الأربعاء
2026/03/18
آخر تحديث
الأربعاء 18 مارس 2026

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة السادسة)

منذ 2 ساعة
القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان (…)
طباعة

إشعاع الربوبية وحدود العقل الإنساني
إنّ هذا الخطاب القرآني يشعّ بكمال الربوبية؛ فالصفات التي يتضمنها ليست إلا صفات الخالق المدبّر، المكوِّن، قيوم السماوات والأرض. وما ينبثق عنه من معانٍ ليس مجرد أفكار تُدرَك بالعقل فحسب، بل هو إشعاع حيّ يتسرّب إلى كيان الإنسان، أيًّا كانت لغته أو بيئته، فيخاطب فطرته قبل لسانه.
فالإنسان، حين يصغي إلى هذا الكلام، لا يملك — ما لم يكن أسيرَ الكِبر — إلا أن يتأثر به؛ إذ يجد في أعماقه صدىً يتجاوب مع هذا النور(17). غير أنّ هذا الإشعاع قد يرتدّ عند بعض النفوس، لا لقصورٍ فيه، بل لوجود حاجز داخلي من التعالي والكبرياء، يمنع الحقيقة من النفاذ. وهنا لا يكون الرفض نتيجة نقص في الدليل، بل نتيجة موقف نفسي سابق عليه.(18)
وقد صوّر ذلك تصويرًا دقيقًا ما نُقل عن حادثةٍ في مجلس عزاء، حين لم يكد أحد الحاضرين يسمع تلاوة القرآن حتى همس لصاحبه قائلاً: “قم، فإن هذا الكلام يكاد يغيّر عقلي”،(19) ثم انصرف هاربًا. إنّ ما خافه هذا الرجل لم يكن ضياع عقله، بل تحوّل قناعاته؛ فقد لامس الخطاب أعماقه وكاد يقتحمها، لولا أنّ كبرياءه تصدّى له، فآثر الفرار على المواجهة.
من هنا يتبيّن أن القرآن إنما يخاطب العقل السليم المنفتح، لا العقل المتعالي المنغلق. فالعقل الإنساني — في أصله — يملك قابليةً لإدراك الحق، غير أنّ هذه القابلية تتفاوت بحسب البيئة الثقافية والاجتماعية التي يتشكّل فيها. فحيوية الثقافة وانفتاحها توسّع أفق المقارنة والنظر، بينما يفضي الفقر الثقافي إلى أحكامٍ متعجلة ورؤيةٍ ضيقة، ترفض ما يخالف المألوف دون تمحيص.
ولعلّ من أبرز أسباب الخلل في تقييم الأفكار أننا كثيرًا ما نعزلها عن سياقها البنيوي والثقافي، فنحكم عليها من ظاهرها، ونغفل عن الجذور التي أنشأتها. وبذلك يبدو الرأي وكأنه قائم بذاته، بينما هو في الحقيقة نتاج برمجةٍ ثقافية واجتماعية شكّلت وعي صاحبه وحدّدت أفقه.
ومن هنا كان الخطأ في النتائج غالبًا امتدادًا لخطأٍ في نقطة الانطلاق.
وفي هذا السياق يقدّم القرآن نموذجًا كاشفًا في خطاب فرعون، الذي ادّعى الربوبية قائلاً: ﴿ أنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾[سورة النازعات، الآية:24]. ثم ما لبث أن فضح منطقه نفسه حين قال:﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾[سورة القصص، الآية:38]. فهو يتكلّم بلسان الإله، ثم يتصرّف بعجز البشر؛ يدّعي العلو المطلق، ثم يطلب الوسائل المادية ليبلغ السماء.
وهكذا تكذّب بشريته دعواه، إذ لا يزال محكومًا بمنطق الاحتياج والسببية(20).
وهذا التناقض ليس حكرًا على فرعون التاريخ، بل يتكرر في صور مختلفة عبر العصور. فبعض دعاوى العلم الحديث، على ما بلغته من تقدّم، لا تزال تحمل في طيّاتها المنطق ذاته؛ من ذلك قول بعض البيولوجيين: “أعطوني مادة وزمنًا أصنع إنسانًا”.(21) غير أنّ هذا الادعاء، عند تحليله، يكشف عن افتقارٍ جوهري؛ إذ يفترض وجود المادة والقوانين والحياة نفسها، دون أن يفسّر أصلها. ومن ثمّ يظلّ الإنسان — مهما تقدّم علمه — محتاجًا إلى ما وراء قدرته.
وهكذا يبقى التحدي الوجودي قائمًا: سرّ الحياة والموت. فلا العلم استطاع أن يتجاوزه، ولا الإنسان انفكّ عن التساؤل حوله. وفي مقابل هذا العجز، يأتي الخطاب القرآني ليذكّر الإنسان بحقيقته: كائنٌ محتاج، محدود، لا يستغني عن خالقه، وأنّ ما يلوح له من إشعاع الربوبية في هذا الكلام إنما هو دعوة للعودة إلى الأصل، لا للفرار منه. لكي يعرف سر السؤال الوجودي: الحياة والموت؟!.....

يتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

لمرابط ولد لخديم