الأحد
2026/01/11
آخر تحديث
الأحد 11 يناير 2026

في ذكرى وفاته الأليمة.. لم يكن المرحوم محمد يحظيه ولد ابريد الليل إنسانًا عاديًا رغم بساطته وتواضعه

10 يناير 2026 الساعة 22 و12 دقيقة
في ذكرى وفاته الأليمة.. لم يكن المرحوم محمد يحظيه ولد (…)
طباعة

فاتني يومُ تذكُّر المرحوم محمد يحظيه ولد ابريد الليل في منزل أخي وصديقي دفالي ولد الشين.
في ذكرى وفاته الأليمة، إنّه المفكر الوحيد أو على الأقل الأكثر اتقّادا ، الذي كان يُظلِّل السياسة في موريتانيا بالعمق، ويمنحها تفسيرًا وعقلانية.
لم يكن محمد يحظيه إنسانًا عاديًا، رغم بساطته وتواضعه؛ بل كان يرسم جملةً من الأبعاد القيمية والسياسية للحياة السياسية في البلد: الاقتناع، والمواقف، والمرونة، والعقلانية، وعدم المجاملة على حساب مصلحة الوطن. كان زعيمًا للبعثيين، لكنه في الحقيقة كان منظّرًا للبلد كلّه، ومخزونًا للثقة، وبوصلةً سياسية للأنظمة. لا يكاد يوجد أحد في هذا البلد إلا وكانت له علاقة، على مستوى ما، بمحمد يحظيه. ومع تواضعه وهضمه لنفسه، قلَّ من لم يأخذ الدروس منه.
كانت لي به علاقة خاصة، وعندي معه مواقف، سأذكر منها هذا الموقف:
في بداية مشاكل المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله مع الجنرالات خاصة محمد ولد عبد العزيز ، كنت متحمسًا جدًا لدعمه، من دون أن يطلب ذلك مني أحد، فقط لأنني أمقت وصاية العسكر على السياسة والحكم في البلد. وقد التقيتُ آنذاك بولد الغزواني، وهو قائد الأركان، في هذا الشأن، وتحدثت معه حول علاقتهم السرية بما سمّيناه حينها «الكتيبة البرلمانية»، وأنهم بذلك تراجعوا عن الميثاق الوطني مع الطبقة السياسية الذي وقّعته معهم عند دعمها لانقلابهم ضد معاوية، بوصفها حركةً تصحيحية لوقف انحدار البلد. وقد تحدثت عن ذلك اللقاء في مقال قديم بالمناسبة.
لكنني أدركت أن لمحمد يحظيه، عبر مقاله «لنغسل العار»، رأيًا فيما يدور. اتصلت به على الهاتف المحمول وطلبت لقاءه، فردّ عليّ بأنه هو من سيأتيني في الجريدة يوم الجمعة على تمام الثانية عشرة. قبلها بدقائق، وقفت عند الباب الخارجي أنتظره، لمعرفتي بدقته والتزامه بالمواعيد.
دلفنا من الباب الخارجي إلى المكتب، ودخلنا مكتبي دون أي ترتيبات خاصة، فهو لا يحب البروتوكولات. جلسنا، وبعد السلام، دخلت معه في الحديث من زاوية وضعية البلد والتحديات والرهانات التي يتعين كسبها بإلحاح، وأولويات الوضع آنذاك. كان لقاؤه فرصة كبيرة لي، لكنه كان يدفعني دائمًا للكلام.
قلت في ثنايا الحديث — وهذا لبّ الموضوع الذي أردت الحديث معه بشأنه — إن الجيش من خلال تحريك السياسيين ، يريد تعطيل مسار البلد وإعادته إلى المربعات التي اتفقنا على تجاوزها، أي الطبقة السياسية المعارضة حينها، بدعم التناوب وابتعاد الجيش عن السلطة، وأنهم اليوم يريدون عرقلة المسار عن طريق النواب وبعض السياسيين التابعين لهم واستغلال ذلك لأهدافهم الشخصية لا الوطنية .
قال لي: أليس العمل السياسي مشروعًا للمدنيين؟
قلت: نعم.
قال: هذا حراك سياسي، ونحن لم نرَ العسكريين دخلوا هذه العملية ببزّاتهم، أمّا غير ذلك فمجرد تأويلات.
تأكدت، أنه يتبنى القضية، بل إن مقاله «لنغسل العار» كان الشرارة الحقيقية. قلت له: ألا ترى أن الديمقراطية في خطر، وأننا سنعود إلى معركة الجيش على الكرسي؟
قال لي: الديمقراطية لم تكن مطلبًا شعبيًا عندنا، بل فُرضت علينا مثل بقية الأمور الأخرى، بما فيها نشأة الدولة. وفي بعض الأوقات تكون بعض الخيارات إجبارية، حتى وإن لم تكن هي التي تفضّلها الطبقة السياسية؛ فمصلحة البلد هي التي تحدد ذلك.
تأكدتُ أن محمد يحظيه انتقل إلى الضفة الأخرى نهائيًا.
لقد عرف محمد يحظيه سبب طلبي لقاءه، وكان صريحًا في الرد؛ إذ رأى أنه لم تعد هناك أي فرصة لإصلاح النظام ولا للتأثير فيه في الاتجاهات التصحيحية. انتهى الحديث، وخرجت أودّعه، فرفض أن أتجاوز معه عتبة المكتب، وودّعني وخرج. لقد كنت أحترمه، وأجله كامل الإجلال، وأحبه بالقدر نفسه وأعرفه منه الحب الذي يسكنه لهذا البلد وشعبه وعاداته وقيمه .
تغمّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته لقد فقدنا بوفاته التعقل والبصيرة والجرأة في السياسية وفي المواقف .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار