن المحلي وكأنهم على شفى القنوط، وينتظر أحسنهم تفاؤلا مراجعة غزواني لبعض حساباته خاصة العمل بمقتضى تقييمه المعلن والخفي لحكومته ولأفراد نظامه الذين يتبادل مع الرأي العام تقييمه السلبي لأدائهم وفي نفس الوقت الاحتفاظ بهم.. أليس في ذلك سرّ ما !!!!.
التحدي الثالث هو تحدي رجال الأعمال. هناك رجال أعمال يلفتون الأنظار بشكل مثير للحنق بسبب جهود ابتلاع الدولة واستخدامهم لصورة الرئيس. إنهم يستولون على أغلب الصفقات وكأنهم مسنودين من الخلف لكن الأسوأ أنهم ينظرون إلى أسفل، لا يريدون أن تفلت أي صفقة كبيرة ولا صغيرة من قبضتهم وعلى جميع امتداد التراب الوطني، ويخطفون جميع الفرص أمام جميع المبادرات الفردية الصغيرة. إنهم يقاتلون من أجل نقطة صحية ومن أجل انتشال باخرة جامحة وأشياء أقل قيمة، ويعطون انطباعا خاطئا عن طبيعة علاقتهم الشخصية بالرئيس، في حين يحاول غزواني جاهدا أن يبعد أهله ومحيطه الشخصي والعائلي عن جميع الامتيازات رغم ما يحاوله البعض من وراء ظهره . إن هذا السلوك يعطي الانطباع وكأنه يملك بطانة من رجال الأعمال، وهذا يدمر صورة إصلاح نظام الصفقات وشفافيتها لأجل تكافؤ الفرص ولأجل محو فكرة بطانة الرئيس .إنها جهود للأسف كبيرة لتشويه جهوده الاصلاحية .إننا بحاجة لطمس هذه الصورة يجب أن يعود هولاء خطوتين للوراء: خطوة فيما يخص الالتصاق بالرئيس بوقف رسائل الوهم واستغلال تلك العلاقة التي يدعم زخمها التظاهرات المشتركة مع الرئيس، والخطوة الثانية هي الابتعاد عن الاستيلاء على أغلب الصفقات ومضايقات الفاعلين الصغار في جميع الصفقات. لابد أن يكون هناك تخصص لرجال الأعمال. الأمور كلها مختلطة بسبب خلط النشاطات المتعارضة وظهور شخصيات تقفز بشكل سريع على أكتاف النظام .
التحدي الرابع هو بناء جسور الثقة بين المواطن و الدولة والمؤسسات، ويرتبط ذلك بأمرين :الأول يتعلق بمهنية المؤسسات. إن المؤسسات في الغالب تملك حسابات ذاتية من خلال البنية والعقلية التي ينشطون ويَسيرون فيها. نحن نلاحظ غياب التخطيط والبرمجة والقدرة على تحقيق الأهداف لأن الإدارات لا تعمل في نسق مجرد من الانتفاع واتباع الأوامر، كما أن الصلاحيات والإجراءات تعرف اختزالا في شخص المسؤول الذي ينتمي لروابط أخرى، ولذلك نلاحظ الابتعاد كثيرا عن الشعارات المرفوعة من طرف النظام على أرض الواقع مثل وضع ميزان المساواة والعدل ومثل تقريب الادارة من المواطن وغيرها من الأمور التي يصدم المواطن عند مراجعة الإدارة بما هو عكسها وضدها .
والثاني التمسك بأخلاقيات المهنة أو "مناط التكليف "، فالموظف جزء من الخدمة العمومية وبالتالي يجب أن تبعث لديه المسؤولية الشعور بالاعباء لا الشعور بالتعالي والغطرسة ولا بالفردانية والذاتية المفرطة التي يفقد فيها الموظف أي نوع من الخضوع لرغبة المواطنين او تحقيق مهمته بالطريقة القانونية أو الأخلاقية أو هما معا .إننا نعرف أن الوظيفة يقابلها البحث عن المال والجاه على حساب المسؤوليات، وهي بالتالي تبعث بشعور مختلف وبعيد كل البعد عن الأبعاد الأخلاقية والقانونية والوظيفية للمسؤولية .
إننا بحاجة لتطبيق القانون على كل أحد وأن لا توجد مساحة بيضاء أمام تنفيذ الأحكام وإنفاذ العقوبة وتطبيق القانون والعدل .

يتواصل ….

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار