عندما تتغيّر عقيدة الجيش، سيتغيّر كل شيء في البلد
منذ انقلاب 1978 تغيّرت عقيدة الجيش الموريتاني نحو السلطة والمال والجاه والأثرة بعد حرب ماحقة 1975-78. هذا التحوّل فاقم من الوضع القبلي والجهوي نتيجة لاصطفافات الضباط الكبار في السلطة ورهان الولاء. فلم تكن الرهانات الكبرى لقائد الأركان بناء قوة عسكرية، بل كانت تدمير الجيش من أجل منع الانقلابات التي بدأت حينها بمعدل انقلاب كل سنتين وقد تكرست فكرة إبطال مفعول الجيش عندما تعرض البلد لمحاولات عديدة كانت تنتمي لتنظيمات عنصرية وإيديولوجية. محاولات انقلابات الزنوج 87-89-91 والمحاولات التي تمت خلالها تصفية أطر البعثيين والناصريين التسعينيات وغيرها .
وكانت مهمة قائد الدرك في السياق نفسه هي التجسّس على كبار الموظفين وعلى الجيش نفسه، وكانت مهمة الشرطة أيضًا التجسّس على الحركات السياسية والمعارضين والحقوقيين والطلاب والمواطنين. وكان ثمن ولاء المدنيين للسلطة هو الانخراط الفعّال في هذه المقاربة: حماية النظام وتمجيده عبر التجسّس، وتوفير الدعم من خلال القبائل، والإجهاز على المعارضين وعزلهم في الساحتين القبلية والسياسية. وهكذا لم يكن اختراق صفوف النظام يتطلّب أي كفاءة أو بعد أخلاقي أو فكري، بل يكفي الاستعداد — على الطريقة العسكرية — لفعل كل ما يرضي النظام وبأي ثمن. ولذلك امتلأت الواجهة بانعدام الكفاءة وغياب الأخلاق، وصار الأطر الأكفاء، الخريجون من المدارس الكبرى، يبحثون عن الاندماج في السلطة من خلال العرض القائم: القبلية، التجسّس، الفساد، والتسليم بالواقع. وهكذا ظلّت بيئة السلطة طاردة للكفاءات والاستقامة ولأي إصلاح مهما كان سلطانه.
وبهذا، فعندما تتغيّر عقيدة الجيش عن البحث عن السلطة والانخراط في ممارستها وتثبيت أركان الطغمة العسكرية في الحكم وتوزيع المنافع والمآثر والجاه والخريطة الانتخابية عبر القبيلة والجهة ، وتتغيّر معها آليات تحريك المدنيين وتوزيعهم في تلك الرهانات؛ فإن مبررات تسلّق نخبة القبلية و التجسّس والمهام الأخرى ستنهار، لأن البلد سيدخل رهانات مختلفة: بناء المؤسسات، تغيير العقليات، محاربة الفساد، وإخلاء القبلية من دورها كمخزون للعملة السياسية. وهذا سيغيّر من طبيعة الطلب اتجاه الكفاءات والقدرات وإنتاج الأفكار والتصوّرات.
الأمر يتطلّب الالتفاف حول الإعلان بالإصلاحات الهيكلية وتنازلات السلطة لصالح الشعب، في إطار العقد السياسي الذي توجّ بانتخاب الرئيس، وليس بوصفه دعاية لرئيس لا مطمع له في السلطة بل يسعى لتحقيق إصلاحات جوهرية في البلد تكون شاهدة على مروره على رإس سلطة البلد . فنحن إذن لسنا في وضع انتخابي، للنفخ في أبواق الدعاية بل في وضع حراك عام في الدولة، تمّ فيه مدّ رأس الخيط للنخبة الكفوءة وللأطر الأصلاء في الاستقامة. ولا بد من ديناميكية يحركها هؤلاء، تفهم أبعاد وعمق التحوّل الذي نحن بصددِه. صحيح أن الغزواني ليس مُنظّرًا سياسيًا، لكنه يتبنى قرارات عميقة وجوهرية ومن رحم طموحات النخبة.
أعتقد أن الوقت مناسب لأن يُؤخذ مقبض تحريك دفّة السياسة من الجيل المندحر أمام التحولات والرهانات، والمتخاذل تجاه هدم سوقه وتغيير عملته السياسة فلكل تحول رجال وأهداف ومفردات وسوق عمل وأعتقد أن الرئيس غزواني بإعلان هذا التحول إنما غير الإطار العام للسوق القديم ورفع سقف السوق .
فلماذا التردد !!!
من صفحة الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




